في طريقي إلى المستشفى.. قصر اللايقين

في زمن الكورونا، ألجأ إلى الكتابة. علّ الكلمات تداوي شيئا من دوامتنا المجنونة. عندما تفشل الأفكار (والعلوم) "تصبح الكلمات في متناول اليد"، وفق القول المأثور للشاعر الألماني الكبير يوهان فولفغانغ غوته.

حدة الصقيع في هذا الصباح الربيعي الفرنسي جعلت أزهار الأشجار البيضاء تظهر اشد روعة. جماليتها تفصلها عما يحيط بها، فتبدو بعيدة كصورة معلقة على جدار. اعتدت منذ بداية زمن الوباء ان أتوقف للحظات في موقف السيارات المؤدي الى عملي ارصد التغيرات واستنشق آخر جرعة من الهواء – ربما صارت اقل تلوثاً في هذه الايام ـ قبل التغلغل في قصر اللايقين، المستشفى طبعا. غياب المارة وإختفاء الجلبة الصباحية المعتادة، يحوّل النظر الى ما  هو اعلى من مستوى الرؤية الأفقية. السماء المتهكمة بالأزرق الباهت في لوحات  Magritte تتداخلها بعض الغيوم لتشكل اطارا وليس اكثر لصخرة عملاقة  تنطح  السحاب وتحتل الفضاء في لوحته  قصر في البيرينيه Château en Pyrénées.  وبين اللايقين وبين البيريني، إستعدت ذكريات من وحي “بين القصرين” و”قصر الشوق” وروايات اخرى شغلت أوقاتنا ومراهقتنا في ايّام الحرب الأهلية في لبنان، خاصة وأن بيتنا كان يقع على بعد أمتار من خطوط التماس.

إنتهت الرحلة ومعها التأمل وحان وقت الدخول إلى القسم الذي اعمل فيه. هول الأزمة يزداد كل يوم، فأرقام الليلة الفائتة كانت تتصاعد. عدد الأسرة في العناية الفائقة، عدد الوفيات.. في المقابل، زاد عدد المرضين وعدد الأطباء  الذين توقفوا عن العمل بسبب اصابتهم بالوباء. نحصي ما أمكن أن نحصي، قبل أن ننتقل الى الميدان لإدارة النقص الدائم في المعدات والإمكانات  الوقائية. نقضي ساعات طويلة   في معالجة كمّ لا ينضب من الطلبات، وبرغم ذلك، ها هي النواقص والمشاكل تحاصرنا، ومعها يزداد الهلع وتضيع المعالم وتختلط علينا الأوقات.

في كل مرة نكتشف ساحة جديدة. خط تماس. خطوط تماس. غير أنها لا تجعلنا نغادر معركتنا الكبرى: كيف نحمي المرضى ولا سيما من يحمل من بينهم أمراضاً مزمنة؟ كيف ندفع بعمال الصحة (اذا صح القول) إلى الصفوف الأمامية في هذه “الحرب” المعلنة، من دون عتاد يحميهم؟

الجواب من قبلنا – أي الأطباء الذين يعنون بالأطباء في مركز عملهم (Medecins du travail ) – يعتمد على “شجرة قرار ” ( arbre décisionnel)  التي تعتمد بدورها على قرار الخبراء. والخبراء هم الباحثون في الطب. علم الفيروسات. علم الأوبئة. الانتروبولوجيا. الأمراض المعدية والإنعاش وغيرها. قرارات نتخذها أو ننتظرها برغم طابعها غير الدقيق، الأمر الذي يزيد من ضبابية الظروف التي نصارع في قلبها.

والملفت للإنتباه اليوم ان العلماء والخبراء يختمون وثائقهم التوجيهية بالعبارة الآتية: “تعليماتنا التالية في هذه الظروف تعتمد على معطياتنا حتى اليوم وهي قابلة للتغيير، حسب تقدم المعرفة”.

عبارة قد تكون مفهومة ومقبولة، لكن على الصعيد العملي، هي تعني ان خلاصات البارحة في عملنا، قد تصبح أمراً مختلفاً ينافيه، اليوم، فيجعل الثقة العامودية صعبة المنال طالما هناك خوف وشك في واقع  الاشیاء. خوف وشك يتسرب من الجميع إلى الجميع. هذه هي الدوامة التي كنا نقرأ عنها ولم نعرفها عملياً إلا الآن.

لا أجد ضالتي. إنه العجز. الدوامة. يصير  الانغماس  في العمل حتى الإنهاك خير واقٍ. ندخل في البدء بدينامية تلقائية في معالجة الأمور. وعند اشتداد الضغط، لا بد من التحكم بكل هذا الغضب. هذه ضرورة للخروج من السلبية. نحاول ضخ طاقة إيجابية. لكننا نجد أنفسنا في مطرح بين إثنين. بين السلبية والإيجابية

هذا الواقع يجعلنا ندرك اكثر فأكثر ان الطب وآلياته وقعوا في حالة من العجز. هذا سياق غير معهود وغير مألوف، خاصة في زمن بتنا نشعر فيه أن العلم تطور والذكاء الإصطناعي صار بمقدوره أن ينوب عنا، لكننا وجدنا أنفسنا محاصرين فجأة بالأسئلة الكثيرة والأجوبة القليلة. الإجراءات المتبعة الصادرة عن السلطات العلمية تتداعى لحظة صدور غيرها، فتطبع بيئة العمل بالتشتت والضياع. هذه نتيجة لخيارات إقتصادية نيوليبرالية غير خافية على أحد. وهو ما عُبِّر  عنه ب bio pouvoir. لا ينفع التحسر على فوكو Foucault هو حلّل ولم يجد حلا هو الآخر.

أفكر بإعتماد معايير مختلفة في قراءة ما يجري من حولي. لا أجد ضالتي. إنه العجز. الدوامة. يصير  الانغماس  في العمل حتى الإنهاك خير واقٍ. ندخل في البدء بدينامية تلقائية في معالجة الأمور. وعند اشتداد الضغط، لا بد من التحكم بكل هذا الغضب. هذه ضرورة للخروج من السلبية. نحاول ضخ طاقة إيجابية. لكننا نجد أنفسنا في مطرح بين إثنين. بين السلبية والإيجابية. عندها، نطرح السؤال على أنفسنا هل نحن قادرون على التحكم في ما نفعل وما نريد فعله؟

في هذه الأجواء، نتخطى القوانين والتقاليد السائدة، لا سيما عندما ندرك أن المعروف والمتعارف عليه منها بات قاصراً عن سبر مشهد أو حالة ما. السوريالية لا تعني بالضرورة مغادرة الواقعية. هي محاولة لأخذ مسافة بعدما ادركنا ان العلم فشل. هي أيضا وسيلة لإقامة مسافة مع واقع يهدد بقساوته مناعتنا النفسية أولاً. السوريالية تحررنا من لغة الحسابات والمنطق والجداول والإحصاءات. نطلق العنان لكل ما يهيم في بالنا من دون مروره بالضرورة في دائرة مراقبة الأنا العليا (surmoi)  مركز المنع والحظر..

كل يوم أردد اللازمة نفسها: هذا يوم لم اشهد مثيلاً له من قبل. منذ بداية الأزمة وانا اردد ذلك يومياً. لم اكن اعلم ان الفظاعة هي اكثر من صورة. صرنا نلمسها ونسمعها، فتلازمنا في مضغ الطعام وفي قسط الراحة في آخر النهار. صار الجمال مُركّزاً في خيوط أشعة الشمس وهي تخترق نافذة مكتبي من خلف الستارة، وفي انحناءة رقبة سيدة موديغلياني في لوحة معلقة على الحائط المقابل. صرت أتأمل التفاصيل التي قلما كانت تعنيني سابقًا. أرقبها علها تتحرك ولكنها لا تتحرك، فيجذبني جمودها وتجذبني تفاهتها. شعرت فجأة انني سجينة، وهو ما سماه ( la Boetie )  بالانصياع الطوعي (la servitude volontaire ).

دعوتي للجميع من موقعي في هذا الخندق حيث لا سلاح ولا خوذة ولا متاريس تحمينا: أطلقوا العنان للأفكار بعيداً عن اية رقابة (censure)، حتى الجنون.

(*) طبيبة لبنانية مقيمة في فرنسا

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download