بسمة عبد العزيز Archives - 180Post

740.jpg

في مفاجأةٍ غير مُتوقَّعة سَمعِت "وحياة قلبي وأفراحه" صادرةً عن أحد الجيران. لم أتأكد إن كانت المناسبة هي بالفعل ظهور نتيجة الثانوية العامة، أم مُجرَّد مصادفة سعيدة جاء بها الراديو. للأغنية ذكرياتٌ كثيرة منذ الطفولة، ولصوت عبد الحليم الشجيّ أثرٌ لا يذوي في الروح، ولواقعنا الغنائيّ التعس فضلُ التعريف بقيمة الكلمة واللحن الحقيقيين. لم أسأل الجارة عن سِرّ انطلاق الأغنية عبر بابها؛ فعاداتنا المُستجَدَّة أن يبقى كلٌّ في حاله، وأن يحفظَ خصوصيةَ مَن حوله ويتكتَّم فضوله؛ كي يستحقَّ صفاتِ التحضُّر والرُّقِي.

800-15.jpg

شاهدت مصادفة حوارًا طريفًا بطله صبيٌّ؛ صَحِبَته أمُّه للقاء مدرب كرة اليد؛ آملة أن ينضمَّ إلى الفريق الأول بالنادي. رحَّب المدربُ بالولد وراح يحدثه عن المُتطلَّبات والشُّروط التي تتجاوز امتلاكه الموهبة والمهارة؛ ومنها أن يعتاد على الصَّحو مبكرًا، وأن يتبعَ نظامًا غذائيًا خاصًا مَنزوع المُغرِيات، يعدو يوميًا مسافة طويلة ويواظب على تمرينات اللياقة البدنية الشاقة في صالة الإحماء. تراجع الولد قليلًا حين أدرك صعوبة الموقف وبدا مستاءً من فكرة خضوعه لمجموعة من الأوامر والنواهي، ميالًا للانسحاب وتجنُّب الأذى المُتوقَّع؛ وقبل أن ينطق نظرت له أمه مؤكدة على الكلام: "قلت لك؛ ما فيش حلاوة من غير نار".

800.jpg

زجَرَت الأمُ طفلَها الذي رفَضَ إكمالَ طعامه. قارنت بينه وبين صاحبِه ذي الجّسم المُمتلئ؛ إذ أقبل يأكل بشراهةٍ واضحةٍ دون أن يحتاجَ إلى توجيهٍ أو إلحاح، ولم تلبث مع غياب أيّ استجابة مُرضِية أن انفعلت، وعلا صوتها تأمر صغيرَها المتلكئ بالإسراع في إنهاء وجبته عن آخرها؛ لكن الجدَّة التي راقبت المَوقِف منذ البداية تدخَّلت ناصحةً بعدم الضَّغط عليه، وبمراعاة اختلافه عن زميله، وخَتمَت كلامها بالحِكمة الشعبيَّة الخالدة: "كلّ برغوث على أد دمُّه".

810-3.jpg

اجتمَعَت العائلةُ في الصالة، بنتٌ وصَبيٌّ لم يتجاوزا العاشرة وفتى أكبر يبدو في مرحلة المراهقة، وقد تلقى ثلاثتهم أمرًأ صارمًا بترك الهواتف المحمولة جانبًا وعدم لمسها؛ فافترشت البنتُ ركنًا بعيدًا وراحت ترصُّ بضعة مكعبات ملونة يعاونها أخوها الأصغر؛ فيما أخذ الأكبر يستفزهما بشتَّى الطرق ويعابثهما بإسقاط ما نظما؛ لتستحيل القعدةُ في لمحة عين إلى معركة ضارية. ضجَّ الأب بعد قليل من المشاحنة والشكوى، فصاح مُستنكِرًا: "مش كبرت على كده؟"، ضحكت الأمُ التي تعرف ولدها حقَّ المَعرفة وردَّت دون تفكير: "مَن شبَّ على شيء شاب عليه".

800-29.jpg

من خلالِ النافذةِ الزجاجيَّة الواسعة؛ لمحت العاملةُ مديرَ المكان وهو يخطو باتجاهها. تركت كسلها جانبًا وطوت مُسرِعة أطراف البساط، ثم تناولت المكنسة وراحت تحركها في هِمَّة ونشاط. وصل الرَّجل فألقى نظرة سريعة على الصالة ثم هزَّ رأسه مبتسمًا في رضاء، ولما خرج من المكان أعادت العاملة كلَّ شيء إلى وضعه الأول وانصرفت؛ فيما همست امرأة من مَجلسها القريب: "ناس تخاف ما تختشيش"؛ لكن أخرى تشاركها القعدة ردَّت ضاحكة: "على قد فلوسهم".

800-33.jpg

أذكر صديقًا ألمانيًا وصل القاهرة في زيارة قصيرة؛ مضى عليها عقدان أو أكثر قليلًا. جلس في مقعد السيارة الخلفيّ مبتسمًا، ثم إذا به يطلق صيحاتٍ متتابعة مع كل انحناءةٍ عادية، ومع كل استعمالٍ طبيعي للمكابح؛ بينما يُعلِن فزعَه الشديد من وجود المارة وسَط العربات، ومن الإشارات الضوئية التي يفسرها الجَّميع على غير معناها. لم يتمكن طيلة رحلته من التغلُّب على المخاوف التي انتابته، ولا كفَّ عن محاولة تنبيهنا للمخاطر المُحيطة.

828.jpg

لما أمر السُّلطان حسن خادمَه بأن يأخذ رشفةً من الشَّراب؛ امتثل الخادمُ مرتعشًا ثم سقط يتلوى ألمًا؛ فتأكَّدت الشكوكُ وانكشفت الخُطة. شاهدنا ضِمن أعمالٍ درامية متنوعة، الملكَ الخائف وهو يطلب من الطاهي أن يتذوَّقَ الطعامَ الذي صنع، فإن سَلِم ولم يُصِبه سوءٌ؛ أكلَ الملكُ واستمتَع بالطيبات، وإن حدثْ غير ذلك؛ وَقع الخائن في شرّ أعماله وانطبق عليه المثلُ الشعبيّ الذي يقول: "طبَّاخ السمّ بيدوقه". الطبَّاخُ على أرض الواقع مجرَّد مجاز، يُدلل على كلّ من سعي لإيذاء الآخرين، والقَّصد بيِّنٌ وصريح؛ إذ الأفعالُ الخبيثة تعود في نهاية الأمر على فاعلها، والفخاخُ تقتنصُ في كثير الأحيان مُدبرَها.

800-21.jpg

تجدَّدت المعاركُ في المنطقة واحتلت أخبارها الحوار الدائر بين عددٍ من الأصدقاء. بعضُهم ثمَّن الردَّ الإيرانيّ المباشر الذي يُناطح العدوَّ ويكبده الخسائر، وبعضٌ آخر فضَّل سُبل المُهادنة المُجرَّدة من أيّ عمل عسكري؛ فيما اتفق الجميع على أن بعض المواقف الرسميّة العربية تبدو متخاذلةً متقاعِسة، لا يرتضيها من يأبى الذِلة والمَهانة.

801-3.jpg

على طرفِ الرَّصيف الضَّيق الذي يحتلُّ أكثر من نصفِه معرضُ سيارات، جلس بائع ثلاثينيّ ببضاعته المتواضعة المَرصُوصة بترتيب وإتقان على قفصٍ صَغير من الخشب. وصلت حملةٌ لإزالة الإشغالات، تركت سيارات المعرض على حالها؛ بينما انتزع الأفراد المكلفون بإخلاء المكان فرشةَ البائع ودفعوه بعيدًا عنها. وسط الشدّ والجَّذب والصياح هَمسَ عابر لزميله: "ما قدرش ع الحمار اتشطَّر ع البردَعة".

800-6.png

نزلت الشَّابة عن الرصيف، قبضت على يدّ زميلتها المتوترة، ثم قفزت بها إلى نهر الطريق دون حسابات كثيرة. أطلقت إحدى العربات سرينتها وانحرفت أخرى بفضل مهارة سائقها، وخفضت ثالثة سرعتها باستخدام عنيف للمكابح؛ بينما تفادتهما دراجة نارية على متنها أربعة أشخاص، وأخيرًا حالف الحظ المرأتين فوصلتا بسلام إلى البرّ المقابل؛ لينطبق عليهما المثل الشعبيّ القائل: "إديني عمر وارميني البحر".