في قلب هذا الجدل، برز السؤال الآتي: إلى أي حد تتورط موسكو بدعم بعض أحزاب اليمين الشعبوي في أوروبا، وما الذي يترتب على ذلك حين تكون هذه الأحزاب هي الأكثر تشددًا في خطابها ضد المهاجرين، وصولًا إلى الدعوة لوقف الهجرة كليًا أو ترحيل من وصلوا بالفعل أو حتى نزع الجنسية في بعض الطروحات؟ من الناحية المنطقية، يبدو المشهد بسيطًا، إذا كان طرف خارجي يساند قوة سياسية تتبنى خطابًا متشددًا ضد المهاجرين، فإن هذا الدعم، أيًا كانت دوافعه، يساعد عمليًا في تضخيم خطاب معادٍ للمهاجرين داخل المجال العام الأوروبي.
غير أنّ الصورة، حين تُفحص بتفاصيلها، تظهر أقل حسمًا وأكثر تعقيدًا. فالعلاقة بين موسكو وهذه الأحزاب ليست نمطًا واحدًا يمكن تعميمه على القارة، ولا هي ثابتة عبر الزمن. في بعض الحالات توجد وقائع موثقة نوقشت علنًا، وفي حالات أخرى توجد اتهامات أو تحقيقات صحفية لا تصل دائمًا إلى مستوى الإثبات القضائي أو السياسي القاطع. وبين هذين الطرفين تقع مساحة واسعة من التقارب الرمزي والإعلامي يصعب قياسه لكنه قد يكون الأكثر تأثيرًا على الرأي العام.
تُذكر مثلًا واقعة القرض الذي حصلت عليه “الجبهة الوطنية” في فرنسا عام 2014 من بنك روسي بوصفها مثالًا على تشابك مالي أثار أسئلة حول الاستقلال السياسي، حتى لو دافع الحزب يومها عن الأمر باعتباره حلًا تمويليًا في ظل صعوبات داخلية. وتُذكر كذلك اتفاقية التعاون التي وُقّعت عام 2016 بين حزب الحرية النمساوي وحزب “روسيا الموحدة” بوصفها دليلًا على تقارب سياسي مُعلن ومؤسس. وفي دول أخرى ظهرت تقارير عن ترتيبات تتصل بالتمويل غير المباشر أو المصالح الاقتصادية، لا سيما في مجال الطاقة، لكن كثيرًا من تلك الملفات ظل محل أخذ ورد، ما يجعل الاستنتاجات العامة عنها أكثر حساسية.
ومع ذلك، لا يقتصر النقاش على المال. فحتى حين تكون الروابط المالية محدودة أو غير قابلة للإثبات، يبقى جانب آخر لا يقل أهمية، وهو الدعم الرمزي والإعلامي. فاستقبال وفود حزبية في موسكو، أو صور اللقاءات الرسمية، أو لغة الإطراء المتبادلة، كلها عناصر تمنح شرعية وتفتح أبوابًا، حتى إنْ لم تتحول إلى قرارات ملموسة. إلى جانب ذلك، كانت منصات إعلامية روسية موجهة للخارج، مثل RT وSputnik قبل تقييدهما في الاتحاد الأوروبي، تُتهم مرارًا بتضخيم مواد تتصل بالهجرة والجريمة والهوية بطريقة تُغذي الاستقطاب، سواء عبر اختيار القصص الأكثر إثارة للقلق أو عبر تكرار سرديات تصف الهجرة بوصفها تهديدًا حضاريًا لا ملفًا سياسيًا أو اجتماعيًا يُمكن إدارته.
هنا يبرز الاعتراض الذي يطرحه كثيرون داخل أوروبا، اليمين الشعبوي لم يحتج موسكو كي يتشدد ضد المهاجرين، لأن دوافعه داخلية بالأساس. هذا صحيح إلى حد بعيد. فموجة 2015 وما تلاها أعادت رسم الخريطة السياسية الأوروبية حتى في دول لم يكن لروسيا فيها حضور يُذكر في النقاش العام، كما أن قلق جزء من الناخبين من ضغط الهجرة على الخدمات العامة أو على سوق العمل أو على الأمن هو قلق موجود بغض النظر عن أي “تدخل خارجي”. لذلك، فإن نسبة التشدّد كله إلى موسكو تبسيط غير دقيق وقد يتحول بسهولة إلى تفسير مريح يُعفي أحزاب أوروبا من مسؤولية السياسات الداخلية.
لكن الاعتراض لا يلغي النقطة المنطقية الأساسية، حتى لو كانت بذور الخطاب موجودة محليًا، فإن الدعم الخارجي – إن وُجد – قد يعمل كمُسرِّع ومُكبِّر للصوت. فالسياسة ليست مجرد نوايا، بل هي أيضًا موارد ومساحات انتشار وقدرة على فرض أجندة النقاش. عندما يحصل حزب على تمويل أو تغطية إعلامية تفضيلية أو شرعية رمزية، فإن قدرته على تحويل ملف الهجرة إلى محور يومي تتضاعف، كما أنّ الأحزاب المنافسة قد تُضطر إلى مجاراته خوفًا من خسارة الناخبين، فتنتقل اللغة المتشددة تدريجيًا من الهامش إلى الوسط.
يتوقف تقييم مدى الارتباط بين موسكو واليمين الشعبوي الأوروبي على قدرة كل مجتمع أوروبي على الإجابة عن أسئلة إجرائية: ما حدود شفافية التمويل السياسي؟ كيف تُراقب العلاقات العابرة للحدود دون خنق التعددية؟ وكيف يمكن إدارة الهجرة بسياسات واقعية تقلل مساحة الاستغلال السياسي؟ فكلما ظل ملف الهجرة بلا حلول عملية – مسارات قانونية، إجراءات لجوء أسرع، توزيع مسؤوليات أكثر عدلًا، وبرامج اندماج قابلة للقياس – بقيت القارة أكثر عرضة لأنّ يتحول هذا الملف إلى منصة لاستقطاب انتخابي أو ورقة في صراع نفوذ لا يملك المهاجرون فيه إلا دور “الخسارة” الدائمة
وبذلك يصبح تأثير موسكو – حين يكون حاضرًا – تأثيرًا غير مباشر على خطاب الهجرة، لا بمعنى أنها تضع جمل الخطب أو تكتب البرامج الانتخابية، بل بمعنى أنها قد تستفيد من القوى التي ترفع هذا الخطاب وتساعدها على الاتساع، لأنّ النتيجة السياسية تخدم هدفًا أوسع يتمثل في إضعاف التماسك الأوروبي. فالهجرة بطبيعتها ملف يُقسّم الداخل، كما أنّها تُشعل خلافات بين دول الاتحاد حول تقاسم المسؤوليات، دول حدود ترى نفسها تُترك وحدها، ودول داخلية تخشى التبعات السياسية، ودول شرقية ترفض حصص إعادة التوطين، ودول غربية تدافع عن معايير حقوقية. وكلما تعمق الانقسام، صار الوصول إلى موقف أوروبي موحّد أصعب، سواء في الهجرة أو في ملفات أخرى ترتبط بروسيا نفسها.
ومع انتقال هذا الاستقطاب من الإعلام إلى التشريع، تظهر آثاره على الأرض. فحين يتقدم خطاب “الردع” بوصفه الحل، تتوسع سياسات المنع والتقييد وتزداد المخاطر في طرق الهجرة، لأنّ تراجع المسارات القانونية والآمنة يدفع كثيرين إلى بدائل غير نظامية. ومع تشديد الرقابة، ترتفع كلفة الرحلة ويزداد اعتماد بعض المهاجرين على المهربين، وتتضاعف احتمالات الاستغلال والغرق. وحتى من يصلون إلى أوروبا يواجهون أنظمة استقبال أكثر ضغطًا وإجراءات أطول ومناخًا اجتماعيًا أشد توترًا، وهو ما يُعقّد الاندماج ويُحوّل النقاش العام من “كيف ندير الهجرة؟” إلى “كيف نمنعها؟”.
ثم جاءت حرب أوكرانيا لتغير شروط اللعبة جزئيًا. فمن جهة، جعلت التقارب مع موسكو أكثر كلفة سياسيًا، وأدت إلى قيود على منصات إعلامية روسية داخل الاتحاد الأوروبي، كما دفعت بعض الأحزاب والشخصيات إلى مراجعة نبرتها أو الابتعاد العلني. ومن جهة أخرى، كشفت الحرب أنّ اليمين الشعبوي الأوروبي ليس كتلة واحدة، فمواقف الأحزاب تباينت بين تشدد ضد روسيا، أو براغماتية حذرة، أو نقد للعقوبات بدافع اقتصادي داخلي. هذا التباين يُقلّل من دقة أيّ سردية تقول إنّ “اليمين الأوروبي” برمته أداة روسية، لكنه لا ينفي أنّ بعض الروابط التي نشأت قبل 2022 ما زالت تؤثر في الشكوك العامة وفي نقاشات الشفافية والتمويل.
على هذا الأساس، يمكن القول إنّ الإشكالية ليست في إثبات أنّ موسكو “تكره المهاجرين” أو أنّها تسعى حصريًا لإخراجهم من أوروبا؛ فالدافع الأرجح، كما يقرأه كثير من المراقبين، هو توسيع الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي وإضعاف قدرته على اتخاذ قرارات موحدة. لكن لأنّ الهجرة تُعدّ أكثر الملفات قدرة على شحن العاطفة العامة وتفجير الخلافات، فإنّ دعم القوى التي تجعل من الهجرة معركة هوية – حتى لو كان الدعم محدودًا أو انتقائيًا – يؤدي عمليًا إلى مساهمة في تصعيد خطاب ينعكس مباشرة على حياة المهاجرين. ومن هنا تأتي حساسية المسألة، قد لا تكون النية “استهداف المهاجر”، لكن النتيجة قد تصب في هذا الاتجاه.
في النهاية، يتوقف تقييم مدى الارتباط بين موسكو واليمين الشعبوي الأوروبي على قدرة كل مجتمع أوروبي على الإجابة عن أسئلة إجرائية تبدو تقنية لكنها حاسمة: ما حدود شفافية التمويل السياسي؟ كيف تُراقب العلاقات العابرة للحدود دون خنق التعددية؟ وكيف يمكن إدارة الهجرة بسياسات واقعية تقلل مساحة الاستغلال السياسي، داخليًا وخارجيًا، في آن واحد؟ فكلما ظل ملف الهجرة بلا حلول عملية – مسارات قانونية، إجراءات لجوء أسرع، توزيع مسؤوليات أكثر عدلًا، وبرامج اندماج قابلة للقياس – بقيت القارة أكثر عرضة لأنّ يتحول هذا الملف إلى منصة لاستقطاب انتخابي أو ورقة في صراع نفوذ لا يملك المهاجرون فيه إلا دور “الخسارة” الدائمة.
