بداية، يمكن الإشارة إلى اعتماد القارة الآسيوية الكبير على نفط الشرق الأوسط؛ إذ تستورد نحو 60% من احتياجاتها من النفط الخام من المنطقة، وهو ما يجعل أي اضطراب فيها ينعكس مباشرة على اقتصاداتها. ولن يعني انتهاء الحرب أو احتواء الأزمة الإيرانية أن تداعياتها على أمن الطاقة في آسيا ستتلاشى فورًا، وبخاصة أن عودة الإمدادات إلى مستويات ما قبل الأزمة تظل عملية تدريجية وليست لحظية. ولا يقتصر الأمر على النفط، فآسيا تُعد الوجهة الرئيسة لنحو 90% من صادرات الغاز الطبيعي المسال العابرة لمضيق هرمز، أو بصيغة أخرى، يمر ما يقرب من ربع واردات القارة الآسيوية من الغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز.
ومن ثم، تواجه معظم الاقتصادات الآسيوية خطر أزمة طاقة حادة، إذ قد تنفد المخزونات لدى عدد منها خلال أسابيع مع استمرار الحرب. ولهذا، سارعت الدول الآسيوية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لاحتواء تداعيات الأزمة والحد من الضغوط على أسواق الطاقة. فعلى سبيل المثال، أعلنت كوريا الجنوبية فرض سقف لأسعار الوقود، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ نحو ثلاثة عقود. وفي الفلبين، جرى تقليص أسبوع العمل الحكومي إلى أربعة أيام، إلى جانب توجيه الوكالات بخفض استهلاك الطاقة بنسبة تتراوح بين 10% و20%. كما حثّت فيتنام أصحاب الأعمال على التوسع في العمل عن بُعد لتقليل الطلب على الوقود. وقامت دول آسيوية أخرى بإغلاق المدارس، ودعوة مواطنيها إلى ترشيد استهلاك الطاقة، تحسبًا لارتفاع أسعار النفط الذي سيؤدي إلى ارتفاع أسعار كل شيء تقريبًا، من الغذاء إلى النقل والكهرباء.
ولا تتوقف تداعيات الحرب على قطاع الطاقة، بل تشمل قطاعات حيوية أخرى في آسيا، وفي مقدمتها سوق الأسمدة، التي من المتوقع أن تشهد ارتفاعًا حادًا في تكاليف إنتاجها، نظرًا لأن الشرق الأوسط ومضيق هرمز يُعدّان مصدرين رئيسيين لإمدادات الأسمدة عالميًا، فضلًا عن كون الغاز الطبيعي يُعتبر عنصرًا أساسيًا في صناعة الأسمدة، مثل اليوريا، وهي أكثر أنواع الأسمدة النيتروجينية استخدامًا في العالم. وبالتالي، ستتسبب الأزمة في مفاقمة أزمة أخرى، وهي ارتفاع أسعار الغذاء.
علاوة على ذلك، تعطلت بعض الصادرات الآسيوية مع تعطل المرور عبر مضيق هرمز وتراجع الطلب من أسواق الشرق الأوسط. فعلى سبيل المثال، شهدت صادرات المنتجات الزراعية الهندية إلى دول الخليج تراجعًا ملحوظًا، ما اضطر المزارعين إلى بيع إنتاجهم محليًا بأسعار منخفضة، كما توقفت صادرات الأرز التايلاندي إلى الشرق الأوسط.
وبالتوازي، تمتد الصدمة إلى سلاسل الإمداد الصناعية، إذ يُعدّ الشرق الأوسط مركزًا رئيسًا لإنتاج البتروكيماويات والهيليوم، وهما عنصران حيويان لصناعات الإلكترونيات وأشباه الموصلات. ومع توقف الإنتاج في منشآت رئيسة مثل رأس لفان في قطر، تتزايد مخاطر نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، بما يهدد صناعات التكنولوجيا المتقدمة في شرق آسيا، لا سيما في تايوان وكوريا الجنوبية واليابان، ويضع اقتصادات تعتمد بكثافة على قطاع الإلكترونيات، مثل الفلبين، أمام ضغوط مزدوجة تتعلق بالطاقة وسلاسل التوريد.
***
ومع ذلك، قد تتمكن دولة واحدة في آسيا من تجاوز هذه الأزمة، ألا وهي الصين. فعلى مدار عقدين، عملت الصين على تعزيز احتياطاتها الاستراتيجية من النفط استعدادًا لسيناريوهات اضطراب الإمدادات. وأثمرت الاستراتيجية الصينية طويلة الأمد في مجال أمن الطاقة عن بناء احتياطات نفطية تُقدّر بنحو 1.4 مليار برميل. وتشير بعض التقديرات إلى أن الصين كانت تستعد لمواجهة سيناريو نشوب الحرب؛ حيث زادت وارداتها من النفط بنسبة بلغت نحو 16% على أساس سنوي خلال شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2026. وإلى جانب ذلك، عزّزت الصين شراكاتها مع روسيا؛ إذ واصلت استيراد الغاز عبر خطوط الأنابيب البرية الروسية، بعيدًا عن نقاط الاختناق البحرية.
وقد أدركت الصين أن أمن الطاقة لا يتحقق فقط عبر بناء احتياطيات من النفط والغاز، بل يتطلب أيضًا تنويع مصادر الإمداد، وفي مقدمتها التوسع في الاعتماد على الكهرباء. وبالتالي، عملت الصين على توليد أكبر قدر ممكن من الكهرباء من مصادر محلية، وبخاصة من خلال استخدام الفحم والطاقة المتجددة والطاقة النووية. وتجدر الإشارة إلى أن الصين تستحوذ على نحو نصف المفاعلات النووية قيد الإنشاء عالميًا، بما يعكس توجهًا استراتيجيًا طويل الأمد يهدف إلى تعزيز الاستقلالية في مجال الطاقة، وتعزيز القدرة على امتصاص الصدمات.
وبالتالي، أصبحت الكهرباء تمثل نحو 30% من استهلاك الصين للطاقة، مدعومة بتوسع في كهربة قطاعات رئيسة، على رأسها قطاع النقل؛ حيث أصبحت أكثر من نصف السيارات المباعة كهربائية. ووفقًا لبعض التقديرات، فإن الصين تجنبت نموًا في الطلب على النفط بمقدار 1.2 مليون برميل يوميًا منذ عام 2019.
وجدير بالذكر أن روسيا تُعد من بين الرابحين من حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران؛ إذ أنها تستفيد من ارتفاع أسعار النفط، ومن قيام الولايات المتحدة برفع العقوبات بشكل مؤقت عن النفط الروسي. وتحمل هذه الديناميكية تداعيات تتجاوز سوق الطاقة، إذ تُسهم العائدات النفطية المرتفعة في تعزيز قدرة روسيا على تمويل حربها في أوكرانيا، بعد أن كانت إيرادات النفط والغاز قد سجلت أدنى مستوياتها في السنوات الماضية.
***
على هذا النحو، قد لا تقتصر تداعيات الأزمة على إعادة تشكيل حسابات أمن الطاقة في آسيا، بل تمتد لتدفع بعض دولها نحو الاقتراب أكثر من الصين، باعتبارها شريكًا موثوقًا قادرًا على توفير إمدادات أكثر استقرارًا أو بدائل أقل عرضة للاضطراب. فعلى سبيل المثال، قد تدفع الأزمة الدول الآسيوية إلى تسريع التحول نحو الكهرباء وتقليل الاعتماد على الوقود، وقد يُفضي هذا المسار إلى تعميق الاعتماد على الصين، نظرًا لهيمنتها على سلاسل توريد تقنيات الطاقة المتجددة، من الألواح الشمسية وتوربينات الرياح إلى مكونات تخزين الطاقة وشبكات الكهرباء.
كما أن الأزمة التي أثارتها واشنطن دون تنسيق مع الحلفاء ترسخ الانطباع بأن الولايات المتحدة باتت تشكل مصدرًا رئيسًا للأزمات، في حين تحرص الصين على تقديم نفسها كشريك اقتصادي موثوق وأكثر استقرارًا، وهو ما قد يدفع شركاء واشنطن في آسيا إلى إعادة حساباتهم الاستراتيجية وتعزيز انخراطهم مع بكين. وإلى جانب ذلك، فإن قيام واشنطن بإعادة توجيه أصول دفاعية من آسيا إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك منظومات حيوية مثل «ثاد»، وتصاعد المخاوف من تأخر تسليم الأسلحة والذخائر لحلفاء آسيويين كاليابان وتايوان، قد يُترجم إلى مكاسب صينية ذات طابع سياسي واستراتيجي.
وفي سياق متصل، فإن ما أشارت إليه بعض التقارير عن وجود محادثات بين الصين وإيران لترتيب مرور آمن للسفن الصينية عبر مضيق هرمز، إن تحقق، قد يمنح الدول القريبة من بكين ميزة نسبية في تأمين إمدادات الطاقة مقارنة بغيرها، وسيعني أن التحالف مع الصين له مزايا عملية وأكثر جدوى من التحالف مع الولايات المتحدة. كما أن ما أُثير بشأن دراسة طهران السماح بمرور الشحنات المسعّرة باليوان الصيني عبر المضيق قد يكون له تداعيات على هيمنة الدولار في تسعير تجارة الطاقة عالميًا.
وعلى هذا النحو، يمكن القول إن تداعيات حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران ستطال موازين القوى والتحالفات في آسيا؛ إذ قد تجد الدول الآسيوية نفسها أمام واقع جديد يعزز من دور الصين كلاعب مركزي في منظومة الطاقة الإقليمية. وبالتالي، قد تسهم الأزمة في إعادة رسم خريطة النفوذ والاعتماد في القارة الآسيوية خلال السنوات المقبلة.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
