«الاختيار 3».. دراما وثائقية أم معالجة أمنية؟

يمكن الانطلاق مما حدث أواخر عهد الرئيس المصري الأسبق، محمد حسني مبارك، لفهم أسباب ما حدث في كانون الثاني/يناير 2011. ثمة مشتركات كبرى صنعت ما حدث، ليكون الخلاف حول درجة أهمية هذه المشتركات - معارضة مشروع توريث الحكم مثلاً - كأسباب ودوافع. أما ما تلا ذلك حتى الآن، فإن الاستقطاب الذي لم تشهد مثله مصر في تاريخها الحديث والمعاصر من حيث التشظي والعمق قضى على أي مشترك يمكن أن يشكل سردية معقولة عما حدث وما يحدث وما سيحدث.

السابق ليس استثناء في تاريخ السلطة المعاصر، فغالبية الأحداث الفارقة التي وقعت قبيل التحولات الكبرى منذ منتصف القرن العشرين قد ضُرب عليها حواجز من التعتيم والتشويش وكثير من المحاذير، لتصير تاريخاً لا يهم سوى المتخصصين الذين يتبع معظمهم قاعدة تقول إن التأريخ لأي حدث لا يتم بدقة علمية إلا عقب مرور 30 عاماً على حدوثه، وهو ما جعل كثيراً من الأحداث الفارقة بالنسبة إلى معاصريها رهن إعادة التأويل وفق محددات سياسية وأيديولوجية تبتعد بالحدث شيئاً فشيئاً عن حقيقته.

لكن تحقيق هذا في عصر الإنترنت يُعد درباً من دروب المستحيل، ليس لصعوبة تطبيق هذا على ما جرى في السنوات التالية لـ2011 لاعتبارات تكنولوجية محضة فقط، ولكن لأن ما يعيشه المصريون الآن يُعد انعكاساً لهذه الأحداث، ما يعني أن طي صفحة الماضي ليس ممكناً دون إدراك غالبيتهم ما حدث، وعبر وسيلة تصل إلى وعيهم الجمعي على نحو سلس.

هنا تأتي الدراما التلفزيونية كحل سحري يتضاعف تأثيره إذا كان موعد بثها شهر رمضان حيث ضمان وصول الرسالة عبر وسيط يتابعه الملايين في تقليد سنوي صمد لعشرات السنين، وله سوابق نجاح في التأثير، ليس أقلها «دموع في عيون وقحة» (1980) و«رأفت الهجان» (1988)، وهو ما يلخصه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بإشارته إلى أن الدراما «تختصر ألف كتاب».

رواية الدولة

للمرة الثانية في أسبوع واحد، تطرق السيسي إلى الجزء الثالث من مسلسل «الاختيار»، وأقسم أن ما جاء فيه من سرد وصفه بـ«الدقيق» في حلقات المسلسل هو «الحقيقة» وهو «ما حدث»، وذلك في معرض الرد على أسئلة كثيرة تعلقت بالمدة التي برز فيه اسمه إلى الساحة لدى عموم المصريين وزيراً للدفاع منتصف 2012، التاريخ الذي تبدأ فيه أحداث المسلسل في قطعٍ على ما سبقها، وفي امتداد لما لحقها.

في هذا الجزء، تكمل الدولة روايتها عما حدث سنةَ حكمِ جماعة «الإخوان المسلمون»، مع ترك ما حدث طيّ التوهمات الغيبية وعقلية المؤامرة، الأمر الذي تجذر بسبب الاستقطاب السياسي والاجتماعي الحاد بعد الإطاحة بالجماعة، وذلك في استجابة وحيدة لأي سؤال يتعلق بما فعلته «الإخوان» بخلاف دور الضحية، خاصة مسألة اختيار السيسي وزيراً للدفاع ووصفه إخوانياً حتى 3/7/2013 بأنه «منهم»، وغيرها من علامات الاستفهام.

قضايا أجابت عنها الدولة في مستوى يتدرج من التصريحات والمقالات والكتب وصولاً إلى مسلسل يضمن أن تستقر به هذه الرواية – خاصة الجزء المتعلق بالسيسي – في وجدان المصريين وذاكرتهم الجمعية، ضمن عدد من الأهداف أقلها إعادة انتاج صورة السيسي بمراحلها المختلفة، وشغل الفجوات التي يتقن الإخوانيون ملأها بخليط يجمع ما بين نظرية المؤامرة والذهان القدري، خاصة إذا كانت هذه الفجوات نتجت عن انحسار شعبية «الجنرال» تحت وطأة «الإصلاحات» الاقتصادية في السنوات القليلة الماضية.

ثلاثية «الاختيار» تمثل طفرة في ما يمكن وصفه بالدراما الأمنية، فللمرة الأولى يُنتج ويُعرض مسلسل يؤرخ لمرحلة ما يزال أشخاصها معاصرون وبعضهم في مواقع السلطة، وهو ما يعني بديهياً ارتفاع السقف من حيث التناول وتجاوز خطوط لم تكن لتحدث في عهد مبارك مثلاً

المعالجة الفنية

من الناحية الفنية، يمكن تقسيم حلقات المسلسل إلى ثلاثة مستويات: التسجيلي المتعلق بإعادة تمثيل أحداث ومواقف حقيقية، والمتخيل أو الإبداعي الناتج عن خيال المؤلف والمخرج، والأخير – هو الأهم – الذي يتمثل في ما سُمّيت «التسريبات» التي توثق اجتماعات بين قادة الجيش، وعلى رأسهم المشير محمد حسين طنطاوي والسيسي، وقادة «الإخوان» وغيرهم من التيارات السياسية المنخرطة في المشهد آنذاك.

تسجيلات المستوى الأخير كانت تُبث نهاية كل حلقة في رسالة متعددة الاستخدامات، إذ لا تقتصر على تأكيد أو نفي حدث ما قد وقع في الماضي، بل تتعلق بأحداث وملفات جارية صودف أن تزامن عرضها مع تصدر هذه الملفات النقاش العام، وآخرها ما يتعلق بالحوار الوطني ومبادرة الإفراج عن معتقلين ليسوا من «الإخوان» وغير متورطين في العنف.

على الصعيد الفني أيضاً، جاءت إعادة تقديم السيسي عبر أداء مميز للممثل ياسر جلال (الصورة أعلاه) الذي أُعيد اكتشافه على مدار السنوات القليلة الماضية، وها هو يبلغ ذروته المهنية بتقمصه شخصية السيسي وتحديداً صوته، بأبعاد تطابقت كثيراً مع ما اعتدناه من خطابية مباشرة لكلام السيسي في مختلف إطلالاته الإعلامية في المناسبات، ولكن مع إبراز جوانب إنسانية عبر خطوط درامية مقتضبة عن شخص الرئيس خارج العمل الرسمي.

يعود ذلك – كما يبدو – إلى دواعٍ درامية لتقليص الفجوة بين الصورة التي نعرفها عنه وزيراً للدفاع ورئيساً للجمهورية، وبين ما أراد صانعو المسلسل عبره تصدير صورة جديدة تخرج عن حدود دور المنقذ التي استُهلكت منذ 2013، سواء على وقع «الإصلاحات» الاقتصادية وكلفتها على الطبقة الوسطى، أو ما لحقها من تشويه عبر سرديات «الإخوان» التي تصور الإطاحة بهم على أنها مؤامرة قد خُطط لها قبل وصولهم إلى الحكم.

هذه السرديات تتقاطع في أنها تحولت مع الوقت إلى «تابو» مقدس لا تنقطع صلته بالحاضر إلا عبر الماضي كأي سردية خرافية بُنيت على توهمات الحكم الديني، وأتت عبر صدمها وصدم أصحابها بالتسريبات التي يقع مداها الزمني قبل تولي السيسي وزارة الدفاع، وما حوته من مواقف لقادة «الإخوان» تجاه حلفائهم من التيارات الإسلامية والقوى السياسية كافة. والهدف إظهار حرص المؤسسة العسكرية على التعاطي معهم وفق أرضية الحفاظ على الاجتماع والدولة ومنع تفكيكها، وهو ما تعزز كمدخل لحلقات المسلسل لإبراز أن هناك مساحة ممكنة للتعاون مع محمد مرسي بصفته رئيساً لولا ضعف شخصيته أمام مكتب الإرشاد.

إقرأ على موقع 180  المبادرات اليمنية بلا أفق.. ومأرب ستخلط الأوراق

لكن طغيان الجانب التوثيقي من المسلسل ساهم في تقزيم الجزء الدرامي المتعلق بباقي نجوم العمل، خاصة الثلاثي كريم عبد العزيز وأحمد عز وأحمد السقا، فتحولت مشاهدهم على مدار الحلقات إلى فواصل درامية على غرار الفواصل الإعلامية بين مشاهد المسلسل الوثائقية والتسجيلية التي حظيت باهتمام أكبر، وهو ما يرجع إلى ضعف أدوارهم على عكس أبطال الجزأين السابقين اللذين شهدا تبلور خطوط درامية واضحة لتطور الشخصيات، أي على عكس الجزء الأخير الذي باتت مشاهد النجوم فيه تعتمد على رصيدهم لدى الجمهور، ما أدى إلى حشو مشاهدهم بجمل حوارية وخطابية ليس لها داعٍ ولا مبرر سوى إظهارهم في مساحة تناسب أسمائهم، لا لجدوى أدوارهم درامياً أو وثائقياً.

أكثر من عصفور

ما يميز الجزء الثالث من «الاختيار» قلة اكتراثه بـ«السوشال ميديا» كمرآة تعكس نجاح الأعمال الدرامية الرمضانية في السنوات القليلة الماضية، كونه موجهاً أساساً إلى غير جمهور الشبكات الاجتماعية الذين تتراوح أعمارهم الآن بين 15 و22 عاماً، فالمستهدفون أكبر خاصة ممن عاصروا تلك المرحلة العصيبة، وهو ما حاول المسلسل تقديمه بكليشيهات جمعت ما بين الأسرة والحارة ومكان العمل، في محاولة لربط تحفيز الذاكرة الجماعية عن هذه المرحلة بمفهوم «إنقاذ البلد» قبل «اقتتال أهلي».

هذا ما جعل محددات المسلسل تقزم الحقائق التي سردها عبر «التسريبات» لتتحول إلى مجرد تسجيل كل فريق نقاطاً على حساب الآخر، وليس مثلاً وضع حد للتخمينات الضارة عن تلك المرحلة وتمرير رسائل متعلقة بالمرحلة الحالية والمقبلة، وهو ما جعل الاستغراق في نكأ جراح الماضي المدخل الأسهل لتمرير رسائل أقلها أن ما حال بين مصر والحرب الأهلية هو ما حدث في 3/7/2013.

من هذا المنظور، يمكن فهم اهتمام السلطة بالمسلسل وتأثيره وفق أبعاد أمنية وتحوط استباقي، لأنه يهدف إلى وقف استمرار قطاعات كبيرة من الشعب المصري في التعاطي مع الحاضر والمستقبل وفق محددات ماضوية تتقزم بجوارها مخاطر داخلية وخارجية حالية ومستقبلية، أي الوتر الذي أجاد «الإخوان» العزف عليه والاستثمار فيه خلال السنوات التالية للإطاحة بهم، فكان السؤال البديل: ماذا لو استمرت الجماعة في الحكم أو المشهد السياسي والاجتماعي في زمن الجائحة والأزمات اللاحقة؟

إنّ الانطلاق من هذا السؤال يهدف إلى التمهيد لواقع جديد وجمهورية جديدة ليس لـ«الإخوان» ومن لف لفهم موقع فيها، وكذلك تأكيد عدم الاستمرار في التطبيع والتماهي مع خطابهم الهوياتي بشقيه السياسي والاجتماعي، القائم على الاستقطاب والتفرقة مثلما حدث طوال سنوات مبارك، حينما مهّد اعتياد وجودهم طوال ثلاثة عقود لقبول انتقالهم إلى سدة الحكم في تحصيل حاصل.

بناء على ذلك، جاءت غلبة الجانب التوثيقي والتسجيلي، كماً وكيفاً، لدواعٍ أمنية بالدرجة الأولى أكدها السيسي أكثر من مرة، من حيث غلق باب التخمينات وطي صفحة الماضي وفق توثيق بالصوت والصورة يؤكد أن ما قُدم في المسلسل هو ما حدث في 2013، وفق تتابع لا يختلف كثيراً عما جاء حتى في سرديات «الإخوان» الشحيحة حول تلك المرحلة وأبرزها وثائقي «الساعات الأخيرة»، من حيث انتفاء عامل المؤامرة والتخطيط المسبق كما أشاعوا لاحقاً.

فالأحداث بداية من اختيار مرسي السيسي وزيراً للدفاع وصولاً إلى عرض الأخير بيان خريطة الطريق والحوار في 30/6/2013 ودعوة سعد الكتاتني لمؤتمر 3 يوليو/تموز، كلها تثبت أن خط اللاعودة قد تم تجاوزه من الجماعة وقياداتها بدفعهم بحالة الاستقطاب والانقسام المجتمعي والسياسي نحو الاقتتال الأهلي على غرار ما حدث في سوريا، ومن بوابة دعم مصر الثورة المزعومة هناك – كما ذُكر في المسلسل – وتعليق السيسي لاحقاً حول تهديد خيرت الشاطر له بتفعيل هذا الخيار إذا انحازت القوات المسلحة إلى مطالب الشعب ضد الجماعة.

في المحصلة العامة إن ثلاثية «الاختيار» تمثل طفرة في ما يمكن وصفه بالدراما الأمنية، فللمرة الأولى يُنتج ويُعرض مسلسل يؤرخ لمرحلة ما يزال أشخاصها معاصرون وبعضهم في مواقع السلطة، وهو ما يعني بديهياً ارتفاع السقف من حيث التناول وتجاوز خطوط لم تكن لتحدث في عهد مبارك مثلاً، فإلى جانب إعادة إنتاج وتقديم السيسي عند كل من مؤيديه ومعارضيه هناك تحوط مستقبلي لانتزاع ما تبقى من هيمنة لـ«الإخوان» والإسلاميين عموماً على وعي المصريين، الأمر الذي يشبه التلقيح الإجباري الذي يحصن المجتمع على المدى المنظور من أي احتمالية لعودتهم.

هذه النتيجة لخصها السيسي على لسان ياسر جلال بالقول: «لن تقوم للجماعة قائمة لمدة 50 سنة قادمة»، وتمّ ذلك بتقديم سردية معقولة نسبياً تملأ فراغ تساؤلات هذه المرحلة العصيبة من تاريخ مصر، فيما أجاد «الإخوان» على مدار السنوات القليلة الماضية حشوها بتوهمات خطرة تتوعد أقلها المصريين بعقاب إلهي لرفضهم «الشرعية والشريعة»، وكي الوعي العميق لديهم ولعموم الإسلاميين بأن ما حدث في منطقهم هو «إنقاذ إلهي» لمصر كما يردد السيسي، ولذلك لم تخرج ردود أفعالهم وتفاعلهم مع المسلسل عن الحيلولة دون اعتماده كسردية عامة لما حدث، واستبدال مرويات المظلومية الأبوكالبسية الطابع بها!

Print Friendly, PDF & Email
إسلام أبو العز

كاتب صحافي ومحلل مختص بالشؤون الإقليمية والعلاقات الدولية - مصر

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  ديفيد هيل يتلو البيان رقم 1 من بعبدا: الحراك خط أحمر