يخدع الكتاب قارئه أولاً بهيئته المتواضعة، مقاطع قصيرة، تشبه الخواطر أو الملاحظات العابرة. لكن ما إنْ يتقدّم القارئ في الصفحات حتى تتبدّى بنية أخرى أكثر تركيباً؛ مشروع كتابة يتأمل في مصير الكلمة في زمن التلاشي الرقمي، بوصفه زمناً بلا نهاية واضحة ولا بداية يمكن الإمساك بها بسهولة. شيئاً فشيئاً، يتحوّل هذا التبعثر الظاهر إلى خيط خفيّ يشدّ النصوص إلى بعضها، ويمنحها مناخاً واحداً، مناخ العيش في زمن معلَّق.
عطالله السليم لا يأتي إلى هذا الكتاب من تقاليد الأدب الخالص. القارئ الذي عرفه باحثاً وصحافياً، خصوصاً عبر منصّات تحليلية مثل «180 بوست»، يعرف نصوصاً اشتغلت على هشاشة البنى السياسية في المشرق، وعلى علاقة السلطة بالأكثريات والأقليات. هذه الخلفية البحثية لا تغادره هنا؛ إنها تعمل كطبقة تحتية غير مرئية. لكنه الذي اعتاد أنْ يقدّم نفسه محلّلاً، يختار في هذا الكتاب أنْ يتحرّك نحو موقع الشاهد، لا على الحدث السياسي المباشر، بل على خبرته الشخصية في العيش داخل زمن لا يكتمل.
تختفي اللغة الإحصائية لمقالات التحليل، لتحلّ مكانها لغة وجدانية مضبوطة. الفجوة بينهما لا تُمحى تماماً، لكنها تُجسَر عبر نصوص قصيرة تحاول الإمساك بما يفلت عادة من التقارير والدراسات، شعور الانتظار المزمن، الإحساس الدائم بعدم الاكتمال، والحياة كمرحلة انتقالية لا تؤول إلى استقرار. ومع ذلك، لا يتحوّل الكاتب إلى صاحب اعترافات عاطفية منفلتة؛ الانضباط الفكري نفسه يظلّ حاضراً، لكنّه يوجَّه هذه المرة نحو الداخل، في خلاصات مكثّفة لعقل تعلّم سنوات طويلة أن يفكك الواقع قبل أن يقترب من ذاته.
عنوان الكتاب نفسه يدخل إلى هذه المعادلة من باب أوسع من كونه جملة شاعرية. «ليست النهايات من اختصاصي» يكتسب ثقله الإضافي من كونه صادراً عن كاتب فلسطيني، في زمن فلسطيني لم يعرف خواتيم مغلقة، لا عودة اكتملت، ولا منفى استقر، ولا حكاية أُقفلت على نحو مريح. من هذا الباب، يتحوّل العنوان إلى بيان وجودي وسياسي في آن واحد. رفض السليم وضع نقطة أخيرة في نصوصه يبدو انعكاساً مباشراً لواقع تُمنَع فيه الحكاية الفلسطينية من بلوغ خاتمتها؛ كل محاولة لإنهائها تُستبدَل بتعليق جديد، أو فاجعة جديدة، أو «عملية سلام» جديدة. لذلك لا يبتعد الأدب هنا عن هذا الأفق، حتى حين يتجنّب تسمية الأشياء بأسمائها المباشرة.
ومع أن فلسطين تحضر في خلفية هذا العالم كلّه، فإنّ السياسي لا يظهر في هيئة شعارات أو بيانات أو لغة احتجاج صريحة. لا نجد مرافعات، ولا استعارات كبيرة عن الأرض والدم والشهادة. بدلاً من ذلك، تتسرّب «سياسة اليومي» إلى النص، مدينة تسكن الذاكرة ولا يمكن الوصول إليها، حياة مؤجَّلة تنتظر موعداً لن يأتي، خوف من أنْ يتحوّل الغياب إلى حالة دائمة. هكذا تنتقل القضية الفلسطينية من ملفّ عام يُدار بالأرقام والقرارات الدولية إلى تجربة إنسانية ملموسة تُكتَب من الداخل، تجربة يمكن لقارئ غير مسيّس أنْ يقترب منها، ويمكن لمن اعتاد النظر إلى فلسطين كـ«قضية» أنْ يكتشفها كحياة معيشة.
يختار السليم لهذا كلّه لغة يمكن وصفها بأنّها «نحيفة» و«متقشّفة». الجمل قصيرة، حادّة أحياناً، كأنّها مصمَّمة لتُقال مرة واحدة ثم تختفي. لا شروح مطوَّلة للعاطفة، ولا محاولة لإقناع القارئ بما «يجب» أنْ يشعر به. النص يلقي بالتجربة أمامه، ثم يبتعد خطوة إلى الوراء، تاركاً له حرية أنْ يقترب منها أو يدير ظهره لها. هذه النحافة لا تعني فقراً في المعنى؛ على العكس، يستعير الكاتب شيئاً من روح الهايكو والحكمة الشعبية اليابانيتين، حيث يمكن لجملة واحدة أنْ تحمل طبقات متعددة من الدلالة. لغته «بيضاء» بالمعنى الحرفي، واضحة وشفافة، لكنها ليست محايدة ولا مسطّحة، وكأنّ الكلمات لا تُستخدم للزينة، بل لإزالة الزوائد عن التجربة حتى لا يبقى إلا جوهرها العاري.
وبينما لا تنتمي النصوص إلى الشعر شكلاً، فإنها لا تخلو من موسيقى داخلية، تنبع من تقطيع الجمل وتكرار بعض المفردات. قراءة هذه المقاطع تشبه نوعاً من التأمل المتقطّع، لا متابعة حكاية تسير في خط مستقيم. في أفضل لحظاتها، تنجح هذه التقنية في مراكمة أثر عاطفي عميق بجمل قليلة. وفي لحظات أخرى، قد يبدو التقشّف قاسياً أكثر من اللازم، يترك القارئ متمنياً لو أنّ الكاتب سمح لنفسه بمزيد من التفصيل أو السرد.
خلف هذه الخيارات الأسلوبية، يطلّ سؤال آخر يتعلّق بزمن الكتابة نفسه. كثير من هذه النصوص وُلد أصلاً على «فيسبوك»، قبل أنْ يُجمَع في كتاب ورقي صدر عام 2025. في زمن تَعِد فيه الخوارزميات بحفظ كل شيء، يذكّرنا السليم بأنّ ما لا يستمر في الدوران يُدفن في اليوم التالي تحت سيل لا يتوقف من المحتوى الجديد. من هنا يبدو الانتقال من الشاشة إلى الورق موقفاً ثقافياً أكثر منه تغييراً في الوسيط؛ نوعاً من مقاومة النسيان السريع، ومحاولة لنقل التجربة من زمن سائل إلى زمن أكثر صلابة.
لا يكتفي الكاتب بأرشفة ما نُشر رقمياً، بل يعيد ترتيب الذاكرة على نحو يسمح بقراءة مختلفة، قراءة لا تخضع لمنطق «التغذية» اليومية، بل لمنطق الكتاب الذي يمكن العودة إليه، مقاطعته، واستعادته في أي وقت. مع ذلك، لا يخلو هذا الانتقال من هشاشته؛ بعض المقاطع تحتفظ بقوتها خارج سياقها الرقمي، وبعضها يبدو أقل كثافة حين يُقرأ متتالياً بين دفّتين. لكن وعي الكاتب بطبيعة اللحظة الرقمية، وبحاجة النص إلى وسيط يضمن له فرصة أطول في الوجود، يضفي على المشروع بعداً نقدياً إضافياً.
على مستوى البنية، يرفض السليم الفصول المعنونة والتقسيمات الواضحة. المقاطع تتجاور بلا عناوين، كما لو أنّ القارئ يتجوّل بحرية في مساحة شعورية واحدة. لا انتقال من «فصل عن الغياب» إلى «فصل عن الهوية»، بل غياب وهوية يتكرّران ويتقاطعان ويتحوّلان من مشهد إلى آخر. الغياب هو المناخ المهيمن، غياب أشخاص، غياب أماكن لا يمكن العودة إليها، وغياب اليقين نفسه. إلى جواره تحضر الهوية كسؤال مفتوح، ليست بطاقة شخصية ولا تعريفاً قومياً صلباً، بل سلسلة من المحاولات للعثور على لغة تناسب الذات. الانتماء لا يظهر هنا كمعطًى جاهز، بل كمسار من التجاذب بين أمكنة وحالات.
هذا الانفتاح البنائي يمنح الكتاب حريته، لكنه يضع القارئ أمام تحدٍّ أيضاً. من ينتظر سردية تتراكم نحو ذروة أو خاتمة سيجد نفسه في أرض مختلفة، أرض التكرار المقصود، والعودة إلى الثيمات ذاتها من زوايا متباينة. يمكن لهذا التكرار أن يُقرأ كتعميم وتعميق، ويمكن أنْ يُرى كدوران في المكان؛ الأمر يتوقف على مزاج القارئ وطريقة قراءته.
في خلفية هذا كلّه، يقف فرد واحد في مواجهة السرديات الكبرى. بينما تنشغل نشرات الأخبار بحركة الجيوش والمؤشرات المالية والصفقات الدولية، ينشغل السليم بحركة الداخل الإنساني، كيف يتعامل شخص واحد مع فقدان مفاجئ، أو مع ذاكرة لا تجد مكاناً ثابتاً، أو مع شعور دائم بأنّ حياته مؤجَّلة إلى إشعار آخر. بهذه الزاوية الضيقة ظاهرياً، يمدّ الكاتب جسراً بين جيلين: جيل ورقي يبحث عن العمق والتراكم، وجيل شاشة يبحث عن التكثيف والسرعة. محاولاً إيجاد صيغة وسطى، نصوص قصيرة لا تستسلم لسطحية ما هو رائج، وعمق لا يطلب من القارئ التفرّغ لملحمة من مئات الصفحات.
في النهاية، لا يقدّم «ليست النهايات من اختصاصي» نفسه ككتاب صاخب أو استعراضي. قوته في مكان آخر، في رفضه تقديم عزاء سهل أو نهايات مطمئنة، وفي إصراره على البقاء في المنطقة الرمادية، حيث الأسئلة أكثر حضوراً من الأجوبة. قد يتمنّى بعض القرّاء لو أنّ الكاتب خاطر بالخروج قليلاً من حياد لغته البيضاء نحو اعترافات أكثر مباشرة، أو لو أنّه ضيّق هامش التكرار في بعض المواضع. لكن هذه التحفّظات لا تُضعف حقيقة أنّ الكتاب يضيف صوتاً مختلفاً إلى مكتبة عربية تحتاج إلى هذا النوع من الأصوات الهادئة، المتقشّفة، والعنيدة في آن.
بهذه اللغة الرشيقة، يذكّر عطالله السليم بأنّ الأدب لا يحتاج إلى الإسهاب كي يقول ما هو جوهري؛ أحياناً تكفي الشجاعة في التوقّف قبل الخاتمة وترك القارئ يتدبّر أمره مع غيابها. في عالم يطالبنا كل يوم بأنْ نغلق القصص بسرعة وننتقل إلى «المحتوى التالي»، يصرّ هذا الكتاب على حقّه في أنْ يظل مفتوحاً، وأنْ يترك النهاية – كل النهايات – خارج اختصاصه المتعمّد.
(*) كتاب «ليست النهايات من اختصاصي» لعطالله السليم، صادر عن دار نلسن، بيروت، 2025.
