بداية، من اللافت للانتباه أن طهران دخلت هذه الجولة بسقف تفاؤلي عالٍ، وحتى الساعات الأخيرة، صدرت إشارات إيرانية توحي بأرجحية تحقيق تقدم استثنائي، بل إن بعض الأوساط الإيرانية تحدثت عن أجواء إيجابية غير مسبوقة. في المقابل، بدا الموقف الأميركي أكثر تحفظاً، من دون أي اندفاعة إعلامية تعكس توقع اختراق سريع. أما الوسيط العماني فمال بدوره إلى التفاؤل، ما يُعزّز الانطباع بوجود أرضية تفاوض جدية.
في الوقائع، تشير المعطيات إلى أن إيران قدمت اقتراحاً متكاملاً حول مصير برنامجها النووي، يرتكز على إعادة الأمور إلى التزامات عام 2015، أي إلى ما نص عليه اتفاق (JCPOA). عملياً يعني ذلك التخلي عن مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق 3,67%، وربما القبول بنسبة تقارب 2% أو أقل للاستخدامات المدنية، بما يُبدّد المخاوف من اقتراب طهران من العتبة النووية. وهذا العرض، إن صحّت تفاصيله، يشكل تراجعاً تقنياً كبيراً قياساً بمستويات التخصيب التي بلغتها طهران في السنوات الأخيرة، ويُمكن أن يعتبره الرئيس الأميركي دونالد ترامب “إنجازاً” أمام الرأي العام الأميركي مقارنة باتفاق العام 2015.
نحن أمام مشهدية معلقة بين احتمال التوصل إلى تفاهم يُكرّس معادلة ردعية متبادلة وخفض منسوب التوتر، واحتمال انسداد يفتح الباب أمام حرب واسعة. حتى اللحظة، تبدو حظوظ التوصل إلى تفاهمات إيرانية أميركية أعلى من غيرها نسبياً، لكن في ملفات بهذا التعقيد تبقى المفاجآت، لا سيما القادمة من تل أبيب، جزءاً أصيلاً من اللعبة
في المقابل، يواصل ترامب رفع منسوب الخطاب التصعيدي، في سياق إعادة تثبيت العقيدة الأميركية التقليدية القائمة على منع إيران من امتلاك سلاح نووي من جهة وتثبيت العقيدة القائلة بفرض السلام بالقوة من جهة ثانية.، لذا، نجد ترامب يتحدث عن “تدمير البرنامج النووي الإيراني” وعن ضرورة الحصول على تعهد واضح بعدم تطوير سلاح نووي أبداً. كما يوسع دائرة التهديد لتشمل البرنامج الصاروخي الإيراني، مشيراً إلى صواريخ قادرة على تهديد أوروبا والقواعد الأميركية، بل وحتى الأراضي الأميركية مستقبلاً. وفي منطقه، الدبلوماسية هي الخيار الأفضل، لكن تحت سقف ردع صارم لا يترك مجالاً لأي التباس.
غير أن واقعية التهديد العسكري تبقى محل تساؤل. صحيح أن حجم الانتشار الأميركي في المنطقة كبير، إلا أن خوض حرب طويلة مع إيران يختلف جذرياً عن ضربة عسكرية خاطفة ومحدودة. فالجغرافيا الإيرانية، والقدرات الصاروخية، وتشابك ساحات المواجهة من الخليج إلى شرق المتوسط، كلها عوامل تجعل خيار الحرب الشاملة مكلفاً ومعقداً. والعمليات السريعة التي يفضلها ترامب لا تبدو قابلة للاستنساخ في الحالة الإيرانية.
لكن العامل الإسرائيلي سيبقى حاضراً بقوة. فإسرائيل لا تنظر بعين الرضا إلى اتفاق يكتفي بمعالجة نسب التخصيب، بل ترى في استمرار وجود البنية التحتية النووية (والأهم المعرفة النووية)، حتى في حدودها الدنيا، خطراً وجودياً لا يمكن التعايش معه. وما يزيد من هواجس تل أبيب هو “سباق إعادة البناء” الذي تنتهجه طهران لترميم مرافقها المحصنة تحت الأرض التي استُهدفت سابقاً.
وتتحرك إسرائيل وفق عقيدة “الاستهداف الوقائي المستمر” لأي تهديد يطال أمنها القومي، وهي تضغط باتجاه دفع واشنطن لتبني خيار الضربات الجراحية لتدمير منظومات الصواريخ الباليستية ومنصات الإطلاق المتنقلة، وليس فقط المواقع النووية، فضلاً عن اعطاء ضوء أخضر لإسرائيل لاستهداف أذرعة إيران ولا سيما حزب الله في لبنان. وتعتبر الأوساط الأمنية الإسرائيلية أن أي اتفاق لا يتضمن تفكيكاً كاملاً لأجهزة الطرد المركزي المتطورة، وتجميداً شاملاً لبرنامج الصواريخ بعيدة المدى، سيكون مجرد “شراء للوقت” يمنح إيران فرصة لتحصين منشآتها بشكل أكبر. وهذا ما قد يدفع إسرائيل للقيام بعمل عسكري منفرد يهدف إلى إحراج المسار الدبلوماسي وفرض واقع ميداني جديد، والمقصود هنا اعتماد “مبدأ الجراحة الاستراتيجية”، بحيث لا تقتصر الضربة على القصف الجوي التقليدي، بل تدمج بين الهجمات السيبرانية لتعطيل أنظمة التبريد والتحكم، واستخدام قنابل خارقة للتحصينات تستهدف المداخل الحيوية للمنشآت تحت الأرض لجعلها غير صالحة للاستخدام لسنوات. كما تشمل الخطة الإسرائيلية استهداف “خلايا الإنتاج” المتنقلة وشبكات الإمداد التقني، في محاولة لتقويض المعرفة العلمية المتراكمة، وليس فقط المعدات. وهذا التوجه الإسرائيلي يرمي إلى جعل كلفة العودة للبرنامج النووي باهظة ومستحيلة تقنياً في المدى المنظور، بعيداً عن حسابات الربح والخسارة على طاولة مفاوضات جنيف.
في الخلاصة، نحن أمام مشهدية معلقة بين احتمال التوصل إلى تفاهم يُكرّس معادلة ردعية متبادلة وخفض منسوب التوتر، واحتمال انسداد يفتح الباب أمام حرب واسعة. حتى اللحظة، تبدو حظوظ التوصل إلى تفاهمات إيرانية أميركية أعلى من غيرها نسبياً، لكن في ملفات بهذا التعقيد تبقى المفاجآت، لا سيما القادمة من تل أبيب، جزءاً أصيلاً من اللعبة.
