بسمة عبد العزيز Archives - 180Post

800-13.jpg

جلست الطفلةُ مع أمها في النادي، لا يبدو عليها المرح المعتاد؛ بدأت المدارس وبدأت معها معاناة التلامذة وأهليهم على حد سواء. كرَّرت الأم على ابنتها السؤال؛ فلم يبد عليها فهم. أعادته مرة ثانية؛ لكن نظرةَ البنت المدهوشة لم تتبدل. طلبت منها الأمُ أن ترددَ الإجابة وراءها واستحثتها في غيظ وهي تقول: "التكرار يعلم الشطار". 

1-3.jpg

على بوَّابة أحد الامكنة التي عملت ذات يومٍ بها، أذكر وجودَ امرأةً عَجوز ضِمن أطقم النظافة؛ تلتزم مكانها ولا تغادره قبل موعد الانصراف. كلما وَصَل شخص؛ كلما انتفضت العجوزُ واقفةً ورأسها مَحنيٌّ قليلًا، بينما يداها إلى جانبيها كأنها تؤدي التمام العسكريّ. إن كانت تمضُغ طعامَ الإفطار كفَّت عن المَضْغ وسكنت اللقمةُ جانبَ فمها، وإن كانت تتحدَّث في المَحمول صَمَتت وسُمِعَ صَوتُ مُحدثها مُنفردًا على الجانب الآخر. رجوتها مرةً وعشرًا أن تظلّ جالسَةً على مقعدها وأن تكتفيَ برد التحية دون مظاهر متكلفة؛ لكنها لم تستطع أن تغيرَ عاداتها. فكرت ذات يوم أن أخاطبها بما قد يجد لديها صدى؛ قلت: "كلنا ولاد تسعة". ضحكت ضحكةً كبيرةً وتخلت عن تحفظها وهي تجيب: "ربنا يعزّك يا دكتوره، ما يصحّش".

800-12.png

وَصَل أحد الأصدقاء وعلى وجهه علامات الغيظ الشديد، تلته صديقة أخرى؛ ما إن رآها حتى انطلق في وصلة تأنيب. اتفق معها على موعد فتأخرت ولم تعتذر، واضطر لمهاتفتها فأخبرته أنها لن تتمكن من مقابلته؛ لكنها راحت تطيّب خاطرَه وتتعلل بظرف طارئ أقعدها عن رؤيته، وختمَت كلامها قائلة: "حقَّك عليَّا". الاعتذار مألوف؛ يدين به القائلُ نفسَه ويحاول تخفيفَ الموقفِ المزعج الذي تسبَّب فيه، وغالبًا ما تمضي الأمور على ما يرام إذ الرجوع إلى الحق فضيلة، والإقرار بالذنب خصلة طيبة لم تعد ترى إلا في النادر من الأحوال.

780-2.jpg

وصل الرجل متذمرًا، يرغي ويزبد، يسب الأوضاع المزرية ويلعن المتسبب فيها، ولما سأله رفاقه عما به؛ كاد لسانه ينطق؛ لكنه صمت فجاة ونظر حوله هامسًا: "وللا بلاش الحيطان لها ودان". أطلق أحد الجالسين في المقهى ضحكة ذات معنى وردد في نبرة تحذيرية: "إن خفت ما تقولش وإن قلت ما تخافش". هدف العبارة أن تبعد عن سامعها شبح التردُّد، وأن تمنعَه الإفراطَ في التفكير وتقطع الموقف المُعلق وتبت فيه. يبدو الأمر سهلًا يسيرًا؛ لكنه على أرض الواقع صعب عسير، فالخوف يُولد مع الرغبة في البوح والتصريح، والكتمان يوغر الصدر ويوجع القلب ويورث صاحبه القهر والعذاب. يعاني كثير الناس من اضطرارهم لكبت مشاعرهم؛ رهبةً من التبعات، وتحسبًا من قضاء أعمارهم بين الجدران الموحشة.

740.jpg

في مفاجأةٍ غير مُتوقَّعة سَمعِت "وحياة قلبي وأفراحه" صادرةً عن أحد الجيران. لم أتأكد إن كانت المناسبة هي بالفعل ظهور نتيجة الثانوية العامة، أم مُجرَّد مصادفة سعيدة جاء بها الراديو. للأغنية ذكرياتٌ كثيرة منذ الطفولة، ولصوت عبد الحليم الشجيّ أثرٌ لا يذوي في الروح، ولواقعنا الغنائيّ التعس فضلُ التعريف بقيمة الكلمة واللحن الحقيقيين. لم أسأل الجارة عن سِرّ انطلاق الأغنية عبر بابها؛ فعاداتنا المُستجَدَّة أن يبقى كلٌّ في حاله، وأن يحفظَ خصوصيةَ مَن حوله ويتكتَّم فضوله؛ كي يستحقَّ صفاتِ التحضُّر والرُّقِي.

800-15.jpg

شاهدت مصادفة حوارًا طريفًا بطله صبيٌّ؛ صَحِبَته أمُّه للقاء مدرب كرة اليد؛ آملة أن ينضمَّ إلى الفريق الأول بالنادي. رحَّب المدربُ بالولد وراح يحدثه عن المُتطلَّبات والشُّروط التي تتجاوز امتلاكه الموهبة والمهارة؛ ومنها أن يعتاد على الصَّحو مبكرًا، وأن يتبعَ نظامًا غذائيًا خاصًا مَنزوع المُغرِيات، يعدو يوميًا مسافة طويلة ويواظب على تمرينات اللياقة البدنية الشاقة في صالة الإحماء. تراجع الولد قليلًا حين أدرك صعوبة الموقف وبدا مستاءً من فكرة خضوعه لمجموعة من الأوامر والنواهي، ميالًا للانسحاب وتجنُّب الأذى المُتوقَّع؛ وقبل أن ينطق نظرت له أمه مؤكدة على الكلام: "قلت لك؛ ما فيش حلاوة من غير نار".

800.jpg

زجَرَت الأمُ طفلَها الذي رفَضَ إكمالَ طعامه. قارنت بينه وبين صاحبِه ذي الجّسم المُمتلئ؛ إذ أقبل يأكل بشراهةٍ واضحةٍ دون أن يحتاجَ إلى توجيهٍ أو إلحاح، ولم تلبث مع غياب أيّ استجابة مُرضِية أن انفعلت، وعلا صوتها تأمر صغيرَها المتلكئ بالإسراع في إنهاء وجبته عن آخرها؛ لكن الجدَّة التي راقبت المَوقِف منذ البداية تدخَّلت ناصحةً بعدم الضَّغط عليه، وبمراعاة اختلافه عن زميله، وخَتمَت كلامها بالحِكمة الشعبيَّة الخالدة: "كلّ برغوث على أد دمُّه".

810-3.jpg

اجتمَعَت العائلةُ في الصالة، بنتٌ وصَبيٌّ لم يتجاوزا العاشرة وفتى أكبر يبدو في مرحلة المراهقة، وقد تلقى ثلاثتهم أمرًأ صارمًا بترك الهواتف المحمولة جانبًا وعدم لمسها؛ فافترشت البنتُ ركنًا بعيدًا وراحت ترصُّ بضعة مكعبات ملونة يعاونها أخوها الأصغر؛ فيما أخذ الأكبر يستفزهما بشتَّى الطرق ويعابثهما بإسقاط ما نظما؛ لتستحيل القعدةُ في لمحة عين إلى معركة ضارية. ضجَّ الأب بعد قليل من المشاحنة والشكوى، فصاح مُستنكِرًا: "مش كبرت على كده؟"، ضحكت الأمُ التي تعرف ولدها حقَّ المَعرفة وردَّت دون تفكير: "مَن شبَّ على شيء شاب عليه".

800-29.jpg

من خلالِ النافذةِ الزجاجيَّة الواسعة؛ لمحت العاملةُ مديرَ المكان وهو يخطو باتجاهها. تركت كسلها جانبًا وطوت مُسرِعة أطراف البساط، ثم تناولت المكنسة وراحت تحركها في هِمَّة ونشاط. وصل الرَّجل فألقى نظرة سريعة على الصالة ثم هزَّ رأسه مبتسمًا في رضاء، ولما خرج من المكان أعادت العاملة كلَّ شيء إلى وضعه الأول وانصرفت؛ فيما همست امرأة من مَجلسها القريب: "ناس تخاف ما تختشيش"؛ لكن أخرى تشاركها القعدة ردَّت ضاحكة: "على قد فلوسهم".

800-33.jpg

أذكر صديقًا ألمانيًا وصل القاهرة في زيارة قصيرة؛ مضى عليها عقدان أو أكثر قليلًا. جلس في مقعد السيارة الخلفيّ مبتسمًا، ثم إذا به يطلق صيحاتٍ متتابعة مع كل انحناءةٍ عادية، ومع كل استعمالٍ طبيعي للمكابح؛ بينما يُعلِن فزعَه الشديد من وجود المارة وسَط العربات، ومن الإشارات الضوئية التي يفسرها الجَّميع على غير معناها. لم يتمكن طيلة رحلته من التغلُّب على المخاوف التي انتابته، ولا كفَّ عن محاولة تنبيهنا للمخاطر المُحيطة.