في هذا السياق، يبرز تحليل البروفيسور، جون ميرشايمر، رائد المدرسة الواقعية، الذي يرى أن ما نشهده اليوم ليس مجرد مناوشات عسكرية، بل محاولة أميركية إسرائيلية مشتركة لتفكيك الجغرافيا الإيرانية وتحويلها إلى كيانات متصارعة وضعيفة، على غرار النموذج السوري، بهدف تأمين المجال الحيوي لإسرائيل وتثبيت هيمنتها المطلقة في الإقليم.
ويربط ميرشايمر التراجع الأميركي المفاجئ عن توجيه ضربة عسكرية لإيران في منتصف كانون الثاني/يناير 2026 بإدراك واشنطن بأن إسرائيل ما تزال مكشوفة بالكامل أمام الترسانة الصاروخية الإيرانية، وأن كلفة الحرب ستكون انتحاراً استراتيجياً بعكس ما تشتهي إدارة دونالد ترامب لجهة تحقيق مكاسب سياسية لا تُحصى ولا تُعد.
ويؤكد ميرشايمر أن القوة العسكرية لم تعد أداة طيعة لتحقيق الأهداف السياسية في ظل واقع إقليمي معقد، حيث نجح محور المقاومة في خلق حالة من توازن الرعب تمنع أي معتد من تحقيق نصر حاسم أو سريع.
يقف العالم اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، حيث يتصادم منطق الهيمنة الأحادية مع واقع التعددية القطبية الصاعد والمدعوم بالردع التقني المتفوق. وتثبت التطورات المتسارعة أن زمن الضربات العسكرية السريعة والمنخفضة التكلفة قد ولى إلى غير رجعة، وأن أي مغامرة طائشة ضد إيران ستكون بمثابة الصاعق الذي سيعيد رسم خارطة القوة والنفوذ في العالم بأسره
وعلى الرغم من التحشيد العسكري وضجيج الأساطيل، فإن واشنطن تصطدم بحقائق تقنية وميدانية، بينها امتلاك طهران منظومات دفاع إلكتروني ورادارات متطورة قادرة على تجريد المقاتلات الأميركية، بما فيها طائرات إف 35 الشبحية، من ميزة التفوق التكنولوجي والقدرة على التخفي فوق الأراضي الإيرانية. وتعمل هذه المنظومات الدفاعية على خلق قبة حماية إلكترونية صلبة وظيفتها تعطيل رادارات الطائرات والصواريخ الموجهة، مما يجعل أي هجوم جوي مكشوفاً وعرضة للسقوط قبل بلوغ أهدافه الحيوية. وقد أثبتت المواجهات الأخيرة فشل منظومات التشويش الغربية في اعتراض الصواريخ الإيرانية الفرط صوتية التي تعتمد على تقنيات توجيه بصري وقصور ذاتي تجعلها محصنة تماماً ضد أدوات الحرب الإلكترونية الأميركية..
وتشير التقارير الاستخباراتية إلى أن الصواريخ الإيرانية الفرط صوتية، التي تتجاوز سرعتها عشرة أضعاف سرعة الصوت، باتت تُهدّد كافة القواعد والقطع البحرية في المنطقة بدقة متناهية، وصولا إلى التهديد الوجودي المتمثل في امتلاك طهران تقنية القنابل الكهرومغناطيسية. هذا السلاح الصامت، الذي يوازي في أثره التدميري أسلحة الدمار الشامل، قادر على شل أنظمة الاتصال والسيطرة والكهرباء في لحظات معدودة، ما يعني عملياً إبادة القدرات التقنية للقوات المهاجمة. ويرى خبراء أميركيون أن انضمام إيران إلى النادي المغلق للدول التي تمتلك هذا السلاح، إلى جانب روسيا والصين، من شأنه أن يُحدث إنقلاباً في قواعد الاشتباك، بحيث لا يكون بمقدور القوة التقليدية المتفوقة عسكرياً وتكنولوجياً كافية لضمان الانتصار.
هذا المشهد السياسي العسكري المتداخل والمعقد، يؤشر إلى أننا على عتبة إعادة صياغة جذرية للنظامين الإقليمي والدولي. وهنا يبرز دور إيران كخط دفاع أول في مواجهة منطق الهيمنة والاخضاع، ما يُثبت دقة قراءة ميرشايمر حول عجز الردع الغربي وفشل سياسة الضغوط القصوى في لي ذراع طهران. وما يسري على إيران يسري على أية دولة تختار أن تكون سيدة بدلاً من الخضوع، ما يدفع بنموذج هذه الدول إلى تعزيز قدراتها الدفاعية والسيادية بشكل غير مسبوق، سعياً منها إلى خلق واقعٍ جيوسياسيٍ يفرض على واشنطن مراجعة حساباتها لتجنب انزلاق العالم نحو كارثة غير محسوبة النتائج.
وفي العمق، يُشدّد ميرشايمر على أن السياسة الأميركية الراهنة تفتقر إلى البوصلة الواقعية، إذ تنجرف خلف الأطماع التوسعية الإسرائيلية التي تسعى لتصفية القضية الفلسطينية وتهجير أهالي غزة تحت غطاء “المواجهة الكبرى”. ويحذر ميرشايمر من أن هذا المسار سيؤدي حتما إلى انفجار إقليمي شامل لا يمكن حصر تداعياته، وبخاصة مع وجود ظهير دولي قوي يتمثل في موسكو وبكين اللتين تدعمان الموقف الإيراني.
إن التراجع الأميركي عن استهداف إيران قبل نحو عشرة أيام لم يكن خياراً دبلوماسياً، بل تعبيراً عن الارتطام بجدار الردع التقني والميداني الذي لم يعد بالإمكان تجاوزه من دون دفع أثمان باهظة من شأنها أن تُهدّد الاقتصاد العالمي المنهك.
في الخلاصة؛ يقف العالم اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، حيث يتصادم منطق الهيمنة الأحادية مع واقع التعددية القطبية الصاعد والمدعوم بالردع التقني المتفوق. وتثبت التطورات المتسارعة أن زمن الضربات العسكرية السريعة والمنخفضة التكلفة قد ولى إلى غير رجعة، وأن أي مغامرة طائشة ضد إيران ستكون بمثابة الصاعق الذي سيعيد رسم خارطة القوة والنفوذ في العالم بأسره.
