من المقاومة إلى الحياد: مأزق الرؤية الوطنية في لبنان (3)

منذ العام 1948 حتى يومنا هذا، لم يكن هناك إجماعٌ وطنيٌ ثابتٌ حول معنى فلسطين أو طبيعة الصراع مع إسرائيل. انقسام اللبنانيين لم يكن سياسيًا فقط، بل هويّاتيًا وطائفيًا أيضًا.

شرائح واسعة من المسيحيين رأت تاريخيًا، في العداء المفتوح لإسرائيل تهديدًا للكيان اللبناني وتوازناته، وخشيت من «تطييف الصراع» وتوسيعه بما يخرج لبنان من حجمه وقدراته. في المقابل، اعتبرت شرائح واسعة من المسلمين أنّ دعم فلسطين جزء من الهوية السياسية والدينية والقومية، وأنّ أيّ حياد لبناني في هذا الملف يُعَدّ، في نظرها، تخلّيًا عن واجب أخلاقي وتاريخي.

لاحقًا، تبنّت قوى سياسية ذات غالبية شيعية مفهوم «المقاومة» عنصرًا مركزيًا في سرديتها السياسية، خصوصًا بعد التحرير عام 2000 وحرب 2006، حيث ترسّخ في بيئتها، وفق خطاباتها، أنّ السلاح غير الرسمي كان عامل ردع أساسيًا في مواجهة إسرائيل.

ويُمكن تلخيص المقاربات اللبنانية للصراع مع إسرائيل، كما تعكسها الخطابات السياسية المختلفة، بثلاث رؤى كبرى: مقاربة «لبنان أولًا»، التي تغلّب منطق الدولة والسيادة والحياد النسبي، وتسعى إلى السلام، أو على الأقل تحييد الساحة اللبنانية عن حروب الإقليم؛ ومقاربة «العروبة والمقاومة»، التي تغلّب منطق الصراع بوصفه جزءًا من واجب قومي وإسلامي في مواجهة إسرائيل؛ ومقاربة «الممانعة»، التي تربط لبنان بمحور إقليمي تقوده إيران، وترى في الجبهة اللبنانية خط دفاع متقدّمًا عن مشروعها الإقليمي.

حتى الآن، وبصورة عامة، يُشار إلى أنّ اتجاهات الرأي والمواقف السياسية في لبنان ما زالت تنقسم بين من يرى أنّ الصراع مع إسرائيل ما زال ضرورة وجودية، ومن يراه ترفًا مكلفًا ينعكس سلبًا على ما تبقّى من مقوّمات الدولة، ومن يصرّ على أنّ قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصريًا بيد الدولة ومؤسّساتها الشرعية.

هل يمتلك لبنان القدرة على إنتاج رؤية وطنية للصراع مع إسرائيل؟

لم يعد سؤال لبنان في الصراع العربي–الإسرائيلي، في كثير من النقاشات، سؤال حرب وسلام فقط، بل سؤالًا حول قدرة الدولة نفسها على امتلاك قرار سيادي في بيئة سياسية متشظّية، واقتصاد يعاني أزمات حادّة، واصطفافات خارجية يُنظَر إليها على أنّها تحكم المسار الوطني من خارج حدوده.

من الناحية الدستورية، تُسنِد النصوص إلى الدولة اللبنانية صلاحية اتخاذ القرار في مسائل السيادة، بما فيها الحرب والسلام. لكن القدرة القانونية لا تُترجَم تلقائيًا إلى قدرة سياسية فعلية. ويرى عدد من المراقبين أنّ القرار الوطني اليوم مجزّأ بين مراكز طائفية وحزبية وإقليمية، ما يجعل الدولة، في هذا التقدير، طرفًا ثانويًا في معادلة يُفترض أن تكون هي مركزها.

عمليًا، تُظهِر النقاشات السياسية والفكرية في لبنان أنّه لا يوجد إجماع داخلي حول ماهية التهديد، ولا حول مفهوم الصراع، ولا حول معنى «السلام».

وفي غياب تعريف موحّد أو متوافق عليه للخطر، يُعتَبَر من الصعب إنتاج رؤية موحّدة لمعالجته. ويُشار إلى أنّ الانقسام اللبناني لم يعد، في نظر كثيرين، مجرّد تباين في الرأي، بل أصبح تباينًا في تعريف الهوية السياسية-الأمنية للدولة وتموضعها إقليميًا.

جزء من القوى اللبنانية مقتنع بأنّ حماية لبنان لا يمكن أن تأتي إلا من خلال ارتباطه بمحور إقليمي يمتلك قدرة ردع في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة. ومع تمدّد النفوذ الإيراني بعد 2003، يذهب عدد من المحلّلين إلى أنّ لبنان أصبح ساحة متقدّمة للردع الإيراني، ما وضع قرار الحرب والسلم في سياق يتجاوز الحسابات اللبنانية الداخلية الصِرف.

في المقابل، ترى قوى لبنانية أخرى في أيّ تفاهم مع إسرائيل – مباشر أو غير مباشر، شامل أو موضعي – فرصة لفكّ العزلة، واستعادة الاستقرار، وإعادة إدماج لبنان في النظامين العربي والدولي، وفتح باب الإنقاذ الاقتصادي والاستثماري.

هذا التعارض في الارتباطات والرؤى يُنظَر إليه، في كثير من القراءات، بوصفه عائقًا أساسيًا أمام بلورة مقاربة وطنية جامعة للصراع في المدى المنظور.

سلام الدولة الضعيفة أم حياد ذكي؟

يُطرَح في هذا السياق سؤال يتردّد كثيرًا في التحليلات السياسية: سلام الدولة الضعيفة أم حياد ذكي؟ إذ يذهب رأي واسع إلى أنّه من الصعب على دولة أن تدخل في مفاوضات سلام من موقع ضعف مؤسسي وانقسام داخلي حاد. لبنان، بوجود سلاح خارج مؤسّسات الدولة، وضعف أجهزته الأمنية، وتعدّد مصادر الشرعية الداخلية، يُقدَّم في هذه القراءات على أنّه لا يملك حاليًا مقوّمات الدخول في عملية تفاوضية متكافئة مع إسرائيل.

حتى لو رغب جزء من اللبنانيين في السلام، تشير هذه الآراء إلى أنّ الدولة قد لا تكون قادرة على تنفيذه على الأرض من دون تأثير كبير في التوازنات الداخلية الهشّة. وفي هذا الإطار، يُستعاد في بعض الأدبيات تعبير «سلام الدولة الضعيفة ينتج دولة أضعف»، في إشارة إلى أنّ الطرف الأضعف غالبًا ما يُجبَر على تقديم تنازلات بنيوية تمسّ دوره الإقليمي وقدرته على حماية حدوده وصياغة نموذج دولة حديثة.

إقرأ على موقع 180  إنتخابات المناطق الفرنسية: صدمة لماكرون وخيبة للوبن (1)

إسرائيل اليوم تُوصَف بأنّها قوة عسكرية–تكنولوجية–اقتصادية متقدّمة، بينما يمرّ لبنان بحالة تفكّك أو ضعف اقتصادي ومالي ومؤسّساتي، بحسب تقارير دولية ومحلية عدّة. هذا الاختلال في موازين القوى يُنظَر إليه على أنّه يحدّ من تكافؤ أيّ عملية تفاوض محتملة، ويجعل السلام نفسه، وفق هذه المخاوف، محرّكًا محتملًا لانفجار داخلي، لا صمّام أمان تلقائيًا.

من هنا، ووفق هذا التحليل، يبدو أنّ لبنان غير قادر اليوم على إنتاج رؤية وطنية متوافق عليها للصراع مع إسرائيل، لأنّه مفكّك داخليًا بحسب توصيفات عدّة، ومرتبط بدرجات متفاوتة بمحاور إقليمية، ويفتقر إلى قوة الدولة المركزية وهيبتها كما تُعرَّف في الأدبيات الدستورية. ويتخوّف بعض المراقبين من أنّ الدخول في عملية سلام شاملة في ظل هذا الضعف قد يكون أخطر من استمرار الوضع الراهن، لأنّه قد يُنتج – في تقديرهم – سلامًا هشًّا يكرّس أنماطًا من التبعية بدل أن يؤسّس لسيادة مكتملة الأركان.

مع ذلك، لا يعني هذا الطرح أنّ لبنان محكوم إلى الأبد بمنطق الصراع المفتوح. يُمكن للدولة، إذا استطاعت يومًا أن تستعيد قدرًا أعلى من وحدتها الداخلية، وتحتكر السلاح والقوة الشرعية، وتوازن علاقاتها الإقليمية، وتتجاوز أزماتها الاقتصادية والمالية، أن تعيد صياغة علاقتها بالصراع مع إسرائيل، سواء عبر حياد وُصِف في بعض المشاريع بـ«الحياد الذكي» يجنّبها حروب الآخرين، أو سياسة دفاعية وطنية تُشرِك مختلف المكوّنات في قرار الحرب والسلم، أو مفاوضات سلام مشروطة ومحسوبة تُطرَح بوصفها تسعى إلى ضمان الكرامة والسيادة وفق تعريف وطني جامع.

إلى ذلك الحين، يبقى لبنان، في توصيف شائع، في موقع «لا حرب ولا سلام»؛ بلدٌ يتأثّر بهشاشته وتوازناته ووظائفه الإقليمية بقدر ما يتأثّر بإرادته الوطنية. وبينما تبقى فلسطين، في خطاب شريحة واسعة من اللبنانيين والعرب، «قضية عادلة»، يُنظَر في هذا الخطاب نفسه إلى أنّ استخدامها السياسي – في كثير من المحطات – لم يكن منصفًا دائمًا بحق لبنان، الذي يُقال إنّه تحوّل في مراحل مختلفة من «دولة في قضية» إلى «أرض لقضايا الآخرين»، بحسب هذا التوصيف السياسي.

(*) راجع الجزء الأول بعنوان: فلسطين في المعادلة اللبنانية: الإلتزام وحدود القدرة وراجع الجزء الثاني بعنوان: من مدريد إلى حرب 2006.. لبنان المؤجل ساحة أدوار إقليمية

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  أستاذ طلال.. سلامنا إلى "وسام"