السلطة هي علاقة بين طرفين يرضى أو يرتضي أحدهما (في هذا الحالة: المجتمع) تفويض القرارات إلى الطرف الآخر (في هذا الحالة: النظام السوري الجديد). لذا، على أية سلطة تقديم مبرر لهذه العلاقة، تثبيتًا لشرعيتها بنظر مجتمعها. تمتع النظام السوري الجديد منذ اللحظة الأولى بشرعية إسقاط بشار الأسد، ومن الملفت للانتباه أن هذه الشرعية صُرِفَت في رصيد الشرع شخصيًا تحت شعار “من يُحرّر يُقرّر” وليس “من يُحرّّرون يُقرّرون”؛ وشرعية الأمر الواقع؛ والشرعية الهوياتية المتمثلة بخطاب “بني أمية”؛ وشرعية الاعتراف الدولي بها؛ وشرعية القوة المسلحة التي تم فرضها عنفيًا في السويداء والساحل. ثم سارعت على تثبيت أشكال مختلفة من الشرعية التي يمكن وصفها بالوظيفية بحيث عملت على الرد على قلق المجتمع السوري من خلال رفع عقوبات “قانون قيصر” وتأمين جزء من التيار الكهربائي ووضع خارطة طريق لتسهيل مشروع إعادة الإعمار.
أما هذا المرسوم الرئاسي فيبدو أنه يهدف إلى تثبيت شرعية من نوع آخر: تأمين حقوق المواطنين السوريين الهوياتية، على أساس المواطنة. ولا شك أن النظام السوري الجديد يسعى من خلال ذلك إلى مخاصمة “الإدارة الذاتية” على أحد أسس شرعيتها وهي نضالها من أجل تأمين حقوق المواطنين الكرد. وكأن النظام يقول في ذلك للكرد: لستم بحاجة لتنظيمات سياسة كردية، فعلى عكس سوريا الأسد، تحفظ لكم الدولة السورية الجديدة هويتكم على أساس المواطنة، وهي كلمة ترد خمس مرات في المرسوم.
قصور المرسوم
لا شك أن مضمون المرسوم إيجابي بحد ذاته. ولا منية من أحد على قراراته، فهي حق أصيل لهؤلاء البشر والمواطنين الذين طال اضطهادهم وقمع هوياتهم على يد البعث وغير البعث. لكن لا بد من الإشارة إلى مواطن ضعف عدة. فالمرسوم “لعام 2026” فقط. وهو مرسوم رئاسي قابل للإلغاء لا تعديل دستوريًا ثابتًا. وهو غير دستوري بحيث أن الإعلان الدستوري السوري منع إصدار المراسيم التشريعية المؤقتة وأكّد عدم جواز تعطيل أو تعديل أو تجاوز القوانين السورية النافذة إلا بقانون يصدر عن مجلس الشعب.
كما أن المرسوم صادر عن رئيس الجمهورية “العربية” السورية، مما يطرح، على الأقل، علامات استفهام حول التساوي بالحقوق الذي يذكره المرسوم—فهل تكون الجمهورية العربية جمهورية مواطنيها الكرد كما هي جمهورية مواطنيها العرب؟ ومضمون المرسوم يتكلم عن اللغة الكردية كلغة وطنية لا كواحدة من اللغات الرسمية. ولا يتطرق إلى حقوق وحاجات السوريين الكرد الاقتصادية فيتجاهل واقعهم المادي. وهذا ليس تفصيلًا في ظل عقود من السياسات الاقتصادية ولا سيما الزراعية التي همّشت المناطق التي يقيمون فيها فساهمت في تفقيرهم وتهجيرهم.
تبقى العبرة في التنفيذ. فالأسد كان هو أيضًا قد أصدر عام 2011 مرسومًا لتجنيس المقيمين الكرد غير المجنسين في الحسكة من دون أن يجد طريقه إلى التنفيذ. وبطبيعة الحاضر، لا يبشر ماضي أحمد الشرع و”هيئة تحرير الشام” بالخير، ولا حاضرهما في معارك حلب ودير حافر والساحل وغيرها. فمع أنه يدعي أنه يستهدف “قسد” لا الكرد، أي أن معركته سياسية لا هوياتية، من الواضح من حصار السويداء وخطف النساء العلويات في الساحل أننا أمام قوى أمر واقع تستهدف المجتمع على أساس هوياتي.
رد الإدارة
بعد صدور المرسوم، علقت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا معتبرةً “أن هذا المرسوم قد يُعد خطوة أولى، لكنه لا يلبّي طموحات وآمال الشعب السوري”، مؤكدةً أن “حقوق الأكراد تحمى بالدستور وليس بمراسيم مؤقتة”. ودعت لـ”صياغة دستور ديموقراطي تعددي، يحمي ويصون ويحافظ على حقوق جميع المكونات والمجتمعات والمعتقدات السورية”.
لكل فرد في المجتمع خصائص عدة، طبقية وجندرية وطائفية وإثنية وجغرافية وغيرها. إن واقع كل فرد مركب ومعقد، ومجموع هؤلاء الأفراد، مع خصائصهم والعلاقات الناشئة بينهم، يكوّن مجتمعًا. لذا، إن تصوير المجموعات الهوياتية على أنها هي “مكوّنات” المجتمع، أو (ما هو أسوأ) أن كل منها “مجتمع” منفصل، يطرح نظرة تسطيحية للفرد والمجتمع، إذ يختزل خصائصنا بالهوية فلا يرانا إلا من هذه الزاوية، على حساب واقعنا ومصالحنا. ويوحي أنه ما من مفر من المنطق الهوياتي وأنه ما من جدوى، بالتالي، من مواجهته. فيأسرنا في زاوية الاختلاف الهوياتي بيننا وبين “الآخر” ويحول دون إدارة مصالحنا وتناقضاتها الحقيقية. وهذا ما يفتت المجتمع، كما نرى في فلسطين وسوريا ولبنان وسائر مجتمعات المنطقة. والمنطق الهوياتي يعود ليفتّت حتى من يبدو أنهم استفادوا منه، كما رأينا حين استقال جنوب السودان من السودان على أساس هوياتي (طائفي) فوقع في حرب أهلية هوياتية (قبلية). ليس من المفاجئ، إذن، أن يكون المنطق الهوياتي المنطق المفضل لقوى الأمر الواقع والقوى الإقليمية والقوى العالمية، وبطبيعة الحال لدولة الاحتلال اليهودية.
سيكشف المستقبل ما إذا كان المرسوم بداية مسار جديد أم خدعة خطابية. على كل حال، عودةً لمنطق الشرعية المذكور أعلاه، لا بد من مخاصمة الشرعيات الهوياتية المزعومة من النظام السوري الجديد والإدارة الذاتية وقوى الأمر الواقع الأخرى. فلكل البشر حقوق، بما في ذلك الحقوق المذكورة في المرسوم الرئاسي، وما يحفظ هذه الحقوق هو الدولة الديموقراطية المدنية، أي الدولة الحيادية من ناحية هويات مواطنيها، لا الدولة الهوياتية. وعلى المعارضة السورية الجدية الاستفادة من هذا المرسوم، برغم قصوره وبغض النظر عن النية خلف إصداره، للدفع نحو الانتقال من الشرعية الهوياتية إلى الشرعية الديموقراطية المدنية.
