وما أدراكَ ما الحرب.. جُرحنا المفتوح

في يومٍ من أيام سنة 1999، وبينما أنا أسير في شارع Richelieu الباريسي قاصدةً "المكتبة الوطنيّة الفرنسيّة"، فإذا بي أقعُ أرضاً جرّاء ارتطام ساعدي بالمرآة الجانبيّة لسيارةٍ عبرت بمحاذاتي. لملمتُ نفسي بسرعة ونهضتُ من كبْوتي، لأستسلم بعد لحظاتٍ للبكاء. لم أبكِ ألماً، بل عزّت عليّ نفسي. إذْ تخيّلتُ لبرهة، لو إنّ الصدمة كانت أقوى، وقضيتُ نحبي في هذا الشارع الموحش. يا لَمَوتي السخيف على بُعْد أميالٍ من أمّي وناسي! أنا التي نجوْتُ من حروب الكرّ والفرّ في لبنان، كيف أمضي إلى نهايتي بهذه التفاهة في بقعةٍ غريبة؟ تلك المفارقة، بالتحديد، هي ما أبكاني.

كنتُ قد وصلتُ إلى باريس قبل ثماني سنواتٍ على هذه الحادثة، وكانت المكان الأوّل الذي أرحل إليه في حياتي، وظلّت، طويلاً، شكلاً من أشكال اللامكان، أو بتعبيرٍ أدقّ، مكاناً يوجد ولا يوجد، في الوقت نفسه. يا لروعة المدينة! كأنّها أُعِدَّت بعنايةٍ إلهيّة فائقة. لكنّ بردها وهدوءها شكّلا الصدمة الأولى لي. فطوال ساعات اليوم الأوّل لوصولي، كنت أتساءل في سرِّي: كيف سأتحمّل كلّ هذا الصقيع؟ كيف سأغفو وسْط هذا السكون؟ وبدأتُ أفكّر كيف سأجد مكاناً لي، في ذاك الفضاء الجديد.

لمّا غادرتُ لبنان لألتحق بالعمل في إحدى الإذاعات العربيّة في فرنسا، ذكّرتُ نفسي، مراراً وتكراراً، بأنّني لن أنظر خلفي مثل أورفيوس، عندما نكث بتعهُّده لحارس مملكة الموتى. تروي الميثولوجيا الإغريقيّة، كيف سمح هذا الحارس الشرس لعازف القيثارة الأسطوري باسترجاع زوجته يوريديس والعودة بها إلى مملكة الحياة، شرط ألّا يلتفت إليها أو ينظر إلى وجهها، حتى يبلغا معاً نور الشمس. لكنّ أورفيوس كان قلقاً، ولا يحتمل الإنتظار؛ حين رأى أوّل خيوط النور، التفت وراءه ليتأكّد من وجود حبيبته معه، فتلاشت يوريديس على الفور، وعادت إلى عالم الظلمات. أنا فعلتُ الأمر ذاته؛ فما أن أقلعت بي الطائرة من الجحيم اللبناني حيث تركتُ مَن أحبّ، حتى نظرتُ إلى الوراء لأراهم. فتواروا خلف الغيوم، وعشتُ، طوال سنوات غربتي، أسيرة تلك النظرة وذاك الجحيم. لماذا تركتُ لبنان؟

الريبورتاج المرفوض

صبيحة الرابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر عام 1990، انطلقتُ باتجاه القصر الجمهوري في بعبدا لإعداد ريبورتاج عن أحداث اليوم الفائت، ونقْل مشاهدات الساعات الأولى لمرحلة “ما بعد” رئيس الحكومة العسكريّة (آنذاك) الجنرال ميشال عون. كلّما مررتُ بمنطقةٍ أو طريقٍ أو مفرقٍ، كنتُ أشهق تعجُّباً لرؤية أمكنةٍ لم أعرفها إلّا بالاسم من مذيعي الأخبار. وكان ذهولي الكبير، عندما لمحتُ لافتة كُتِب عليها “غاليري سمعان”. “يا إلهي! إنّها متجر لبيع المفروشات هذه الغاليري سمعان، ليس إلّا”، أستنتج بالصوت العالي. “بالتأكيد! وماذا كنتِ تظنّينها؟”، يسألني زميلي الذي يُقلّني بسيارة الإذاعة متعجِّباً.

ربْعَ ساعةٍ بالكاد، استغرقت جولتنا داخل حرم القصر الجمهوري الفارغة ساحتُه؛ ها هي صور الرئيس العماد على الأرض… والرصاصات الفارغة التي أطلقها مرافقوه ترهيباً بعد محاولة اغتياله بمسدسٍ صوّبه، من بين الجموع في الأسفل، مقاتلٌ في الحزب الشيوعي… وآثار الحشود التي كانت تهتف له بالأمس… والصمت في كلّ مكان. سقط الجنرال المتمرّد على “اتفاق الطائف” برمشة عين، هو الذي لطالما هدّد وتوعّد الجميع، بالويل والثبور وعظائم الأمور. بمباركةٍ أميركيّة، أخرجته عمليّة عسكريّة خاطفة (لبنانيّة- سوريّة) من القصر الرئاسي (حلمه الأزلي الأبدي)، لينتهي منفيّاً في إحدى ضواحي باريس.

رفض رئيس التحرير في الإذاعة (المناهضة بعنف لعون وقتها) بثّ تقريري، بحجّة أنّ “جوّه” يشي بتعاطفٍ مع “الجنرال المهزوم” الذي، وخلال أقلّ من سنتيْن له في السلطة، روّع اللبنانيّين بحربيْن ضاريتيْن. “لكنّني لا أتعاطف مع عون”، قلتُ مدافعةً عن نصّي، بل هو الأسى، ربّما، على ناسه المهزومين، مثلي ومثلنا ومثل كلّ اللبنانيّين المشتّتين بين الطوائف والأحزاب والجماعات والزعامات و….الميليشيات. أنا أتعاطف! فثلاثُ مرّاتٍ نجوتُ من موتٍ محتّم، “بفضل” قذائف الـ 155 و240 التي كانت تُمطرنا بها، يومياً، مرابض مدفعيّة جنرال بعبدا (كما كنّا نلقّبه) وحلفائه.

كانت الحمم تنطلق، كالصواعق، باتجاه “الشطر الغربي” لبيروت (حيث كنتُ أسكن) ردّاً على قصف القوات السوريّة (المرابطة بين بيوتنا) لـ”الشطر الشرقي”، الذي لم تطأه قدماي قبل يوم إعدادي “الريبورتاج المرفوض”. كان هذا المشهد قد أمسى “الإعلان الترويجي” لفيلمٍ دراميّ عُرِض خلال شهورٍ طويلة، وتُبرِز لقطاته مدى إتقاننا للعبة التحايل على الموت.

لن تنتهي الحرب

كنّا نمارس حياتنا اليوميّة “الخاصّة”، كما تُمارسها سائر الشعوب في العالم؛ ننشغل بمواعيدنا في العمل ومع الأصدقاء، نتجوّل حيثما شئنا (في المناطق الخاضعة للقوى التي نواليها أو المفروضة علينا)، نذهب إلى طبيب الأسنان، ندرس على ضوء الشموع وقنديل الكاز، نحمل غالونات المياه إلى الطوابق العليا (على الدرج)، نأكل ما تيسّر، نداوم في المدرسة والجامعة… وهكذا. فجأة تأتي اللحظات التي يتغيّر فيها كلّ شيء، من عادي إلى غريب تماماً. فيتوقّف كلّ نشاط وتتلاشى الحياة وندخل في جهنم الفوضى الشاملة: الركض المجنون في الشوارع، إغلاقٌ بسرعة البرق للأبواب الحديديّة للمحلات التجاريّة، صفّارات سيارات الإسعاف تمزّق الفضاء بعد سماع أوّل دويّ صوت انفجار. قذيفة سقطت هنا، بل هناك، بل هنالك. يبدأ العدّاد بالإحصاء والتخمين “هيذي طالعة (القذيفة) وهيذي نازلة”، ويطمئن الناس عندما يسمعون “أزيز” القذيفة. فهذا يعني (بلغة العسكر) أنّ المقذوفة قد عبرت فوق رؤوسهم إلى مكانٍ آخر. يا لبؤسنا عندما نفرح بنجاتنا من الهلاك المجّاني والعشوائي. أما آن الأوان ليقف عدّاد القذائف هذا؟! كلا.

الحرب لعنة هذا الشعب الأبديّة. وكأن يداً خفيّة كانت تُبقي على جذوة “شهيّة الدمار” مشتعلة!

كنّا نصحو مع حرب وننام مع أخرى، وندخل معركةً ونخرج مع أخرى، لكن من نوعٍ جديد. كلّ المجابهات شُرِّعت داخل المجابهة الكبرى، لتُفتَح كلّ السبل التي كان ينزل منها الموت على اللبنانيّين. لن تنتهي الحرب أبداً. هكذا كنتُ أردّد في جلسات النقاش مع الأصدقاء و”الرفاق”، فالحرب لعنة هذا الشعب الأبديّة. وكأنّ يداً خفيّة كانت تُبقي على جذوة “شهيّة الدمار” مشتعلة!

يمكن لسرديّة حروب لبنان أن توثَّق في كتاب حكايا، مثلها مثل حكايات “ألف ليلة وليلة”: يتلاقى الحلفاء في ليلة، ويفترقون في ليلة، ويتواجهون في ليلة، ويتحالفون مع أعداء الأمس في ليلة، ويعودون ويلتقون بالأحباب الأوائل في ليلة، ويتخاصمون من جديد في ليلة، و…هكذا تُكمِل ليالينا، لتنكأ، من دون ملل، جرحنا المفتوح منذ 13 نيسان/أبريل 1975. أين كنتُ عندما بدأت الحرب؟

يوم البوسطة

طفلةً، كنتُ أرافق أمّي في زيارة لجيراننا الذين يقطنون في آخر “الزاروب”، حيث يقع بيتنا في عماطور (الشوف). دخل أحد الشباب وأخبر الموجودين بنبأ مذبحة البوسطة في منطقة “عين الرمانة” في بيروت. نطق ذاك الشاب، يومذاك، بأسماء غريبة عجيبة بالنسبة لي، إذْ لم أكن قد سمعتُ بها من قبل. الكلّ بدأ بالتهويل وبترداد تعابير مرتبكة وقلقة.. و”الله يستر”، فنهرتني أمّي كي نسرع بالعودة إلى البيت. ضبابٌ كثيف في رأسي يحجب كلّ تفاصيل ما بعد “يوم البوسطة”، الذي سرعان ما امتدّ لهيبه من بيروت ليغطّي كلّ لبنان. أذكر، فقط، أنّني لم أخَفْ، بل شعرتُ بالغبطة، ولا سيّما بعد مسارعة مدير مدرستنا لإعلان وقف الدراسة وتعليق الصفوف، حتى إشعارٍ آخر.

فرحتُ، أيضاً، بنزوح عمّاتي مع عائلاتهنّ إلى قريتنا؛ فلقد كنّا نمضي، سويّةً، الساعات الطوال، وكان الكلّ يناقش الكلّ، وغالباً ما يتناقضون في الآراء والمواقف، فيعلو الصوت مستنكِراً “الميول اليمينيّة” لزوج عمّتي الأثرى بينهم جميعاً. جنب منزلنا، يتجمّع الشباب في باحة الدار، ويتهيّؤون للذهاب إلى “الجبهة” صوْب بحمدون. أمّهاتٌ تبكي قلقاً وخوفاً من الآتي الأعظم، وعمّتي تصرخ “يا ولدي”، فلقد عرفتْ للتو بنبأ استشهاد عماد نويهض (نجل عائلةٍ صديقة) في معركة القنطاري. أسماء وأسماء أسمعها ولا أفهم: معركة الفنادق، هجوم “الهوليداي إن”، مجزرة شكّا، معركة المتيْن، معبر المتحف، محور الشياح-عين الرمانة، خطوط التماس، قنّاص شارع أسعد الأسعد، طريق البربير سالكة وآمنة، حاجز البربارة، خطْف وذبْح على الهويّة، السبت الأسود، منظّمة التحرير، الكتائب، الأحرار، الحركة الوطنيّة،… كلمات ليست كالكلمات. لم يكن أهل لبنان يدركون، كيف تتقلّب بهم “أيام الأحداث”، كما كانوا يسمّونها، كي لا يلفظوا بالفم الملآن كلمة “حرب”. تلك الحرب التي جعلتهم يعتقدون، أنّهم “منذورون” للموت والخراب كيفما اتّجهوا، وأنّى أداروا وجههم في هذه الدنيا.

ضبابٌ كثيف في رأسي يحجب كلّ تفاصيل ما بعد “يوم البوسطة”، الذي سرعان ما امتدّ لهيبه من بيروت ليغطّي كلّ لبنان. أذكر، فقط، أنّني لم أخَفْ، بل شعرتُ بالغبطة، ولا سيّما بعد مسارعة مدير مدرستنا لإعلان وقف الدراسة

ماذا فعلت بي الحرب؟

وأنا في الطائرة التي تقلّني إلى باريس في 3 نيسان/أبريل 1991، كنتُ أجول بروحي في البلد الخارج للتوّ من الحرب، فلا أرى إلّا أرواحاً حزينة مرهقة، فأتساءل: ما الشيء الذي يمكن أن يتخطّى تلك الجدران الحصينة التي شيّدتها هذه الأرواح حولها، من القهر والتعب واليأس؟ وأوقن، كم كنتُ “محظوظة” أكثر من كثيرين، لأنّني لم أذق الطعم الحقيقي للخسارة: فأنا لم أعرف ماذا يعني أن تخترق رصاصةُ قنّاصٍ قلب شقيقتي، ولم يُدمَّر بيتي فوق عائلتي في ليلة قصفٍ جهنميّة، ولم أُهجَّر مرّة ومرّات، ولم أدخل الملاجئ المظلمة، ولم يُخطَف أبي على “حاجزٍ طيّار”، ولم تُذوَّب جثة أخي بالأسيد، ولم يتشظَّ جسد صديقي بسيارةٍ مفخَّخة، ولم تُذبَح أمي فـ”أفشخ” من فوق جثّتها طلباً للنجاة، ولم أُعتَقل، ولم أُخطَف (كدتُ أن) ولم… ولم. لكنّ الحرب عشَّشت في ذاكرتي، وسحقت روحي، وسلبتني حبّي لأرضي وبلدي، ودنّست كرامتي وإنسانيّتي. في باريس، فقط، اكتشفتُ ما فعلته بي الحرب. وكنتُ أسأل نفسي: كيف استطعنا أن نشحذ المهارة ونستمرّ في العيش؟ كيف ارتضينا هذه الحرب؟ لماذا لم نفعل شيئاً لوقفها؟ لمنع استمرارها؟ لرفض تجدّدها؟ هل كنّا عاجزين؟ أم متواطئين؟ لم أعثر على أجوبة لأسئلتي حتى اليوم. لماذا تركتُ فرنسا؟

يقول “بريخت” المخرج المسرحي الألماني (عن المنفى): “لا تدقّ مسماراً في جدار. إلقِ بمعطفك على الكرسي، فغداً ستعود إلى وطنك”. إثنا عشر عاماً وأنا أضع معطفي على ركبتيّ تأهُّباً للعودة إلى لبنان. وعدتُ. أقول لزميلتي وصديقتي في الجامعة: “هل بقي شيء لم نجرّبه يا جوسلين؟ المعارك العسكريّة جرّبناها، القصف العشوائي جرّبناه، الاجتياحات، الاحتلالات، القنابل العنقوديّة والفراغيّة، السيارات المفخّخة، المفخّخات البشريّة، الخطف، المعتقلات، الذبح، السحل، الفساد المعمّم، الإفلاس، الحكّام اللصوص، الاقتصاد المنهار، عصابة المصارف، السلم الأهلي المتآكّل، البنى التحتيّة المتصدّعة، الهواء المسموم، المياه الملوّثة، الخضار المسرطَنة، اللحوم الفاسدة، الجوع، النفايات على أنواعها، الفيضانات، الحرائق، و…الكورونا مسْك الختام”. قالت ساخرة: “بلى، لم نتعرّف، بعد، على الجراد”!

خلال الصيف الفائت، بدأت التفكير جدّياً بمغادرة لبنان من جديد. فلقد يئستُ من مساكنة الذلّ، صبحاً وظهراً ومساءً. فجأةً، أُضيئت في ليل لبنان الدامس شعلةٌ تشرينية. خلعت أشعّتها فكرة الهجرة، من رأسي. فعندما انتفض اللبنانيون في الساحات، أحسستُ مثلما أحسّ ذاك الصحافي الكندي، فكتب يقول: “اليوم انتهت الحرب الأهليّة في لبنان”. إذن، سأبقى أترقب عودة الشعلة والهدير إلى تلك الساحات. إقتضى الأمل في انتظار الثورة بعد… أفول الكورونا.

وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
free download udemy course