الأزمة نتجت عن مبادرة واشنطن، والتي قامت على مجموعة من المقترحات والأفكار، لتسوية الصراع المفتوح بين أوكرانيا وروسيا الاتحادية منذ أربع سنوات. مبادرةٌ اعتبر الحلفاء أو الشركاء الغربيون لواشنطن في البيت الأطلسي أنها تشكّل خروجًا عن منطق التوافق والتضامن المطلوبين في مواجهة التدخل الروسي في مجال استراتيجي حيوي للحلف الأطلسي في «القارة القديمة»، ولو أنها حتى الآن لم تؤدِّ إلى فتح باب التسوية بشكل جدي وفاعل.
أزمة غرينلاند جاءت لتهدّد تماسك التحالف الغربي، إذ انفجرت في قلب البيت الواحد. ترامب يريد أن يسترجع ما اعتبره تخلّيًا أميركيًا قديمًا عن غرينلاند، نظرًا لأهميتها الاستراتيجية على الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية. وللتذكير، فقد حاولت واشنطن ولم تنجح في شراء غرينلاند من الدنمارك عام 1946، وتم التوصل إلى اتفاق دفاعي في العام 1951 يسمح لواشنطن بإقامة قواعد عسكرية و«حرية الحركة» عسكريًا في الجزيرة.
الأزمة حول غرينلاند في البيت الأطلسي الغربي مثال آخر على السياسة الأحادية الحادّة التي يتبعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غير عابئ بالقوانين والقواعد والاتفاقيات والأعراف الدولية.
عملية خطف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو واقتلاعه من السلطة عشية هذه الأزمة تشكّل أيضًا مثالًا فاقعًا على «العقيدة السياسية الدولية» لترامب. يراهن ترامب على اليمين المتشدّد في أوروبا لإضعاف التوافق الأوروبي بشأن أوكرانيا، وقد يحاول توظيفه لاحقًا في مسار تطوّر الأزمة التي افتعلها مع الدنمارك ومع الاتحاد الأوروبي، ولو اختلفت طبيعة الأزمة.
يحصل ذلك في وقت تعيش فيه أوروبا ظروفًا شديدة الصعوبة بسبب الأوضاع الاقتصادية المأزومة، ولو بدرجات مختلفة بين دولة وأخرى، وبسبب شلل وتعثر عملية البناء الأوروبي على كل المستويات، من المؤسسي إلى الأمني–العسكري، إلى السياسي–التعاوني والاقتصادي–التكاملي.
نشهد مواجهة سياسية متصاعدة بين الولايات المتحدة واتحاد أوروبي يحاول أن يستجمع ما بقي له من قوة لدعم موقف الدنمارك، ولو بدرجات مختلفة بين أعضائه، في قضية تتخطّى مصلحة هذا الطرف الأخير لتطال مستقبل القارة الأوروبية، وتحديدًا الاتحاد الأوروبي كقطب دولي فاعل ومؤثّر على الصعيد الدولي وعلى صعيد العلاقات التحالفية الأوروبية–الأميركية.
التهديدات التي وجّهتها واشنطن نحو العواصم الأوروبية بحرب اقتصادية متصاعدة ومفتوحة، عبر البدء بفرض رسوم جمركية على البضائع الأوروبية (10 بالمئة من الأول من شباط/فبراير) القادمة من دول أرسلت أو قد ترسل قوة عسكرية، ولو رمزية، لدعم الدنمارك، مع زيادة هذه الرسوم مع الوقت (20 بالمئة من الأول من حزيران/يونيو)، هي بمثابة إعلان حرب اقتصادية في «البيت الغربي الأطلسي» بين أطراف يُفترض أن تحكم علاقاتهم تحالفات استراتيجية تحتمل التمايزات، لكنها تبقى تحت سقف المشترك الاستراتيجي.
لكن السياسة الأميركية الراهنة، من أوكرانيا إلى غرينلاند، جاءت لتطيح بهذه المسلّمات الاستراتيجية التي نظّمت وحكمت العلاقات في إطار التحالف الغربي، برغم أنه لا بدّ من الاعتراف بأن انتهاء «الشرق الاستراتيجي» الذي كانت تمثّله موسكو وحلفاؤها مع نهاية الحرب الباردة قد أضعف الحلف الغربي «المنتصر» مع اختفاء أو سقوط العدو الاستراتيجي المشترك. فالحافز الأساسي للتحالف لم يعد موجودًا.
غير أن الاختلاف في «العقائد الاستراتيجية» داخل الغرب مع مرور الوقت، وكذلك مسألة تقاسم الأعباء، كما يظهر في العقيدة الاستراتيجية للأمن القومي الأميركي التي صدرت في واشنطن مؤخرًا، يدلّ على أن التحديات والصدامات والاختلافات في الأولويات ستطبع العلاقات فيما بقي، بالفعل لا بالاسم والعنوان فقط، من «حلف غربي».
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
