إنّهُ عالمٌ كذاب، كذاب.. كذاب

صار يهف من ذاكرتي خلال الأسابيع الأخيرة عنوان وتفاصيل فيلم سينمائي أظن أني شاهدته في السنوات الأولى من عقد الستينيات الماضية. كان العنوان "إنه لعالم مجنون مجنون مجنون" ومخرجه ستانلي كرامر وبطله ميكي روني النجم الذي أحببت وأنا أمر سريعا في عز سنوات شبابي.

أما التفاصيل فتحكي قصة مجموعة أصدقاء تشابهت ميولهم وتجمعهم قيم إنسانية رفيعة وعلاقات طيبة سمعوا ذات يوم عن كنز مدفون في بقعة من غابة قريبة. راحوا يتسابقون. انطلق السباق هادئا ثم ساده المرج والهرج وبعد مسافة ووقت استبدت بالمتسابقين حالة قصوى من الجشع فاختلفوا وانحدر الاختلاف إلى الاشتباك منتهيا بالاقتتال. جرى كل هذا في سياق كوميدي اختلط بسخرية لاذعة أثارت في المتفرجين أحاسيس متنوعة. وهو ما أكدته صديقة جديدة في لندن وأضافته من معلومات استعنت بها. ذكرت أيضا أن الفيلم حصل وقتها على جائزة دولية كبيرة وحاز على شعبية فائقة.

***

الآن فقط صرت أعرف السبب في أنه خلال الأسابيع الأخيرة عاد هذا الفيلم يحتل عندي حيزا من الاهتمام متزايدا في الاتساع وفي العمق على حد سواء. كنت اقرأ كل ما ينشر عن صراع الكبار على أوكرانيا وأسمع كل ما يذاع وأشاهد كل ما يعرض. مع مرور الوقت، وجدت نفسي لا أقرأ وأسمع وأشاهد إلا بعضا من كل ثم أصبحت اكتفي بالنتف حفاظا على إمكانات الوقت المخصص لمهام المتابعة والتحليل بعد أن استقر عندي وعند كثيرين غيري شعور مؤكد باتساع الهدر في هذه الإمكانات على ما لا يفيد.

انتهيت إلى قناعة أن أكثر ثم كل ما أقرأه وأسمعه وأشاهده حول موضوع أوكرانيا بعيد عن الصدق. تأكدت مما انتهينا إليه حين سمعت وقرأت ورأيت أن جميع أطراف هذا الصراع راحت تتبادل الاتهام بالكذب. الغرب لا يجد في بيانات روسيا غير الكذب وروسيا تتهم الغرب والأوكرانيين بالكذب والصين تشك في صحة مواقف الطرفين وإن لم تفصح إلا عن القليل، وهذه في حد ذاتها موقف لا يبتعد كثيرا عن حالة الكذب السائدة في الخطاب السائد بين الأطراف المباشرين في الحرب.

***

أتوقف قليلا هنا. نعم اخترت الصين لأنها في نظر دول العالم النامي لا تزال تحتل إحدى الصفات التي عرفت بها في سنوات نهضتها الأولى أو التي اعتنقتها لفترة من الزمن وكانت هي نفسها فخورة بها. في مقابلة في بكين العاصمة مع شو اين لاي رئيس وزراء الصين المخضرم وشريك هنري كيسنجر في عملية إخراج الصين من عزلتها التي فرضها عليها الغرب، أذكر أنه خلال النقاش الذي دار بينه وبين الزميل الراحل محمد سيد أحمد حول الخلاف الناشب لفترة غير قصيرة بين الاتحاد السوفييتي والصين قال أن العالم ينقسم قسمين، قسم نطلق عليه في فكرنا الأيديولوجي صفة “المدينة العالمية” وهو القسم الذي يضم أمريكا وأوروبا والاتحاد السوفييتي، أما القسم الثاني الذي نطلق عليه صفة “الريف العالمي” فهو الذي تنتمي إليه الصين وبلدكم، ويقصد مصر، وغيرهما من دول العالم الثالث. أضاف قائلا إن هذه الدول لا ولن تمارس الهيمنة التي تمارسها دول الغرب والاتحاد السوفييتي لأنها عانت كثيرا وطويلا من الهيمنة الإمبريالية.

الغرب لا يجد في بيانات روسيا غير الكذب وروسيا تتهم الغرب والأوكرانيين بالكذب والصين تشك في صحة مواقف الطرفين وإن لم تفصح إلا عن القليل، وهذه في حد ذاتها موقف لا يبتعد كثيرا عن حالة الكذب السائدة في الخطاب السائد بين الأطراف المباشرين في الحرب

مشكلتي مع هذا التحليل، وقد أعلنتها في وقتها، أن الصين سوف تنهض وقد تصبح قوة عالمية، فهل يصيبها ولو رذاذ مما جبلت عليه قوى الهيمنة في “المدينة العالمية”؟. وإذا كنا نتفق على أن العالم بالفعل ينقسم إلى نوعين، نوع بالممارسة والتجربة عرفناه أقرب إلى قيم الشر والجشع والتوحش، ونوع بالممارسة والتجربة أيضا عرفناه أقرب إلى قيم الخير والشرف والصدق، وأننا بالفعل وقد عقدنا لأنفسنا مؤتمرا في باندونج ومشينا سنوات على نهجه، فإننا الآن وبعد مرور أكثر من ثلاثة أرباع القرن نجد صعوبة، أو استحالة في الواقع، في عقد اجتماع مماثل لاجتماع عام 1955. أحيانا نتصور أن عالم الخير والطهارة والطيبة تفكك أو تحلل واندمجت أجزاء منه وبعض مكوناته في الكل الكبير، أي في عالم الشر والجشع والكذب، ولكن دون أن يكتمل نمو هذه الأجزاء والمكونات وتنهض مثلما نهضت الصين.

***

أتابع كثيرا وانسحب أحيانا. أتابع فأجزع فانسحب ثم أعود بحكم العادة. أتابع الضغوط التي تمارسها دول الغرب وبخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وبيروقراطية الاتحاد الأوروبي وبعض دول التماس مع الاتحاد الروسي. تابعت ما حدث مع حكومة عمران خان في باكستان ولم تنقذه علاقاته الوثيقة بالصين جارته الكبيرة. تابعت وجزعت. تابعت دفقات متتالية من الكذب من كافة أطراف السياسة في باكستان وفي الغرب انتهت جميعها بخروج مخزٍ للزعيم الذي تحدى ثم تصدى قبل أن ينزاح بفعل فاعل. كذب طويلا وكذب أخيراً. أتابع، وللأسف أيضا، الضغوط الصاخبة والمذهلة في آن، على الزعيم الهندي نارندرا مودي وجماعته في الحكومة المركزية وحكومات الولايات. حتى هذا الرجل، وتحفظاتي عليه ليست قليلة ومنها أو على رأسها النقص في الصدق وفي الإنسانية رغم تشدده الديني وتطرفه العرقي، جزعت من حجم الضغوط وقسوتها على مستقبل الهند لو أن السيد مودي لم يستجب وبقي رافضا وقف التعاون مع موسكو والتوقف عن ممارسة سياسات عدم الانحياز عند التعامل مع أطراف الأزمة الأوكرانية.

إقرأ على موقع 180  الصين تصعد.. أمريكا تنحدر وأوروبا قلب النظام الدولي على حالها

أتابع أيضا الضغوط من كل أطراف الحرب الأوكرانية على دول الخليج المنتجة للنفط. مطلوب من هذه الدول أن تزيد من إنتاجها النفطي بهدف محدد وهو الإضرار بمصالح روسيا العضو الأحدث والمتزايد الأهمية والنفوذ في منظمة المنتجين للنفط. أجزع كلما فكرت في احتمال أن تطول الحرب فتلجأ دول الغرب وبخاصة الولايات المتحدة إلى تكثيف ضغوطها أو تنويعها غير واعية إلى أن هذه الدول كانت إلى عهد قريب من الحلفاء الدائمين للغرب. من الناحية الأخرى تضغط روسيا بسلاح الحبوب وبالأسلحة الأخرى حتى لا يخضع منتجو النفط ومنهم إيران لضغوط أمريكا فيميلون إلى الجانب الآخر في هذه الحرب.

***

يقال إن عدد العقوبات المفروضة على روسيا وقياداتها تجاوز الرقم 6000 عقوبة. العقوبات بهذا الحجم والعدد تشكل تطورا في العلاقات الدولية غير معهود وغير مقبول، صارت مثلها مثل العدوان العسكري والغزو الفعلي من دولة على أخرى بل واحتلالها. أظن أنه الرادع الأعظم الذي يمكنه نظريا إجبار الصين على التروي طويلا قبل اتخاذ قرار لاستعادة سيادتها على جزيرة تايوان الصينية تاريخا وعرقا. وفي رأي معلقين وأكاديميين أمريكيين هو الرادع الذي يكفل عودة الدول غير المنحازة في الحرب الأوكرانية “إلى رشدها”. الجدير بالذكر أن المواجهات في السياسة الدولية إذا اقتربت إلى هذا النحو من الحالة الصفرية فإنها في الغالب سوف تنحو مناحي العنف العشوائي وأحوال الفوضى الشاملة.

من حقنا أن نجزع.

Print Friendly, PDF & Email
جميل مطر

كاتب ومفكر مصري مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  حل الأزمة الأوكرانية ممره أميركي ـ روسي وليس أوروبياً!