العودة إلى عُمان.. واشنطن وطهران إلى أين؟

تتجه الأنظار إلى العاصمة العُمانية مسقط من جديد، حيث من المقرر أن تنطلق اليوم (الجمعة) جولة جديدة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الضغوط العسكرية مع الحسابات السياسية والاقتصادية، وسط مساعٍ حذرة لإعادة فتح مسار دبلوماسي قد يُجنّب الطرفين مواجهة عسكرية مفتوحة.

المحادثات المرتقبة تأتي بعد سنوات من التوتر المتصاعد، منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي عام 2018، وما تبعه من فرض عقوبات اقتصادية واسعة على طهران، وردّ إيراني تمثّل في تقليص الالتزامات النووية ورفع نسب التخصيب. ومع تعثر محاولات الإحياء السابقة، تبدو جولة مسقط محاولة جديدة لوقف الانزلاق نحو سيناريوهات أكثر خطورة.

عُمان.. وسيط الثقة بين الخصمين

اختيار سلطنة عُمان مجددًا لاستضافة هذه المفاوضات ليس تفصيلاً شكليًا، بل يعكس مكانة مسقط كوسيط يحظى بثقة الطرفين. فمنذ سنوات، لعبت السلطنة دور القناة الخلفية الهادئة بين طهران وواشنطن، مستفيدة من سياستها الخارجية القائمة على الحياد، واحتفاظها بعلاقات مستقرة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية.

بالنسبة لإيران، تمثل عُمان وسيطًا مفضّلًا مقارنة بدول أخرى، بينها تركيا، لاعتبارات تتعلق بالثقة السياسية وعدم توظيف الوساطة لأهداف إقليمية أو إعلامية. وقد سبق لطهران أن فضّلت تمرير رسائلها الحساسة إلى واشنطن عبر مسقط، معتبرة أن الدبلوماسية العُمانية أقل عرضة للضغوط وأقرب إلى ضمان سرية التفاهمات.

الخطوط الحمر الإيرانية

تدخل إيران المفاوضات بعد أن رسمت مجموعة من الخطوط الحمر التي تعتبرها غير قابلة للتفاوض، وأولها البرنامج الصاروخي الدفاعي.

في المقابل، تُبدي إيران استعدادًا لاستخدام ملف نِسَب التخصيب ومخزون اليورانيوم المخصب كورقتي تفاوض، شرط الاعتراف بحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية. وتطرح طهران مقاربة تقوم على تقديم ضمانات تقنية ورقابية تطمئن المجتمع الدولي إلى عدم انحراف برنامجها النووي نحو الأغراض العسكرية، مقابل رفع فعلي للعقوبات.

وفي هذا السياق، يُعاد تداول أفكار قريبة من مقترح موسكو، الذي يُركّز على استعداد روسيا نقل جزء من المخزون الإيراني من اليورانيوم المخصب إليها.

أهداف التفاوض الثلاثة أميركياً

في المقابل، حدّدت الولايات المتحدة، وفق ما أعلنه المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، سابقاً ثلاثة عناوين رئيسية لهذه المفاوضات: الملف النووي، البرنامج الصاروخي، والنفوذ الإقليمي، وهنا يبرز التشاور الأميركي – الإسرائيلي الدائم في هذا الملف.

برغم المسار التفاوضي، لا تغيب لغة القوة عن المشهد. فالولايات المتحدة عزّزت وجودها العسكري في المنطقة، فيما تؤكد إيران جهوزيتها للرد على أي هجوم، مستعرضة قدراتها الدفاعية والصاروخية. هذا التوازي بين الدبلوماسية والتحشيد العسكري يجعل أي خطأ في الحسابات محفوفًا بمخاطر انفلات الأوضاع

الاقتصاد كأداة إغراء

لكن في موازاة الضغوط السياسية، يبرز البعد الاقتصادي كعنصر جذب أساسي في مسار التفاوض. إذ تُطرح وعود باستثمارات ضخمة في الاقتصاد الإيراني، قد تصل إلى نحو تريليون دولار، في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والنقل والتكنولوجيا، في حال التوصل إلى اتفاق.

هذا البعد قد يكتسب أهمية إضافية مع الحديث عن دور محتمل لجاريد كوشنر، الذي يُنظر إليه كمهندس محتمل لمسار اقتصادي موازٍ.

بين الدبلوماسية والعسكر

وبرغم المسار التفاوضي، لا تغيب لغة القوة عن المشهد. فالولايات المتحدة عزّزت وجودها العسكري في المنطقة، فيما تؤكد إيران جهوزيتها للرد على أي هجوم، مستعرضة قدراتها الدفاعية والصاروخية. هذا التوازي بين الدبلوماسية والتحشيد العسكري يجعل أي خطأ في الحسابات محفوفًا بمخاطر انفلات الأوضاع.

تفاؤل حذر

في ظل هذا المناخ الذي يسوده الترقب، صدرت عن مسؤولين إيرانيين، بينهم علي أكبر صالحي، تصريحات تعكس تفاؤلًا حذرًا حيال فرص التقدم في مفاوضات مسقط، فيما ذكر موقع “المونيتور” أنه من المحتمل صدور بيان لخفض التوتر مع انطلاق التفاوض، في خطوة تهدف إلى توفير مناخ أقل توتراً للمفاوضات. وذكرت مصادر دبلوماسية أن الجولة الخامسة بين الأميركيين والإيرانيين في عُمان كانت قد قطعت شوطاً متقدماً على صعيد التفاهم على الإطار التفاوضي والملف النووي ويُمكن أن تشكل نقطة انطلاق لأعمال الجولة السادسة.

خلاصة المشهد

تدخل إيران والولايات المتحدة مفاوضات مسقط، وهما تدركان كلفة الفشل كما صعوبة النجاح. فالتناقضات عميقة، والهوة كبيرة والملفات متشابكة، لكن البديل عن الدبلوماسية قد يكون تصعيدًا لا يرغب فيه أي من الطرفين. وبين خطوط حمر متصلبة وحوافز اقتصادية مغرية، تبقى مسقط ساحة اختبار لإمكانية تخطي عتبة بوابة الدبلوماسية نحو تفاهمات ملموسة، أو العودة مجددًا إلى حافة المواجهة العسكرية.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  محمد شياع السوداني وسط ألغام.. ووحوش العراق 
حازم كلاس

كاتب وصحافي سوري، متخصص بالشأن الدولي

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "هآرتس": تسوية لتيران وصنافير تضمن حرية الملاحة الإسرائيلية!