صحيح أنني لم أبخل عامدًا متعمّدًا على قرّائي بتفاصيل، إلا ما خشيت عليها أو منها أن تُحرج أصحابها أو يُساء تفسيرها. كنتُ أنا نفسي وقتها أقل جسارة، أو كانت بعض خزائن الذاكرة ما تزال غضّة وخجولة لا تسمح للغرباء بالاطلاع على خفاياها، وبالفعل لم تمتدّ إليها يدي إلا بعد انتهاء أدوار عشتها ملتزمًا أصول أو أخلاقيات مهنة لم تفرض نفسها، بل سعيت لامتهانها.
***
وصلتُ بكين وأنا ربّ عائلة في الثانية والعشرين، وزوجة في التاسعة عشرة، وجنين في شهره الثالث. قضينا في الطريق إلى بكين يومين أو ثلاثة في هونغ كونغ نتبضّع لشتاء قاسٍ في بكين. انبهرتُ بهونغ كونغ، هذه المدينة الحيّة بالتجارة والسياسة والجاسوسية. قبل وصولي تخيّلتها لن تختلف عمّا رأيته في أفلام السينما عن الحياة في طنجة والدار البيضاء خلال الحرب العالمية الثانية، ولكن ما إن تجوّلنا فيها حتى أدركت أنها مدينة مختلفة، وبالفعل كانت مختلفة. تخيّلت على الفور عبقريتين، الصينية والبريطانية، تجتمعان في مدينة، وتنسّقان بوداعة فائقة قواعد العيش بينهما. المثير أن هذه المفارقة لم تتبلور حقيقة واقعة في الداخل الصيني على امتداد القرن التاسع عشر. هناك، في القرن التاسع عشر، تعارضت الإرادتان بشدّة، وأيضًا بقسوة، بينما في هونغ كونغ تبادل الطرفان المنافع حتى اليوم الذي استكمل فيه الإنجليز الانسحاب من كل مستعمراتهم شرق السويس.
جدير بالذكر أننا كنا في بكين، أسوةً بكافة البعثات الدبلوماسية، نأكل ونشرب ونقرأ ما تبيعه لنا هونغ كونغ، إذ كان ما نحصل عليه من المتجر التابع لوزارة الخارجية الصينية لا يزيد عمّا تقرّر لنا من أرزّ وتفاح وكرنب.
كانت فترة حافلة بالتحدّي والفضول. تعلّلتُ مرارًا بزيارة زملاء من بعثات دبلوماسية أخرى اختاروا السكن في أحياء شعبية. البيت الصيني تسكنه في العادة ثمانٍ أو عشر عائلات، يطلّون جميعهم على بهو واسع. كل عائلة مسؤولة في يوم محدّد عن تنظيف البهو ودورات المياه المشتركة إن وُجدت. كذلك يتعيّن على كل مجموعة عائلات تنظيف الشارع ومطاردة العصافير عن طريق إحداث ضجّة هائلة تحرم العصافير النوم، فتقع على الأرض متعبة. هناك جائزة رمزية من فرع الحزب في الحي لكل طفل استطاع تجميع عصافير هالكة تملأ وعاءً غير صغير. جدير بالذكر، ودافع للإعجاب، أنني لم أقابل متسوّلًا واحدًا في أي زيارة قمت بها إلى تلك الأحياء أو غيرها على امتداد العام الذي قضيته في الصين.
والمؤكّد أن الحزب الشيوعي الصيني استطاع في أقل من عشر سنوات أن ينجح في توزيع القليل من المواد الغذائية توزيعًا عادلًا على الصينيين. نجح أيضًا في القضاء على تجارة المخدّرات، وهي السلعة التي روّج لها المستعمر الإنجليزي وأغرق بها البلاد، بل ودخل حربًا مع حكومة الإمبراطورية الصينية بسببها. وبسببها جاء وقت، قبل وصول الحزب إلى الحكم، كانت شوارع المدن تزخر بالمتسوّلين وجثث الأطفال حديثي الولادة، وأسواق تُباع فيها الزوجات.
نجحت حكومة الثورة الشيوعية، فيما نجحت فيه، مستخدمة درجة عالية من القمع. زاد القمع متدرّجًا خلال وجودنا، ثم بلغ القمّة بعد رحيلنا عندما أطلق الرئيس ماو ثورته الثقافية التي أطاحت، على أيدي الشباب، بعدد هائل من قيادات الحزب ومدرّسي الجامعات. أقول، مع القائلين وهم كثر، إنه لولا هذه الثورة لما استطاعت الصين تحقيق انتقال ناجح من نظام شيوعي بخصائص صينية إلى نظام اقتصاد السوق، أيضًا بخصائص صينية. في النظامين كان الحزب مهيمنًا ومحرّكًا.
***
أذكر بكل ارتياح وإعجاب رحلتي الثانية إلى الصين في أوائل عقد السبعينيات، ضمن وفد صحفي من مؤسسة “الأهرام”، بعد أن مرّ على زيارتي الأولى ما يزيد على خمسة عشر عامًا، قضيت بعضها في أوروبا، وبعضًا آخر في أميركا اللاتينية، ثم ثلاث سنوات في أميركا الشمالية، أكثرها في جامعة بكندا أدرس، خصيصًا، الصين بين موضوعات أخرى. عدتُ إلى بكين إنسانًا مختلفًا لأجدها أيضًا مختلفة. كان الرئيس على أبواب مرحلة الرحيل، والناس، على اختلاف مشاربهم، يتحرّكون ويستعدّون لتغيير قادم.
هناك، وفي هذه الزيارة، استمعتُ إلى حوار أعادني إلى أجواء المحاضرات في مونتريال على أيدي فلاسفة وعلماء سياسة من أوروبا الشرقية والولايات المتحدة. دار الحوار أثناء أحد لقاءات وفدنا الصحفي بالمسؤولين في الحزب، دار بين عملاقين في الشأن الأيديولوجي، بين زميلنا في “الأهرام” محمد سيد أحمد ووزير الخارجية شو إين لاي. لعبتُ للحظة دور المحفّز عندما توجّهت بالسؤال إلى الوزير عن آخر رأي للحزب في الشقاق الدائر في الحزب الشيوعي الإيطالي، والانتقادات الموجّهة للشيوعية كما طُبّقت في روسيا.
كان طرفا الحوار رائعين. لا أظن أنني سمعت حوارًا على هذا المستوى من قبل، ولا من بعد. ليلتها صرّحت أمام أعضاء وفدنا الصحفي، في جلستنا الليلية المعتادة في نهاية كل يوم حافل بالحكايات والدروس، وصرّحت واتفق معي محمد حسنين هيكل ومحمد سيد أحمد على أن الوزير شو إين لاي ألمح بثقة متناهية إلى أن التغيير في الصين نحو نظام مختلف صار قريبًا وضروريًا، بشرط أن تستمر حملات تطهير الفساد تنفيذًا لنظرية الثورة الدائمة لحماية النظام من الفاسدين والمارقين.
بالفعل، وبعد سنوات معدودة من لقائنا بشو إين لاي، حدث التغيير. تغيّرت في النظام الصيني عقيدته وقيادته ورؤاه لدوره في آسيا وفي العالم. حدث كذلك، وبعد مرور أقل من عقدين، أن سقط النظام السوفييتي في موسكو، ثم في دول أوروبا الشرقية.
تقدّم بي العمر، وما زلت أتابع بشغف تطوّرات التجربة الصينية في النهوض بالبشر والدولة إلى مستويات غير معهودة من التقدّم في مدّة زمنية أيضًا غير معهودة. أتابع أيضًا، وباستمتاع، سلوك الصين السياسي في الساحة الدولية، سلوك دولة على يقين من أن حلم قيام نظام دولي تعدّدي محلّ الهيمنة الأميركية الراهنة صار أقرب إلى التحقيق من أي وقت مضى.
(*) بالتزامن مع “الشروق“
