لقد أثبتت التجربة اللبنانية، منذ انتهاء الحرب الأهلية قبل ثلاثة عقود ونصف من الزمن، أنّ إدارة التوازنات بمنطق الغلبة أو بمنطق الاستنفار أو الإستئثار الطائفي لا تبني دولة، بل تؤسس لهشاشة مستدامة. فالخطاب السياسي الذي ظلّ أسير الجراح القديمة والانقسامات العمودية، عطّل قيام مؤسسات قوية، وكرّس ثقافة المحاصصة على حساب الكفاءة، وأبقى الدولة رهينة التسويات المرحلية بدل أن تكون إطارًا جامعًا لكل مواطنيها.
اليوم، وفي ظلّ تحوّلات يشهدها العالم ولا سيما مشرقنا العربي، من إعادة تموضع القوى الإقليمية إلى تبدّل الأولويات الدولية، تبدو الحاجة ملحّة لخطاب لبناني يتقدّم إلى الأمام، لا أن يتقوقع في سرديات الماضي. المرحلة الراهنة ليست مرحلة تسجيل نقاط، بل مرحلة إعادة تعريف الدور الوطني للبنان: دولة سيّدة، مستقرة، قادرة على حماية مؤسساتها واقتصادها ومجتمعها من تداعيات الصراعات المحيطة.
وفي زمن الاستحقاق النيابي المزمع في شهر أيار/مايو المقبل (إلا إذا كان التمديد للبرلمان قدراً دولياً وإقليمياً لا مفر منه)، وعلى وقع الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة على الأراضي اللبنانية وآخرها الغارات التي استهدفت منطقة البقاع العزيزة، يتقدّم المشهد الانتخابي بوصفه امتحانًا مزدوجًا للوعي الوطني. ففي ظلّ التوترات الأمنية والضغوط المعيشية، يستعدّ اللبنانيون لخوض الانتخابات النيابية والاقتراع لمرشحيهم، لا من باب الترف السياسي، بل من باب البحث عن نافذة أمل في نفقٍ طال سواده. وبالتالي تعكس المشاركة في هذا الاستحقاق، برغم القلق والتحديات، تمسّك اللبنانيين بحقهم الدستوري في اختيار ممثليهم، وإصرارهم على أن تبقى الدولة هي الإطار الناظم لحياتهم العامة، حتى في أحلك الظروف.
من هنا، فإنّ خوض الاستحقاق الانتخابي بلغة الماضي هو رهان خاسر وانتحار سياسي. فالمواطن الذي أرهقته الأزمات المالية والمعيشية، ولا يزال يعيش تحت وطأة القلق الأمني، لا يعنيه استحضار معارك الأمس بقدر ما يعنيه سؤال الغد: كيف تُستعاد الثقة؟ كيف تُبنى مؤسسات شفافة؟ كيف يُصان الاستقرار؟ وكيف تُعاد دورة الاقتصاد إلى الحياة؟
الرهان الرابح هو على مشروع وطني إصلاحي متكامل، لا يقوم على القطيعة مع التاريخ، بل على قراءة نقدية له. مشروع يعترف بالتجارب، يتعلّم من أخطائها، ويؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الشراكة الحقيقية بين المكوّنات اللبنانية، خارج منطق الاستئثار والتهميش. شراكة تُترجم في قوانين عادلة، وإدارة كفوءة، وقضاء مستقل، ومؤسسات أمنية بعيدة عن التجاذبات السياسية.
الإصلاح المطلوب ليس شعارًا انتخابيًا، بل مسارًا تشريعيًا وتنفيذيًا متدرّجًا يبدأ بإعادة الاعتبار للدولة كمرجعية جامعة. ويشمل تحديث الإدارة العامة، إطلاق ورشة إصلاح مالي شفاف، تعزيز استقلالية الهيئات الرقابية، وتكريس مبدأ المساءلة. فالدولة لا تُبنى بالنيات، بل بالأنظمة الواضحة والحوكمة الرشيدة.
كما أنّ الاستقرار السياسي لا ينفصل عن الاستقرار الاجتماعي. فإعادة الثقة تمرّ عبر سياسات تحمي ما تبقى من طبقة وسطى، وتدعم الفئات الأكثر هشاشة، وتخلق فرص عمل للشباب الذين دفعوا أثمان الانهيار.
مشروع الدولة لا يكتمل من دون رؤية اقتصادية تعيد وصل لبنان بمحيطه العربي وبالاقتصاد العالمي، على قاعدة المصالح المشتركة لا الاصطفافات.
التحوّل الحقيقي يبدأ بتبدّل في اللغة السياسية. لغة تتخلّى عن التحريض، وتتقدّم بخطاب جامع، عقلاني، يستند إلى الوقائع لا إلى العواطف. فالسياسة، في لحظات التحوّل، تحتاج إلى شجاعة الاعتراف بالأخطاء، لا إلى التمترس خلفها. وتحتاج إلى قيادات ترى في الانتخابات وسيلة لبناء مشروع وطني، لا مناسبة لتجديد الاصطفافات.
لبنان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج صراعاته، بل إلى إعادة إنتاج دولته. والانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق الفعل، هو التحدّي الأكبر أمام القوى السياسية. فمن يقرأ المتغيّرات الإقليمية بوعي، يدرك أنّ الدول التي تنجح هي تلك التي تسبق الأحداث برؤية واضحة، لا تلك التي تنتظر التسويات الخارجية لتحدّد مسارها.
هذه المرحلة تفرض على الجميع مسؤولية تاريخية: أن يتحوّل الاستحقاق الانتخابي المقبل إلى محطة تأسيس لمرحلة جديدة، لا إلى استفتاء على جراح لم تندمل. فطيّ صفحات الماضي لا يعني نسيانها، بل يعني تجاوزها نحو أفق أرحب، حيث تكون الدولة هي الإطار الجامع، ويكون الإصلاح هو العنوان، وتكون الشراكة هي الضمانة.
بهذا المعنى، فإنّ الرهان الحقيقي ليس على استعادة خطاب قديم، بل على بناء مستقبل مختلف. مستقبل يعيد للبنان حضوره ودوره، ويصالح بين مكوّناته تحت سقف الدولة، ويحوّل التحديات الأمنية والاقتصادية إلى فرصة لإعادة التأسيس. تلك هي المعادلة التي تستحق أن تُخاض على أساسها المعركة السياسية المقبلة.