“تميّز” كورونا الوبائي: بشر في القفص وحيوانات تسرح

يشبهُ العالم هذه الأيام فيلماً سينمائيّاً شعبويّاً من الدرجة الرابعة. كلّ ما حدثَ ويحدثُ وما سيحدثُ؛ مهلّهلُ البنية، ينقصهُ قدرٌ كبيرٌ من التماسك. بات هذه العالم واحداً في الداء والموت، لكنّه مختلفٌ في تبنّي رؤية غير جوهرانيّة لأصل الداء وسببه، هل هي الولايات المتحدة أو الصين: من يقود العالم إلى حربٍ بيولوجيّة تتّجه به صوب الهاوية؟ وهل فقد الذين "خَلقوا" فيروس كورونا المستجدّ، على جاري قول البعض في افتعال الوباء، قدرة سيطرتهم عليه حقاً؟

يرتقي أيّ تخمين معبّر عنهُ في صورة “نظريّة المؤامرة” إلى فكرة أو واقعة؛ إذا تبنّى الضحية هذا التصوّر “المؤامرتي”، وحوّلهُ من مجرد حديث مرسل إلى اتّهام، ومن تخمينٍ عائمٍ إلى ادّعاء!
الذي جرى أنّ المتحدّث باسم وزارة الخارجيّة الصينيّة تشاو لي جيان قد وجّه الاتهام صراحةً للولايات المتحدة، وقال بأنّه يمتلك على غرار ذلك: “إثباتات”!
للمرة الأولى في طروحات “نظريّة المؤامرة”، تستوي خيارات التصديق والتكذيب معاً، ولا يُتهم من يَتَهِم بـ”الشعبويّة”. هذا هو الجديد الأدبي في التعاطي الآن مع ما هو حاصلٌ في عالم اليوم.
أما عن الجديد الحكومي، فقد عاملت دولٌ هذا الوباء بالكثير من الخفة والنّزق، بدءاً بالصين أوّل الأمر مروراً بإيطاليا وصولاً إلى الولايات المتحدة التي قامت بما يزيد عن 500 كشف فقط، في الأسبوع الماضي أو الذي قبلهُ، في حين أجرت كوريا الجنوبيّة من اختبارات الكشف أكثر ممّا أجرتهُ الولايات المتحدة بـ 700 مرة للشخص الواحد فقط! (حسب نيكولاس كريستوڤ في مقال نشره في “نيويورك تايمز” الأسبوع الماضي، تحت عنوان: 12 Steps to Tackle the Coronavirus)، كما أجرت بريطانيا  وقتها، 18 ألف كشفٍ طبي، جعلها تستفيد معنوياً من إشادة منظمة الصحة العالميّة على لسان الناطق باسمها في القناة البريطانيّة الرابعة، بغضّ النظر عن عدم كفاية هذا الاهتمام، حسب ما يقولهُ بريطانيون غاضبون.
ربما أخذت بريطانيا خبرةً ما في تعاملها مع الأنفلونزا بأنواعها الثلاث (A.B,C) منذ وقوعها سنة 1890، ثم بلوغها الذروة سنة 1918، حيث اجتاحت زمنئذٍ، مدن بريطانيا بأكملها، في مطالع الصيف، ليتبيّن لاحقاً أنّ الجنود العائدين إلى ذويهم قد نقلوا العدوى من فرنسا، فمات على إثر ذلك الكثير، أغلبهم من صغار البالغين، وكان ذلك أحد أسباب شهرة الوباء، فقد نجا المسنّون منه، على غير ما ألفهُ الناس في ذلك الزمان، ثم عاود المجيء بصور متقطّعة ما بين 1919 إلى 1921، ثم عندما حلّت سنة 1929، تجاوزت ضحاياهُ  الـ 25 مليون. وبلغَ حدّاً غير مسبوقٍ في بعض المناطق، إذ أودى بـ 50% من سكانها. وكان “وسم” استهدافهِ للصغار أكثر من المسنين، ميزته التاريخيّة والطبيّة. وفي الأخير تبيّن أنّه منقولٌ من القرود إلى البشر نتيجة حالات طباعيّة غريبة لدى الجنود البريطانيين في ذلك الزمن!
وبرغم أنّ الطاعون قد انتشر في مصر حين بلغ ذروتهُ في عصر المماليك الجراكسة في الفترة الممتدة من 1382 وصولاً إلى 1517، فضلاً عن الأنفلونزا الإسبانيّة التي أودت بأكثر من 70 مليون انساناً سنة 1918،  لكنّ سبب شهرة وباء إنجلترا 1918 الذي غطّت عليه مزامنة الإنفلونزا الإسبانيّة؛ هو انتصار “التميّز” الوبائيّ عن طاعون مصر والإنفلونزا الإسبانيّة، فقد أخذا حيزهما التاريخي كاملاً، بيد أنّهما لم يحقّقا وسم “التميّز” الوبائيّ!
هذا “التميّز” الوبائي الذي طبع كورونا المستجدّ، وهو ما يُشاع حول استهدافه للمسنين، ذكّر بانفلونزا إنجلترا الذي استهدف الصغار؛ استغلهُ مصمّموّ أزياء “برعوا” في زخرفة كمّامات موشّاةٍ بأشكال متداخلة وخطوط متعرّجة لكل الأعمار، بدءاً بـ Masha Maand Yin Peng مروراً بعلامة  Yoox الصينيّة:Qiu Hao Xander ،Zhou Sankuanz، ثم العلامة التجارية السويديّة Airinum  والعلامة الإيطاليّة Nemen، وصولاً إلى المصممة الفرنسيّة الشهيرة Marine Serre..   تفنّنوا في تصميم كمامات وقفازاتٍ معقّمةٍ تناسب “طقم” العزل الصحي!

لقد استفادت الرأسماليّة العالمية من تشي غيفارا نفسهُ، فقد جنى رينيه بوري الملايين مقابل صورة تشي بالسيجار الكوبي، أما ألبرتو كوردا، فقد حصّل الملايين من التقاطه لصورة تشي متباهياً بالنجمة على قبعته

هذا التسليع أصبح ظاهرة جديرة بالنظر، فلم يعد المرض والخطر والموت أدوات عصيّة عن الاستغلال والاستفراد، بلّ صار الموتُ واستغلال عواطف البشر الخائفة من الأوبئة، “وسوماً” تجاريّة يمكن أن تدرّ الملايين على خائفين آخرين، يعملون على تسخير ضحايا لصالح زبائن خائفين!
ومع الوقت، بتنا نشهدُ موت الحدود بين المشاعر البشريّة، وأصبح المال والربح وقيم السوق عبارة عن مواصلات تسويغيّة بين طرفين لم يصبحا متناقضين تماماً كما علّمتنا الطبيعة؛ ذلك أنّ العادة قد استقرّت على أنّ الفرح والشجاعة وكل ما لهُ صلة مباشرة بأهازيج نفسيّة تعبّر عن الرضا الذاتي والمجتمعي، هي المواد التي يمكن الاستثمار فيها من أجل الربح، لكن ومع التطوّر الذي زاحم القدر على الموت، صرنا نشهدُ منافسةً مربحة على تحويل الخوف من تعبير أقصوي عن الجزع والهلع من التلاشي والتبدّد، إلى اتّفاق مرجعي شبه نهائي مع نقيضه: الفرح! و”المُحلّل الشرعي” هنا أو “التيس المستعار”، هو: المال.
لقد استفادت الرأسماليّة العالمية من تشي غيفارا نفسهُ، فقد جنى رينيه بوري الملايين مقابل صورة تشي بالسيجار الكوبي، أما ألبرتو كوردا، فقد حصّل الملايين من التقاطه لصورة تشي متباهياً بالنجمة على قبعته.
الرأسمالية وباءٌ حقيقي، فمثلما لم تُعتق غيفارا من استغلالها، تفعل ذلك مع عيد الحب أيضاً، عندما تستغل العشاق بشكل بشع! (مداخيل هولندا من الشيكولا والورود (الكيتش) و”الدباديب” في الفالانتين في موسم واحد، يعدلُ ما تحصل عليه الدول النفطية مجتمعة في زمن الفورة النفطية). ومؤخراً صار بإمكانك أن تطلب من خدمة “الأمازون” تي شيرتات ألمانية تحمل صورة شوبنهاور، وعليه ما يعني “أنا متشائم”.
يكمنُ ذكاء وقسوة الرأسماليّة في أنّها لا تنظر إلى القيمة بوصفها قيمة سالبة أو موجبة، موجهة أو محايدة، وإنّما ترى في مدى الجدوى الوظيفية لتلك القيمة، بتجيير القلب لصالح الجيب، عن طريق قلب المقاييس (اللفظ مقابل المعنى، الغاية مقابل الوسيلة، التهوّر مقابل الشجاعة، الصحة مقابل المرض..) وهو أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان.
وبالعودة إلى موضوع الحال، ومهما حاولنا أن نتغاضى عن “نظريّة المؤامرة”، نجد أنفسنا أمام ثلاثة تقديرات مهمّة حول هذا الواقع المؤلم للبشر بعامة:
الأول: إذا سلمنا بأنّ فيروس كورونا مفتعل، فنحن بصدد حرب بيولوجيّة غير أخلاقيّة، موازيّة، وأكثر قذارة من الحرب التقليديّة حتى على صنّاعها، إنْ ثبت الادعاء الصيني، فقد أصبح واضحاً أنّ الأشباح التي صنّعت وخلّقت هذا الفيروس، فاتها، مقدرتهُ على التفلّت من عقال السيطرة، وما ترسّخ لدى هذه الدوائر المغلقة، أنّ الفيروس موضوع للسيطرة، قد يتحوّل نفسهُ إلى مُسيطر على من بذلهُ ونشره أيضاً.
الثاني: مقدرة كورونا على تحديث مفهوم وضعي هو “الموت الانتقائيّ”، برغم شفاء الغالبيّة منهُ، وهو ممّا يطرح المزيد من الأمل، فللمرة الأولى تحوّل الإنسان إلى مشروع موت، مقابل تحوّل الحيوان إلى مشروع حياة. فكما رأينا في تلك الصور الشهيرة حول انقلاب المعادلة في  حدائق الحيوانات، نشهد ذلك حقيقةً الآن، فقد تحوّلت البيوت إلى أقفاصٍ تحبس البشر، الذين يطلّون من الشرفات ويعزفون الموسيقى من أجل مخاتلة الوجع والاستعاضة عن البكاء بالغناء في إيطاليا، يفصلهم عن الخارج،  قضبان حديديّة تنتصب في نهاية الشرفات، فيما ترقبهم الطيور حرّة على الأسلاك وفوق المداخن، وتبادلهم القطط والكلاب النظرات وهي تجري بحريّة في الشوارع والدهاليز.
الثالث والأخير: وصول البشريّة إلى مرحلة العجز أمام الفيروسات، وقدرة هذه الأخيرة، على شنّ حربٍ بيولوجيّة منظمة على بنيّ البشر، دون أن يُثبت البشر مقدرتهم على المواجهة البيولوجيّة الطارئة، إذ يمكن وصفَ هذا العصر اللاحق على وباء كورونا، بعصر “المزيد من الوقت”، في حين أنّ الفيروسات تُحسن استغلال الوقت على نحوٍ طارئ وسريع.
ويمكن أنْ نضيف إلى التقديرات السابقة، تقديرٌ يستنّ بقول لينين “الاقتصاد هو ممارسة السياسة بشكلٍ مكثّف”، فنقول: اقتصاد اليوم هو نتيجة لزواج الفيروس بالسياسة وانتهائهما إلى طلاقٍ مؤجّل إلى أجلٍ غير مسمّى، فلم يعد هنالك شيء يقبل أن نفصلهُ عن شيءٍ آخر، الجميع على سويّة واحدة، فالبشريّة تيقنت بأنّ المصير مشتركٌ، مهما ادّعت الأمم خصوصيّتها الثقافيّة والسياسيّة والدينيّة والإيديولوجيّة وبالتأكيد: المصيريّة.

(*) كاتب ومثقف جزائري

ضيف حمزة ضيف

كاتب وصحافي جزائري

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
udemy course download free