من أوكرانيا إلى الصين مرورًا بفنزويلا: كيف يُعاد ترتيب ساحات الصراع؟

لا يُمكن قراءة الحدث الفنزويلي المتمثل باختطاف رئيس دولة من غرفة نومه مع زوجته واقتياده إلى أحد سجون نيويورك بوصفه حدثًا محليًا ولا يُمكن قراءة الحرب في أوكرانيا بوصفها حدثًا قائمًا بذاته، ولا حتى كصراع إقليمي بين روسيا والغرب. ما يجري، في جوهره، هو مرحلة ضمن عملية إعادة ترتيب شاملة لمسرح الصراع الدولي، حيث تُغلق جبهة لتُفتح أخرى، وتُخفّض كلفة الاشتباك في ساحة، تمهيدًا لنقل الثقل إلى ساحة أخطر وأكثر حساسية.
في هذا السياق، تبرز مؤشرات متزايدة على أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تتجه نحو تسوية سياسية مع موسكو في أوكرانيا، لا بل إن ما جرى في فنزويلا بعنوان “الحديقة الخلفية” يُشجّع روسيا على عدم تقديم تنازلات في “حديقتها الخلفية” الأوكرانية، وصولاً إلى فرض تسوية مقبولة منها. هذه التسوية لا تُفهم أميركيًا كتنازل استراتيجي، بل كإجراء تكتيكي يهدف إلى تحرير الموارد، وضبط الإيقاع الاقتصادي، استعدادًا لمرحلة أشد تعقيدًا.
إنهاء الحرب الأوكرانية يُحقّق لواشنطن مكاسب مباشرة: تخفيف الضغط على أسواق الطاقة، انخفاض أسعار النفط، تحسن موقع الدولار، وخلق حالة توازن نسبي في الاقتصاد الأميركي المنهك بتكاليف الصراع الأوكراني. غير أن هذا التوازن لن ينعكس انهيارًا في أسعار الذهب؛ فالذهب خرج من منطق التقلب الظرفي، ودخل مسارًا تصاعديًا مرتبطًا بفقدان الثقة البنيوي بالنظام المالي العالمي. أي اتفاق محتمل لن يفعل أكثر من إحداث استراحة مؤقتة في هذا المسار، لا قلب اتجاهه.
في أي مواجهة مستقبلية مع الولايات المتحدة، لن تكون روسيا الشريك الحاسم للصين، بل باكستان، بما تمثله من عمق جغرافي، توازن نووي، وقدرة على كسر الطوق الهندي–الأميركي في المحيطين الهندي والهادئ. هذا التحول هو ما يفسر إعادة ترتيب الأولويات الغربية، وتهدئة بعض الجبهات مقابل تسخين أخرى
إلى الصين درْ
لكن الأهم من الجانب الاقتصادي هو المغزى الجيوسياسي للتسوية. فالحرب في أوكرانيا لم تكن يومًا غاية بحد ذاتها، بل أداة لاستنزاف روسيا، وإبقائها مشغولة، ومحاولة إبعادها عن الصين. هذا الهدف تحقق جزئيًا، لكنه لم يبلغ حدّ الفصل الاستراتيجي بين موسكو وبكين. وعندما يصبح الاستنزاف مكلفًا أكثر مما هو مجدٍ، تبدأ مرحلة الانتقال.
هنا، تنتقل بؤرة الصراع من أوروبا الشرقية إلى فضاءات أوسع. بالنسبة للغرب، ليست روسيا هي التهديد الوجودي. هي قوة عسكرية مزعجة لكنها محدودة اقتصاديًا وديموغرافيًا. التهديد الحقيقي هو الصين، لأنها لا تنافس الغرب على الحدود، بل في قلب النموذج: الصناعة، التكنولوجيا، سلاسل التوريد، والقدرة الإنتاجية الشاملة.
ولأن المواجهة المباشرة مع الصين عالية الكلفة، فإنها تُدار عبر تطويق غير مباشر يبدأ بتثبيت النفوذ في إفريقيا. إفريقيا ليست هامشًا، بل خاصرة لوجستية للصين. ومن داخل هذه القارة، تبرز تنزانيا كنقطة مفصلية، ليس لموقعها الجغرافي فحسب، بل لاحتضانها أحد أهم الموانئ التي تعتمد عليها الصين في استيراد النحاس، وهو معدن لا غنى عنه للصناعات العسكرية والتكنولوجية الحديثة.
السيطرة على الموانئ تعني التحكم بتدفق المواد الخام، والتحكم بالمواد الخام يعني الضغط على المصانع، والضغط على المصانع ينعكس مباشرة على القرار السياسي. من هنا، فإن التحركات الأميركية في شرق إفريقيا لا يمكن فصلها عن الصراع مع بكين، مهما ارتدت من عناوين تنموية أو أمنية.
باكستان لا روسيا
وفي الوقت ذاته، لا تستطيع الولايات المتحدة فك ارتباطها بالشرق الأوسط. فالوجود الأميركي في سوريا والعراق والخليج ليس بقايا مرحلة سابقة، بل جزء من شبكة مترابطة: أمن الطاقة، ضبط طرق التجارة، مراقبة إيران، وتأمين العمق العملياتي لأي صراع عالمي واسع. أي تفكك في هذه الشبكة يعني خللًا في الهيكل الأمريكي كقوة مهيمنة، وهو ما لا تسمح به واشنطن وهي تعيد توجيه بوصلتها نحو آسيا وإفريقيا.
ضمن هذا الإطار، يمكن فهم التراجع النسبي في زخم الجبهة الأوكرانية بالتزامن مع بروز تطورات في جنوب آسيا. فمع تصاعد الدور الباكستاني، وظهور الصواريخ الصينية كعامل ردع إقليمي مباشر، ولا سيما بعد الضربة التي طالت الهند، أعيد رسم خطوط الاشتباك. منذ تلك اللحظة، تحولت أنظار مراكز القرار الغربية من الدبابات الروسية إلى القدرات الصاروخية الصينية.
في أي مواجهة مستقبلية مع الولايات المتحدة، لن تكون روسيا الشريك الحاسم للصين، بل باكستان، بما تمثله من عمق جغرافي، توازن نووي، وقدرة على كسر الطوق الهندي–الأميركي في المحيطين الهندي والهادئ. هذا التحول هو ما يفسر إعادة ترتيب الأولويات الغربية، وتهدئة بعض الجبهات مقابل تسخين أخرى.
في الخلاصة، العالم لا يغادر الحرب، بل يعيد توزيعها. أوكرانيا لم تكن سوى مرحلة تمهيدية في صراع أطول، يجري الآن نقل مركز ثقله بهدوء محسوب من أوروبا إلى إفريقيا وآسيا، مع بقاء الشرق الأوسط قاعدة خلفية ثابتة. ما يتغير ليس طبيعة الصراع، بل ساحته وأدواته، فيما تبقى المواجهة الكبرى مع الصين هي العنوان المؤجل لا بل الملغى.
Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  MBZ في موسكو.. "كُرهاً ببايدن وليس حباً ببوتين"!
هشام الأعور

أكاديمي وكاتب سياسي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  "بناء الدّولة" أم "التّحرّر الوطنيّ" أوّلاً.. معضلةٌ بلا حل!