بداية ٢٠٢٦.. أو الانهيار العظيم

من حضارة عصر النّهضة والبعث والأنوار، ومن حضارة التّيّار الانسانيّ وثقافة حقوق الانسان، ومن حضارة أنّ الحُكم للشّعب وأنّ للشّعوب الحقّ في تقرير مصيرها.. ينقلنا حُكم رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب اليوم، عمليّاً وأكثر فأكثر، إلى اطار حضاريّ غربيّ من نوع آخر كلّيّاً.

يبدو أنّ مستوى التّراجع عالٍ، من زاوية الفلسفة المؤسّسة للسّياسة الدّوليّة، ولا سيما عند هذه الإدارة الأميركيّة تحديداً.. إلى درجة أنّ ترامب وهذه الأخيرة يبدوان في موقع من لا يُبالي أصلاً بأن يكون هناك انقلابٌ على جلّ ما تنادي به الحضارة الغربيّة نفسها.. ولا بأن يكون هذا الأداء المُخيف يؤدّي وسيؤدّي إلى انهيارٍ إنسانيّ وأخلاقيّ وحضاريّ كبير، من شأنه أن يُضرّ بالدّول الغربيّة وبالولايات المتّحدة وبالعالم أسره.. عاجلاً أم آجلاً.

الحقّ.. يبدو أكثر فأكثر: مسألة توهّم، وخيالٍ حالم.. أو قضيّةً تخصّ مسائل كقصص الأطفال ربّما. ببساطة، الحقّ عند أصدقائنا هؤلاء يبدو وكأنّه يُساوي.. القوّة. هكذا يبدو الشّعار الحقيقيّ لإدارة كهذه: معه حقّ، من معه القوّة.. القوّة المادّيّة طبعاً وحصراً. بل ربّما: ما “الحقّ” إلّا مجرّد تعبير.. عن القوّة.

أمّا الحقيقة، فمن ذا يُبالي بهذا الشّعار ضمن فلسفة كهذه؟ ليس هناك من “حقيقة” في باطن الأمور. الحقيقة هي ببساطة.. الخطاب الذي يُريد أن يفرضه الامبراطور الرّومانيّ الجديد على الجميع.

وأمّا العدل، أي العدل بين الأفراد بشكل عامّ، لكن خصوصاً في ما يعني – هنا – العلاقة بين الدّول وقضيّة توزيع الثّروات بين الشّعوب.. “العدل” هذا شعارٌ من شعارات الضّعفاء. إنّ الامبراطور هو من يقرّر كيف تُدار العلاقات الدّوليّة، وضمن أيّ نظام.. وهو الذي يُقرّر كيف يُوزّع النّفوذ وكيف تُوزّع الأصول والنّقود والثّروات.

الشّرعيّة الأخلاقيّة؟ هل تُمازحني يا صاح؟ في مضمون الأمور، لا تؤمن مدرسة كهذه بأولويّة الزّاوية الأخلاقيّة.. بأيّ بشكل من الأشكال.

الشّرعيّة القانونيّة الدّوليّة؟ هل تُمازحني أيضاً؟ هذا شعار هدفه تسلية بعض الواهمين في بلاد الجنوب، ومنهم “رجال دولة” و”تكنوقراط” في لبنان والمشرق العربيّ طبعاً. قانون دوليّ، شرعيّة دوليّة.. هذه، على ما يبدو، من أدوات الشّغل التّرامبيّ الرّومانيّ المُبين.

القِيم الغربيّة الأساسيّة، أي قِيم الغرب نفسه، أو القِيم التي “صَرَعَ” الغربُ النّاسَ بها منذ ثلاثة قرون على الأقلّ؟ أو حتّى القيم الغربيّة المسيحيّة، كاثوليكيّة كانت أم بروتستانتيّة؟ أو الفلاسفة الغربيّون الكبار؟ أو الفلسفة الانسانيّة – أو الانسانويّة – والحقوقيّة؟ ماذا عن الفلسفة الغربيّة للعدالة الاجتماعيّة.. بل مبادئ الفلسفة اللّيبراليّة نفسها؟

كرامة الانسان؟ احترام الاختلاف بين الثّقافات؟

رفض التّطرّف الدّينيّ.. خصوصاً منه الارهابيّ الطّابع؟

رفض الظّلاميّات الدّينيّة؟

رفض تقتيل الشّعوب وابادتها، تحت مبرّرات مختلفة؟

لا يأبه الفرعون الرّومانيّ العظيم غالباً بكلّ هذه الشّعارات. كيف لا، وهو القادر على فعل كلّ شيء.. مادّيّ، وهو القادر على قتل وأسر من يُريد؟ كيف لا وهو.. الجبّارُ العَنيد؟

***

في الأعمّ الأغلب إذن، وعلى ما يبدو، فإنّ أغلب هذا الـStuff لا يهمّ الامبراطور الرّومانيّ العظيم.

يبدو أنّ ما يهمّه… هو نفسه أوّلاً بطبيعة الحال، كغيره من الأباطرة والفراعنة ومدّعي الألوهة عبر التّاريخ؛ ثمّ مصلحة أوليائه الأقربين؛ ثمّ مصلحة دائرته الاجتماعيّة القريبة؛ ثمّ، بالتّأكيد وفي نفس الاتّجاه، مصلحة عدد من أصحاب رؤوس المال الكبار وعدد من الشّركات الكبرى في أميركا خصوصاً.

هذا ما يبدو أنّه يهمّ ملك ملوك الرّوم – أي الرّومان – الجديد في مضمون الأشياء لا في شكلها: الأنا؛ الأنانيّة؛ المصلحة الشّخصيّة؛ المصلحة الجماعيّة الضّيّقة، أي المصلحة المادّيّة.. أي “الإله الحقيقيّ” الوحيد “لحضارة” كهذه.

إنّه “الإله”، صَنمُ الأصنام، وغَاوِي الأنام.. إنّه المالُ المَعبودُ، ربّهمُ الأعلى، بائعُ الفانِياتِ والأَوهَام.

***

يتصرّف ترامب على أنّه حاكمٌ شبه مُطلق للعالم الحاليّ. يُسوّق لصورة رجعيّة واقعاً عن معنى العمل السّياسيّ ومعنى الحُكم.

يُروّج لنظرة مادّيّة ضيّقة عن الحياة وعن النّجاح الشّخصيّ.

يَقتُل عمليّاً أيّ اعتبار لوجود حقيقيّ.. لمبدأ “الحقّ”.

يَنفي عمليّاً أيّ وجود واقعيّ “للحقيقة”.. ويجعل هذه الأخيرة مجرّد خطابٍ يفرضه الأقوى، من خلال قوّته المادّيّة.

يدعم سيّد البيت الأبيض نظرة رأسماليّة، تضع هذه الأخيرة – أي الرّأسماليّة ذاتها – في موضعٍ عمليّ منافٍ لما أراده مؤسّسوها ومؤسّسو الفلسفة اللّيبراليّة نفسها.

في لبنان، نرى اليوم كثيراً من عبيد الأباطرة والبُنطيّ، لا عبيد الله أو المسيح.. يُطبّلون لهذا المنطق ولهذه العقليّة.

في سوريا، مطبّلون كثر أيضاً.. لكن بنكهة اسلاميّة وتطبيعيّة معاً.

في فلسطين وفي العالم العربيّ اجمالاً وفي عدد من الدّول العربية والاسلاميّة، ما عدا أقلّيّة واعية وأخلاقيّة طبعاً: فهذا مطبّلٌ، وهذا مُزمّرٌ، وهذا مادحٌ، وذاك مُرجفٌ، وذاك مُهوّلٌ، وذاك منتشٍ بنصر غيره لا بنصره هو..

النّظام العالميّ ليس بخير. الحضارة الغربيّة ليست بخير. أهمّ فلاسفة الغرب، في قبورهم أو عند ربّهم، ليسوا بخير.

ظاهرة ترامب، اجمالاً؛ وبكلّ موضوعيّة؛ تدلّ على أنّ الولايات المتّحدة، والغرب، ونخب الغرب، والانسانيّة.. ليسوا بخير.

إقرأ على موقع 180  الرأسمالية نموذجاً للدمار.. السماء لا تكترث للفقراء

هذا في الظّاهر: حيث القصّة، بعكس ما يظنّ الامبراطور الرّومانيّ ترامب، ليست جديدة.. فقد مرّ المئات وربّما الآلاف من الملوك المنخدعين مثله بالقوّة المادّيّة.

لا يعرف صاحب منطق مادّيّ كهذا، في الأعمّ الأغلب، ماذا يفعل.. بنفسه أوّلاً وبإمبراطوريّته المدّعاة ثانياً.

أمّا في الباطن: فالقصّة هي نفسها أيضاً، ولم تتغيّر. لا جزع.. عند المؤمن والحكيم والسّالك: فهذا المنطق، منطق القوّة المادّيّة، من باب ما لا يُعوّل عليه.

(واستَفتَحوا، وخابَ كُلُّ جبّارٍ عنيد).

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  2022 بين ديمقراطية أمريكا.. وأنظمة الإستبداد