من الشرق الأوسط إلى غرينلاند.. نظامٌ دوليٌّ جديدٌ يتشكل

لم تعد منطقة الشرق الأوسط، ولا العالم، كما كانا قبل "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. تاريخٌ لم يكن عابرًا، بل شكّل لحظة كاشفة لانهيار قواعد قديمة، وبداية تشكّل نظام دولي وإقليمي جديد تُعاد فيه صياغة موازين القوة والنفوذ بلا مواربة.
في الشرق الأوسط، تبدو استراتيجية إسرائيل واضحة: وضع إيران أمام النموذج السوري، أي استنزاف طويل، تفكيك تدريجي لمصادر القوة، وإغراق الخصم في أزمات داخلية وإقليمية تمنعه من لعب دور إقليمي. الهدف ليس إسقاط النظام بالضرورة، بل تعطيله، وتحويله إلى عبء على محيطه وعلى ذاته، تمامًا كما جرى في سوريا منذ عام 2011.
لكن التحول لا يقتصر على الإقليم. فالسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا قرّر دونالد ترامب المطالبة بجزيرة غرينلاند، ولم يطالب بمضيق بيرينغ، برغم أهميته الاستراتيجية؟
هذا السؤال ليس تفصيليًا. غرينلاند ليست مجرد قطعة جليد، بل موقع متقدم في معركة السيطرة على القطب الشمالي، حيث تختلط الجغرافيا بالثروات والطاقة وخطوط الملاحة الجديدة. المطالبة بها تكشف أن واشنطن انتقلت من إدارة النفوذ إلى الاستحواذ المباشر على نقاط القوة، في عالم لم يعد يعترف بالرماديات، وهذا ما بيّنته التفاهمات التي أفضت إليها مشاركة رئيس الولايات المتحدة في منتدى دافوس طيلة أربعة أيام متتالية.
نحن أمام مرحلة تقاسم نفوذ، وعالم يتجه بوضوح نحو محور تقوده الولايات المتحدة، لا بالشراكة المتكافئة، بل بالإخضاع الصريح. أوروبا، في هذا السياق، خرجت من معادلة الفعل إلى موقع المتلقي.
فرنسا، وبرغم خطابها العالي السقف، لا تملك أوراق قوة جدية. مشروعها السياسي أكبر من قدرتها الفعلية، ودورها بات محكومًا بسقف لا تستطيع تجاوزه.
أما روسيا، وبعيدًا عن خطابها السياسي التصعيدي، تبدو فرضية توصلها إلى تفاهمات عميقة مع الولايات المتحدة عالية جداً؛ تفاهماتٌ لا تُعلن في البيانات، بل تُقرأ في السلوك والخرائط والسكوت المتبادل في ملفات حسّاسة.
الدنمارك، من جهتها، لا تملك القدرة على الوقوف في وجه ترامب أو أي إدارة أميركية تقرر الذهاب بعيدًا. وتجربة اللقاء الشهير بين فواوديمير زيلينسكي وترامب لم تكن إهانة شخصية لرئيس أوكرانيا، بل رسالة تحذيرية إلى قادة أوروبا:
نحن من صنعناكم، ونحن من نُحدّد حدودكم، ولا قدرة لكم على قول “لا” للولايات المتحدة.
القضية الأوكرانية نفسها، التي استنزفت أوروبا اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، لم تعد أولوية أميركية. تحوّلت من ملف مركزي إلى ورقة هامشية، بعد أن أنهكت القارة العجوز وعمّقت أزماتها البنيوية.
اليوم، أوروبا ليست لاعبًا دوليًا متماسكًا، بل كتلة أزمات: طاقة، اقتصاد، هوية، يمين متطرف، وانقسام داخلي حاد. مشروعها الوحدوي يترنح، وقدرتها على التأثير تتراجع.
في المقابل، يتبلور مشهد ثلاثي لقيادة العالم:
الولايات المتحدة، الصين وروسيا.
ثلاث قوى تختلف في المصالح، لكنها تلتقي على قاعدة واحدة: إدارة العالم من فوق، وتقاسم النفوذ، وترك بقية الدول في هامش التبعية أو الصراع المحلي.
ما نشهده ليس فوضى، بل نظام جديد قاسٍ، تُرسم حدوده بالنار والاقتصاد والجغرافيا، وتُكتب قواعده بلا شعارات أخلاقية. ومن لا يقرأ هذه التحولات بواقعية باردة، سيجد نفسه خارج التاريخ، لا ضحية له فقط، بل مادة خام في صراعات الآخرين.
Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  بوتين ودوغين.. والحلم الإمبراطوري الكبير
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  أنقرة تتحرر من أوراق سورية "محروقة".. وعين الكل على الأكراد!