أميركا تضحي بـ”قسد”.. والرابح ليس إردوغان!

ما تشهده الساحة السورية مؤخراً لا يمكن اختزاله بتبدّل موازين قوى لمصلحة أحمد الشرع وحكومته، ولا بتراجع عسكري ظرفي للمشروع الكردي. ما حدث يتجاوز منطق الربح والخسارة العسكرية، ويقع في صميم التحولات الاستراتيجية، حيث تكشّفت حدود الأدوار، وانكشف سقف الوظائف، وأُعلن عملياً انتهاء صلاحية تشكيل كردي سوري لم يُصمَّم منذ البداية ليكون مشروع دولة.
الإشكالية الحقيقية لا تكمن في سؤال ما إذا كانت الولايات المتحدة قد “تخلّت” عن أكراد سوريا، بل في سؤال أكثر جوهرية: هل ما زالت بحاجة إليهم؟ فالسياسة الأميركية لا تُدار بمنطق الوفاء أو الغدر، لأنها لا تنطلق من اعتبارات أخلاقية أصلاً. هي سياسة استخدام وظيفي بحت؛ تُفعِّل الفاعلين المحليين طالما يخدمون هدفاً محدداً، ثم تضعهم جانباً حين تنتفي الحاجة إليهم، كما يُغلق ملف أُنجزت مهمته داخل غرفة عمليات.
في هذا السياق، لم تكن “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد) في أي مرحلة شريكاً استراتيجياً لواشنطن. كانت أداة متعددة الاستخدامات: أداة في الحرب على “داعش” وأخواتها، ووسيلة ضغط على دمشق، وحاجزاً مرحلياً في وجه النفوذ الإيراني. لكنها لم تُعامَل يوماً بوصفها نواة كيان سياسي قابل للاستمرار. فالعقل الأميركي لا يرى في الشرق الأوسط مساحة لبناء دول جديدة، بل ساحة لإنتاج وظائف مؤقتة: تنظيمات مسلحة، أطر معارضة، وتشكيلات سياسية تعمل بعقود محدودة الزمن وتنتهي بانتهاء المهمة.
في الحالة السورية، تبدّلت الأولويات الأميركية بوضوح. تراجع ملف “داعش”، وصعدت إدارة الصراع الأوسع مع إيران والصين إلى الواجهة. مع هذا التحول، برزت الحاجة إلى إعادة هندسة العلاقة مع تركيا. عند هذه النقطة تحديداً، تحوّلت “قسد” من ورقة ضغط مفيدة إلى عبء سياسي وأمني يعرقل التفاهم مع أنقرة ويُربك الحسابات الكبرى.
تركيا، التي أتقنت طويلاً اللعب على الحواف الخطرة، لم تعد راضية بدور الدولة الوظيفية التابعة. القيادة التركية، وعلى رأسها رجب طيب أردوغان، تسعى إلى تثبيت موقعها كقوة إقليمية ذات هامش قرار مستقل، لا كملحق أطلسي. أهداف أنقرة واضحة: القضاء على المشروع الكردي المسلح على حدودها، إعادة تشكيل شمال سوريا أمنياً وديموغرافياً، وترسيخ نفسها لاعباً إقليمياً لا أداة تنفيذية بيد “الناتو”.
في المقابل، تمتلك تركيا أوراقاً يصعب تجاوزها: موقع جغرافي فاصل، تحكم بالمضائق، حضور مؤثر في البحر الأسود، وأجواء لا يمكن استخدامها في أي مواجهة كبرى دون حسابات معقدة. من هنا يتبدى طرح التضحية بـ”قسد” بأثمانه المتعددة. فالولايات المتحدة لا تستطيع الذهاب بعيداً في صراعها مع طهران من دون تحييد أنقرة، وتركيا لا تستطيع فرض رؤيتها في سوريا من دون ضوء أخضر أميركي.
حتى صعود أحمد الشرع إلى واجهة المشهد لم يكن وليد صدفة أو نتيجة تحوّل أيديولوجي حقيقي. لم يصبح “مقبولاً” لأنه تغيّر، بل لأنه بات مفيداً. جرى تحويل “هيئة تحرير الشام” من أداة فوضى مفتوحة إلى أداة ضبط محسوبة، لأن الفوضى القابلة للإدارة أقل كلفة من الفوضى المنفلتة، ولأن التنظيمات القابلة للتحكم أسهل على الرعاة من كيانات قومية مسلحة تطمح إلى دولة ما.
غير أن المأزق الحقيقي يكمن في الوهم التركي بالنجاة من منطق التفكيك. الاعتقاد بأن أنقرة خارج هذا المسار، أو قادرة على التفاوض معه من موقع أمان، هو خطأ استراتيجي فادح. التجارب السابقة تؤكد أن من يُستخدم في مرحلة ما، قد يتحول لاحقاً إلى هدف. ومن يظن نفسه شريكاً دائماً للولايات المتحدة، يكتشف غالباً متأخراً أنه لم يكن سوى أداة مرحلية.
تركيا نفسها تعاني هشاشة داخلية بنيوية: تعددية قومية، ملف كردي مفتوح، توترات مذهبية، اقتصاد متقلب، كوارث طبيعية، أعباء لجوء، وموقع جغرافي في قلب الجغرافيا المستهدفة. وإذا ما جرى استهداف إيران أو إضعافها، فلن تكون تركيا المستفيد النهائي، بل قد تُعاد صياغتها وفق نموذج مشابه لما شهدته سوريا. والأمر ذاته ينطبق على باكستان، فالمسألة لا تتعلق بدولة واحدة، بل بمشروع أوسع يستهدف تفكيك البنى الصلبة في العالم الإسلامي.
انهيار “قسد”، في هذا الإطار، لا يعني سقوط تنظيم بقدر ما يعني سقوط وهم: وهم الحماية الأميركية، وهم الاستمرارية، ووهم أن الارتهان للمعادلات الأميركية يوفّر الأمان.
ما يجري في سوريا ليس حدثاً محلياً معزولاً، بل حلقة ضمن عملية أوسع لإعادة ترتيب الشرق الأوسط، استعداداً للمواجهة الكبرى مع الصين.
“قسد” سقطت لأنها لم تكن دولة. تركيا اندفعت لأنها دولة وظيفية طموحة. إيران تبقى الهدف الأكبر لأنها دولة – مشروع. الدول الوظيفية تنتهي صلاحيتها عند تغيّر الحاجة، أما دول المشروع فتُحاصر وتُستهدف، لكنها لا تُستبدل بسهولة. نعم، ضحّت الولايات المتحدة بأكراد سوريا لإرضاء تركيا وفي سياق أوسع يستهدف إيران، لكن تركيا ليست الرابح النهائي، والمشروع التفتيتي يقترب منها بهدوء، ومقدماته باتت واضحة، ولعل سيد إسطنبول يدرك ذلك قبل أن يصبح خارج الحسابات.
Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  الجزائر: الإعفاءات الضريبية لشركات النفط.. إستراتيجية خطيرة
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "عملاق الأطلسي يستيقظ".. مخاطر وفرص إسرائيلية