من غزّة إلى دمشق مرورًا ببيروت: أميركا ترامب ومسرح الهيمنة الجديدة

أصبح واضحًا أنّ الإدارة الأميركيّة هي التي تدير فعليًّا منطقة الشرق الأوسط ومآلاتها، ذلك بالتنسيق مع القيادة الإسرائيليّة وحدها، وليس أيّ حليفٍ آخر، مهما كان تاريخه معها. لكن ما يلفت الانتباه أنّها تبدو لكثيرين "عقلانيّة" في المنطقة، على خلاف ما حدث في فنزويلا وما يدور حول غرينلاند.

لقد توقّفت الإبادة الجماعيّة في غزّة، ولكن الحصار والقتل لم يتوقّفا. وها هو الرئيس الأميركي دونالد ترامب يُسمّي مجلس إدارة سيتولّى مهمّة إدارة القطاع والأعمال اليوميّة “للجنة الوطنيّة” الانتقاليّة الفلسطينيّة. يضمّ مجلس الإدارة هذا مساعديه المباشرين ووزير خارجيّته ماركو روبيو، بالإضافة إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، المتّهم بجرائم حرب منذ حرب العراق (2003)، والملياردير مارك روان المنخرط طويلًا وعميقًا في دعم المؤسّسات الإسرائيليّة. هذا مع تسمية “مستشارَين” للمجلس يشرفان على أعمال الفلسطينيّين، هما الحاخام أرييل ليفينغستون، أحد مهندسي “الاتفاقيّات الإبراهيميّة”، وجوشوا غرونباوم، المنخرط أيضًا في دعم إسرائيل. ومهمّتهما بالتحديد هي “ترجمة تفويض المجلس وأولويّاته الدبلوماسيّة إلى تنفيذٍ منضبط”، حسب بيان البيت الأبيض. وعُيِّن البلغاري نيكولاي ملادينوف مفوّضًا ساميًا على غزّة، والجنرال الأميركي جاسبير جيفيرز قائدًا لقوّة الاستقرار الدوليّة.

وبين مجلس الإدارة هذا واللجنة الوطنيّة، تمّت، للترضية والتواصل مع المحيط، تسمية “مجلس لغزّة” يضمّ تركيًّا وإسرائيليًّا ومصريًّا وقطريًّا وسيّدةً إماراتيّة، ومدير البنك الدولي، وهولنديّة موظّفة أمميّة سابقة هي زوجة مسؤول فلسطينيّ سابق. واضحٌ أنّ الترضية الأكبر هي للجانب الإسرائيليّ، برغم المعرفة بأنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يلتزم أصلًا حتّى بالتوافقات التي يصنعها دونالد ترامب. هذا عدا توظيفه الظرف لضمّ الضفّة الغربيّة بشكلٍ كامل.

هذه الطريقة جاسبير جيفيرزلإدارة مصير غزّة الحسّاس عالميًّا لها دلالاتها. فهي تمزج رجال الأعمال برجال الأمن. تُرضي تركيا صوريًّا عبر تمثيل وزير خارجيّتها هاكان فيدان، في حين يرفض نتنياهو هذه المشاركة بعد أن رفض مشاركة قوّات تركيا في قوّة الاستقرار الدوليّة. كما تُرضي شكليًّا دولًا عربيّة والأمم المتّحدة. ولا كلمة للفلسطينيّين سوى.. التنفيذ.

هكذا تدير أميركا ترامب إنهاء القضيّة الفلسطينيّة، وكذلك تدير التنافس القائم بين القوى المتوسّطة في المنطقة. تنافسٌ على تقاسم النفوذ على الدول الهشّة من اليمن والصومال والسودان إلى ليبيا ولبنان وسوريا… تسكت أميركا ترامب على دفع دولٍ معيّنة إلى الهشاشة، بل تعزّز دفعها نحوها. وتغذّي صراع النفوذ بين القوى الإقليميّة المتصارعة على تلك الهشاشة، لتأتي في النهاية كي تفرض نفسها “حَكَمًا” يفرض إنهاء الصراعات مقابل مصالح اقتصاديّة للولايات المتّحدة وتدخّلٍ أمنيّ مباشر منها.

بالتالي، يختلف المشهد اليوم كثيرًا عن أيّام صراعٍ دام طويلًا بين الولايات المتّحدة والاتحاد السوفياتي السابق في زمن الحرب الباردة التي تلت الحرب العالمية الثانية. اليوم؛ هناك قطبٌ مهيمنٌ وحيدٌ، متخوّفٌ من صعود قطبٍ منافس، وهو الصين، وأقطاب أخرى كالاتحاد الأوروبي. يذهب هذا القطب المهيمن من دون أيّة قواعد أو ضوابط لتقويض هذا الصعود المقابل له، وللتلاعب بالقوى المتوسّطة لإخضاعها جميعها عبر تغذية صراعاتها البينيّة كما صراعها على النفوذ. هذا كي يأخذ هيمنته إلى فضاءات أوسع، دون ترك المجال حقًّا لقوى متوسّطة أو لبلدانٍ ذات سيادة تحاول أن تقيم الموازنة بين الأقطاب، وذلك بمعزل عن طبيعة الحكم في أيٍّ من الدول المعنيّة.

أحد أمثلة هذا المشهد إقليميًّا هو لبنان، الذي كان المتنافسان الرئيسيان عليه هما إسرائيل وإيران. لقد قوّضت إسرائيل النفوذ الإيرانيّ عبر حربها الأخيرة. وهي تريد الذهاب إلى أبعد من ذلك في إنهاء إيران كقوّة متوسّطة فاعلة في المنطقة، وحتّى عبر تحويلها إلى دولة هشّة وتقسيمها. لن تسمح أميركا ترامب لإسرائيل بالذهاب وحدها إلى هذا الهدف. هي التي ستحكم المسار والزعزعة والحرب القادمة، بحيث لا تزيد قوة لا تركيا ولا دول الخليج ولا باكستان ولا غيرها. وتذهب أميركا ترامب إلى إدارة لبنان بنفسها، أيضًا كي لا تستفيد قوى أخرى لملء الفراغ الإيرانيّ. وكما بالنسبة للفلسطينيّين، تأتي العاقبة في هذا على اللبنانيّين الذين يعيشون أزمة تلو الأخرى، وصراعات داخليّة تعكس الصراعات الخارجيّة.

والمثال الآخر هو سوريا، حيث أضحت “سوريا الجديدة” مجالًا لصراع نفوذ بين إسرائيل وتركيا، وبدرجةٍ أقلّ دول الخليج. لقد احتلّت إسرائيل نتنياهو سريعًا آلاف الكيلومترات المربعة من الأراضيَ السوريّة في جبل الشيخ والجنوب، ودمّرت ما بقي من ترسانة سوريا العسكريّة. وشرعت تلعب أمنيًّا في قلب المجتمع السوري… كي تنتهي المطالبة بعودة الجولان إلى بلده الأم. من ناحيتها، استمرّت تركيا في الهيمنة على فصائل كانت تدعمها وتموّلها، والتي أصبحت اسميًّا جزءًا من الجيش السوري الجديد، في حين أطلقت المجال لصادراتها واستثماراتها في سوريا. وبقيت الولايات المتّحدة متواجدة عسكريًّا بشكلٍ مباشر في الشمال الشرقي لدعم “قوّات سوريا الديموقراطيّة” (قسد)، وفي قاعدة التنف دعمًا لجيشٍ عشائريّ شكّلته.

التطوّرات التي تتالت عزّزت واقع أنّ إسرائيل هي الرابح الأكبر على حساب تركيا. وجرت عدّة اجتماعات سوريّة–إسرائيليّة برعاية أميركيّة، آلت إلى وضع دمشق وكلّ جنوبها تحت الهيمنة الأمنيّة الإسرائيليّة؛ وبخاصّةً أنّ تحرّكًا عسكريًّا للسيطرة الرسمية على محافظة السويداء أدّى إلى انتهاكات إنسانيّة جسيمة خلقت قطيعةً عميقة بين أهالي المنطقة والسلطات في دمشق، وهذا الواقع استفاد منه نتنياهو، وللسخريّة، بوصفه “حامي الأقليّات”.

إقرأ على موقع 180  الخليج، مصر، تركيا.. أبرز الخاسرين من شرق أوسط نتنياهو!

هنا بدت تركيا خاسرة، ومسؤولوها كانوا متواجدين حول كلّ اللقاءات السوريّة–الإسرائيليّة–الأميركيّة. هنا انفجرت معركة حيّي الأشرفيّة والشيخ مقصود، اللذين كانا أصلًا محاصرين، والكرد الذين يقطنونهما أغلبهم مهجّرون من عفرين التي طردتهم الميليشيات منها. ثمّ انتقل الصراع إلى مناطق غرب الفرات، وأقنعت الولايات المتّحدة “قسد”، حليفتها طويلًا ضدّ تنظيم “الدولة الإسلاميّة”، بالانسحاب إلى شرق الفرات.. قبل أن تعلن الرئاسة السورية رسميًا عن التوصل إلى اتفاق مع “قسد” يقضي بوقف اطلاق النار و”الاندماج الكامل”.. وبالتالي يجب ترقب ما سيظهر من خطوات وتطورات كتلك التي شهدتها الساعات الأخيرة بشكل مفاجىء..

ويبقى التساؤل عن مصلحة تركيا في هذا التصعيد الذي كانت تلوّح به منذ فترة، ويبدو أنّها شاركت فيه، إذ أنّه خلق غضبًا لدى الكثير من الكرد، وتضامنًا واسعًا مع “قسد” أبعد من سوريا، بل في تركيا ذاتها، ما يُعقّد أكثر مهمة إعادة توحيد سوريا، انطلاقًا من اتّفاق 10 آذار/مارس 2025، ويُعقّد أيضًا المصالحة بين الأتراك والكرد في تركيا نفسها.

إنّ أميركا ترامب تدير بالتفصيل هذه التطوّرات الداخليّة السوريّة، التي تعرفها جيّدًا، وكذلك بالنسبة للدول ذات النفوذ. لكن التساؤل هو: إلى أين، فيما يخصّ مستقبل سوريا والطموح حول وحدة شعبها وأراضيها وسيادتها؟ وإلى أين تريد أن تأخذ تركيا ذاتها؟

الولايات المتّحدة قوّة مهيمنة، وأيّ تحوّلٍ في سوريا يحتاج إلى دعمها، كما جرى عندما تمّ رفع عقوبات “قانون قيصر” التي أثقلت كاهل شعبها طويلًا، وبخاصّةً أنّ المعونات الأمميّة تتضاءل، لأنّها بذاتها أوقفت تمويل المنظّمات الدوليّة، كما قلّصها الأوروبيّون بسبب مشاكلهم الحاليّة. ويبقى دومًا التساؤل عن الثمن الذي يجب أن يدفعه السوريّون، بمعزل عن اصطفافاتهم أثناء سنوات الصراع الطويلة، وبعد أن عانوا ما عانوه وكابدوا ما كابدوه. كما هو التساؤل عن الثمن الذي دفعه الفلسطينيّون واللبنانيّون، وآخرون غيرهم في المنطقة، ويجب أن يستمرّوا في دفعه مستقبلًا.

كلّ هذا في حين تغوص شعوب الدول الهشّة في المنطقة، المتعدّدة الهويّات المحليّة، في سرديّات وأفعال تدمّر وحدتها وتزيد من شرذمة شعوبها. وحيث يصدح كلّ صاحب هويّة عاليًا بسرديّته كلّما بدا أنّ اللعبة الإقليميّة والأميركيّة تعمل لمصلحته، من دون أن يعي حقًّا أنّه يُقوّض الأرض تحت أقدامه، لمصلحة لاعبين، بل لاعبٍ أكبر، هو أصلًا من يُحرّك البيادق.

Print Friendly, PDF & Email
سمير العيطة

رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية؛ رئيس منتدى الاقتصاديين العرب

Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  صياغة جديدة لسوريا.. هذه رؤية ترامب للشرق الأوسط