اتفاقيات كوروش.. مشروع جديد لإعادة تشكيل الشرق الأوسط

في مقابلة مع القناة 14 الإسرائيلية بتاريخ 17 حزيران/يونيو 2025، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: "الملك كوروش حرّرنا نحن اليهود، وربما نحن الآن سنُحرر الفُرس".

لا تتأتى إشارة نتنياهو إلى الملك الفارسي كوروش من فراغ. ووفقًا للأسانيد التاريخية، أصدر كوروش الكبير وثيقة (أسطوانة طينية) نصّت على إنهاء السبي البابلي بحق اليهود أواخر القرن السادس قبل الميلاد، والسماح لهم بالعودة إلى القدس، وبذَل الأموال لبناء هيكلهم، وهو لذلك يحظى بمكانة كبيرة في التاريخ اليهودي باعتباره تمثلًا للعلاقة التاريخية الوثيقة بين الفُرس واليهود، تظهر خلال إحياءهم الاحتفالات السنوية بذكرى كوروش، وإصدار طوابع بريدية إسرائيلية عام 2015 حملت صورته، كما يحمل أحد الشوارع الكبرى في مدينة القدس اسمه (Coresh Street).

ليس ذلك فحسب، بل إن بعض الساسة الإسرائيليين ذهب إلى اعتبار نقل السفارة الأميركية إلى القدس، خلال ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى، تجديدًا لعهد كوروش، وتأكيدًا على ديمومة ميثاقه الذي منح اليهود حق العودة إلى القدس وممارسة شعائرهم الدينية وبناء معابدهم فيها.

لكن المثير، أن استدعاء نتنياهو لكوروش لم يتأتَ من العدم، بل يعود ذكره الأول لزيارة نجل الشاه الأخير لإيران، رضا بهلوي إلى إسرائيل، في 17 نيسان/أيريل 2023، حين أشار إلى اقتباسٍ تاريخي لكوروش يعود إلى 2500 عامٍ مضت: “لقد أعطاني الرب كل ممالك الأرض وأمرني أن أبني له بيتًا في أورشليم”، مستبقًا إشارته بتغريدة إثر وصوله وزوجته إلى مطار بن غوريون في إسرائيل قائلًا فيها “من بني كوروش إلى بني إسرائيل، سنبني هذا المستقبل معًا، في صداقة”.

كانت هذه هي بداية دوامة استدعاء كوروش في الخطابات الموجهة لكلا الشعبين، الإسرائيلي والإيراني، ففي الثالث عشر من حزيران/يونيو 2025، وجّه نتنياهو رسالة إلى الشعب الإيراني عبر حسابه الرسمي باللغة الإنجليزية على منصة “إكس” قائلًا فيها: “لقد كانت إيران وإسرائيل صديقتين منذ عهد كوروش الكبير، وحان الوقت لتتحدوا تحت رايتكم وتراثكم التاريخي دفاعًا عن حريتكم”.

المسار نفسه انتهجه رضا بهلوي في أي ظهورٍ إعلامي له منذ ذلك الحين، ومنها خطابه أمام إيرانيين وإسرائيليين خلال استضافة منظمة (Tafsik Organization) اليهودية له في تورنتو، في 26 أيار/مايو 2025، حين كشف عن رؤيته لإطار عملٍ شامل للانتقال السياسي وإعادة البناء الاقتصادي لإيران الجديدة، قائلًا: “فلنستعد إرث كوروش ليس فقط في الذاكرة، بل في العمل.”

ووفقًا لخطابه في تورنتو، فقد حمل “إطار العمل” اسم “مشروع ازدهار إيران”، مشيرًا إلى أنه يأتي بالتعاون مع المنظمة اليهودية، وفرق أخرى من خلفيات وأيديولوجيات مختلفة، ما يُعزّز صحة تحقيقات أجرتها صحيفتا “ذا ماركر” و”هآرتس” عن وجود حملات رقمية واسعة النطاق ناطقة بالفارسية، جرى تمويلها بشكل غير مباشر من إسرائيل.

أما نقطة الذروة في حراك ابن الشاه المخلوع، فكانت منتصف كانون الثاني/يناير المنصرم، حين خرج بخطابٍ آخر، باللغة الإنجليزية، مقدمًا نفسه كقائدٍ للمعارضة الإيرانية، معلنًا استعداده لقيادة المرحلة الانتقالية في إيران بعد انهيار الجمهورية الإسلامية، معيدًا إنتاج مضمون زيارته لإسرائيل 2023، عبر التأكيد على أن إيران الجديدة “الحرة” ستعترف فورًا بإسرائيل، وتستعيد الصداقة التاريخية مع الولايات المتحدة، وستوقف برنامجها النووي العسكري، كاشفًا طموحه بتحويل اتفاقيات أبراهام إلى “اتفاقيات كوروش”، لتكون مظلة تجمع إيران وإسرائيل والعالم العربي على قاعدة الاعتراف المتبادل والسيادة.

هذا الطموح الذي يُطرح اليوم كمشروع لإعادة تشكيل الإقليم، يتجاوز الخرائط العسكرية والتفاهمات الأمنية لتقديم التاريخ كأداة سياسية تُعيد إنتاج شرعية ابن الشاه، وشرعية نظام والده الذي صنفته منظمة العفو الدولية عام 1975 كواحدٍ من أكثر الأنظمة انتهاكًا لحقوق الإنسان، وشرعية نتنياهو في مواجهة لوائح اتهامٍ دولية له ولوزير دفاعه الأسبق يوآف غالانت، بتهمة الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين.

لكنه وعلى غرار رمزيته المشتركة بالنسبة لكلٍ من نتنياهو ونجل الشاه، وللوعي الغربي المعاصر باعتباره مؤسسًا أول لحقوق الإنسان، ومحررًا للأقليات ومنقذًا اليهود من السبي البابلي، وإمكانية تقديمه كجسرٍ سياسي محتمل لإعادة إدماج إيران الجديدة في النظام الإقليمي والدولي، إلا أنه يصطدم بمصالح وتوجهات عربية اقليمية مغايرة، تتراوح ما بين نظرة دول المنطقة لموقعها في النظام الجديد، وحدود توافقهم مع فكرٍ تاريخي يُسلّم القدس لليهود على طبقٍ من ذهب.

كوروش من زاوية عربية وإقليمية

فمن ناحية التموضع العربي في النظام الأمني والسياسي الشامل للشرق الأوسط، والذي يشمل دولاً تجمعها اتفاقيات سلام وتطبيع مع إسرائيل، وأخرى تحاول الموازنة في علاقاتها من دون الانجراف لهاوية التبعية الإسرائيلية، التي أثبتت خلال العامين الأخيرين أن إسرائيل تنظر للشرق الأوسط باعتباره ميدانًا خاصًا بها تقوده وفق مقاربة أمنها ومصلحتها، لا باعتبارها مجرد وسيط نحو البوابة الأميركية، ولا حتى شريكًا مساويًا للدول العربية والإقليمية في استقرار النظام الأمني والسياسي الإقليمي، ما يبرر امتيازات انتزعتها بدأت بتطويع مجالهم الجوي والبري لصالح أمنها، وانتهاك سيادة بعضها – مثل قطر والعراق وسوريا- من دون محاسبة أو ردع.

إقرأ على موقع 180  الإنتخابات الإسرائيلية: 15 مقعداًً للقائمة العربية هدف واقعي أم مستحيل؟
قبر كوروش الكبير في شيراز بإيران

من خلال هذا المنظور الإسرائيلي، تُمثّل اتفاقيات كوروش إسقاطًا للأهمية الاستراتيجية للدول العربية وحتى الإقليمية -على غرار تركيا وأذربيجان- في استقرار هذا النظام، حين تتحول إيران من منافس في مواجهة إسرائيل إلى شريكٍ أول لها، يفتح لها بوابة الشرق على مصراعيه، ويمنحها إسنادًا يتجاوز الدعم الاقتصادي والسياسي والأمني الإماراتي، وينهي ملفات الجماعات المسلحة المثيرة لاضطرابها في الشرق الأوسط، من اليمن ولبنان وغزة وحتى جماعات المقاومة الصغيرة التي تحاول النمو من جديد في سوريا وعلى الحدود الشمالية لإسرائيل.

يعني ذلك سيطرة إسرائيلية مطلقة على الشرق الأوسط، مدعومة بسمعتها في تدبير وإنجاح عملية استبدال نظامٍ راسخ منذ أربعة عقود، عبر عملاء “الموساد” ومجنديه – بشهادة وزير الخارجية الأمريكي الأسبق مايك بومبيو-، ما يجعل إيران الجديدة صنيعة إسرائيلية بامتياز، ويمنحها ميزة الاسترخاء في مواجهة التهديدات الإقليمية وتحويل أنظارها إلى ملفات أخرى ستبدو حينها أكثر إلحاحًا، من قبيل محاصرة السعودية بين اليمن والصومال لدفعها للتطبيع، أو تحول الخطاب العدائي من إيران إلى تركيا ومن الصواريخ الإيرانية البالستية إلى المُسيرات التركية، أو الانغماس في جهود أكبر لتفتيت الدول العربية وبالأخص سوريا ولبنان، وغيرها من الملفات التي لا يجد الإسرائيليون حرجًا في ربطها بأمنهم وبمصالحهم.

من ناحية أخرى، تقدم اتفاقيات كوروش مدينة القدس قربانًا للسلام مع إسرائيل، ولحظة تأسيسية في سردية دينية تُستَخدم اليوم لتبرير سيادة إسرائيل على القدس، في تضاد مع الأنظمة العربية التي ترى، مهما اختلفت سياساتها، أن القدس مدينة إسلامية، وأن المسجد الأقصى مركز ديني إسلامي لا يمكن المساومة عليه، وتحويل إقامة الهيكل في مكانه لنموذج تسامح ديني.

بكلماتٍ أخرى، فإن القلق العربي الاقليمي من محاولات خلق “إيران جديدة على النمط الإسرائيلي” وتقديم اتفاقيات كوروش من خلالها، لا يقتصر على أبعاد دينية، بل يمتد إلى أبعاد جيوسياسية تخلط موازين القوى الإقليمية وتضع ضغطًا مضاعفًا على الأنظمة العربية لتجنب إثارة المخاوف الإسرائيلية أو محاولة الاستقلال بعيدًا عن توجهاتها.

ينسحب ذلك أيضًا على خلق مشروعٍ يعيد تعريف القدس لا كمركز إسلامي، بل باعتبارها تنازلًا يسبق أي حلول سياسية فعّالة، متجاوزًا بذلك حتى سقف اتفاقيات أبراهام، أما الأخطر من ذلك كله، فهو أن الخطاب المرتكز على كوروش، يُقدّم باعتباره “قيمًا كونية” وبخاصة بعد مصادقة منظمة اليونسكو في دورتها الـ43، على “ميثاق كوروش الكبير” بوصفه أحد أوائل مواثيق حقوق الانسان في العالم، ما يُضعف الموقف العربي في الساحة الغربية ويُصوّره كرافض للاحتكام إلى التاريخ، وبالتالي يُفضّل الصدام الديني والسياسي بدلًا عنه.

بالمحصلة، فإن اتفاقيات كوروش لم تعد مجرد فكرة، إنما هي الآن وفي خضم التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط، اختبارٌ حقيقي لقدرة التاريخ على إعادة تشكيل المكان، عبر سردياته لا تحالفاته ومصالحه، عبر تعريف الماضي لا حدود الحاضر، لكن الشرق الأوسط علمنا دائمًا أن التاريخ جميل، لكنه حافل باحتمالات الانفجار دائمًا.

Print Friendly, PDF & Email
سجود عوايص

باحثة أكاديمية وكاتبة فلسطينية مقيمة في ماليزيا

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  لماذا يستمتع الغرب بـ"انتصارات" إسرائيل على شعوبنا؟