في التحدّي والإقدَام

في حُجرة السّكرتارية، وقفت عاملتا نظافة في منتصف العمر تقريبًا؛ تتبادلان الحديث حول استحقاقاتِهما المادية التي لم تصلهما منذ فترة. بقيتا تتجادلان لدقائق طوال وقد استقرَّت في يدّ إحداهما ورقةٌ تحمل طلبًا مشتركًا، وأخيرًا تشجَّعت الأكبر عمرًا، وقرَّرت أن تدخلَ مكتب المدير. خَطت طارِقةً الباب، هاتفةً كأنها تشجع نفسَها وتنفض عنها أسبابَ التوتُّر: "هي موتة ولا أكتر؟". خرجت بعد لحظاتٍ قصيرة ووجهها عابس يَكسوه الإحباط، وغادرت خلفها زميلتُها حانقة، واندلع بينهما في التوّ جدالٌ جديد؛ حول المواجهة التي لاحت خاسرة.

يجد أغلبُنا صعوبةً في الإقدام على عملٍ قد تكلّله نتائجٌ سلبيَّة أو عصِيَّة على الاحتمال؛ والعادة أن نحتاجَ إلى ما يُزكي داخلنا روحَ التحدّي، ويدفعنا نحو سلوك الطريق الوعرة دون تأجيل أو مُماطلة؛ فإن اضطررنا لاتخاذ قرار حاسمٍ من المُمكن أن يُفضيَ إلى الهلاك، وباتت النهاية متوقعة بصورة أو أخرى؛ تسَلَّحنا بالمقولة الشهيرة: “تعدَّدت الأسبابُ والمَوت واحد”، نريد بها إزالة التردُّد وتقوية العزيمة، وتأجيج العاطفةِ المُحرِّضة على القيام بالمطلوب.

***

في إطار مقارب اعتدنا أن نقول: “العمر واحد والربّ واحد“، والقَّصد أن المصيرَ مُحدَّدٌ سلفًا؛ لن يغيره الحذر ولن يمنعه الإحجام. القولة تشجيع وحفز، إضافة إلى كونها تهوينًا من شأن المخاوف وتقليلًا من وطأة المَخاطِر؛ لكن شيئًا لا يحتم أن يؤمن بها القائلُ أو أن يطبقها بنفسه ما اختبره الواقع؛ فقد يفضل آنذاك الاستعانة بمقولة معاكسة تقيه ما يخشى تداعيات؛ كأن يدفع على سبيل المثال بالتعبير الشعبيّ الشهير: “العمْر مش بَعزَقة“.

***

درسنا خلال زمن انقضى قصائد منتقاه لمحمود سامي البارودي، تضمَّنتها مُقرراتُ اللغة العربية التي تخفَّفت في وقتنا الحالي مما ثقل وزنه وارتفعت قيمته؛ واحتفظت بالقشور. في الذاكرة أحد هذه الأبيات ويقول: “قئولٌ وأحلامُ الرجال عوازبُ.. صئولٌ وأفواهُ المنايا فواغر“. الأسلوب التقريري الصارم يعلن استعدادَ صاحبه لتولي المَهام الجّسام؛ وإن تلبَّدت الأجواءُ المُحيطة به وسَاءت الظروف، أما صيغة المُبالغة التي يبدأ بها كلُّ شطر على حده؛ فترسخ المعنى وتجرده من الشُّكوك والاحتمالات. عُرِفَ البارودي بلقب “ربُّ السَّيف والقلم”؛ وقد تولى المناصب الوزارية بعدما التحق بالسلك العسكري، وله مُنتَج شعريّ مُتميز يثير التأملَ والإعجاب، كما يلفت الانتباه إلى قدراتٍ لغويَّة متفوقة؛ تبعث بالحَسرة على ما آلت إليه من بعد أحوالُ الثقافة والإبداع.

***

ثمَّة بيتٌ قريب الشبه، وضعه ابن الرومي منذ قرون ويقول: “تجود بنانُه والغيثُ مُكدٍ.. ويمضي عزمُه والسَّيفُ نابٍ“، والحقُّ أن الظروفَ العصيبة تُجبِر الغالبية العظمى على التخلي عن روح المبادرة وترك الرغبة في العطاء؛ لا ينجو إلا من كانت همته جدٌّ صلبة، وإرادته عتية، وبصيرته صافية؛ لا تلوثها الملمَّات العابرة، يمضي بها مبتعدًا عن ركاب الهزيمة ولا ينحني للريح مهما عصفت. القدرة على الاستمرار مع تنحي الآخرين إحدى شِيم النبلاء الذين يُعَدُّون نُدرةً حقيقية؛ من زمن ابن الرومي إلى زمن البارودي ووصولًا لزماننا الحاضر؛ فالغالبية العظمى من الناس تنحو إلى التزام المسلك الآمن؛ لا يغريها التحدي ولا يفتنها بهاءُ الشجاعة والإقدام. الناسُ في يومنا هذا صُموت قعود، تلهيهم قصائد الصَّبر وتُطيِّب خواطرهم حكمةُ الانحناء.

***

يقول التعبير الدارج: “تحدّي وانت مش قدّي“. المناطحة اللفظية هنا بمنزلة حكم مُسبَق، والتكافؤ بحسب القولة مُنعدِم، والهزلُ في الكلمات جليٌّ لا يحتاج لتنبيه. هي القريحةُ خفيفةُ الظِّل التي نتحلى بها، والتي توفِّر لنا مساحات من التنفيث عن المصائب والتروح؛ فإن أراد واحد مناوشة الآخر وكانا في مَوضِع تنافس؛ استخدم هذا التعبير موضحًا منذ البداية أنه الفائز، وأن منافسه مَغلوب ولا جدال.

***

اشتهر أبو الطيب المتنبي بقصائده الجريئة المُدجَّجة بالمباهاة والفخار، وقد وضع بيتًا موجزًا أقل شهرة من غيره يقول: “إذا كان ما تنويه فعلًا مُضارعًا.. مَضى قبل أن تُلقَى عليه الجوازِمُ“. الجوازم هي أدوات الجزم المعروفة لغويًا والتي تمثل قيودًا رمزية على الفعل؛ تنتقص منه وتكبل حركته وتحكُم ضبطه، والقَّصد إجمالًا أن تتحقَّق النيةُ قبل أن توقفها أيُّ حواجز، وأن تتجسَّد في التوّ واللحظة؛ فلا تبقى سجينة القول وحَسب. التلاعب بالألفاظ والقواعد اللغوية مُمتع مثير ما اقترن بالأدب والمجاز، والمتنبي من أبرع الشعراء والمفكرين في آن، كلماته دقيقة وتعبيراته مكثفة؛ تصل الهدف بمهارة لافتة وتترك في عقول المتلقين بصمة لا تُمحى.

***

لا يمثل التحدّي اختيارًا مناسبًا على الدوام؛ حتى ولو تأكد المرءُ أن في استطاعته الفوز أو إحراز مكسب ما، ولو كان على يقين من أنه الأوفرَ حظًا والأعلى شأنًا. أنشد رهينُ المحبسين في لزومياته:

“وإني وإن كنت الأخيرَ زمانُه.. لآت بما لم تستطِعه الأوائلُ.. ألا في سبيل المَجد ما أنا فاعلُ.. عفافٌ وإقدامٌ وحزمٌ ونائلُ.. أغدو ولو أن الصباح صوارمٌ.. وأسْري ولو أن الظلامَ جحافلُ.. ولما رأيت الجهلَ في الناس فاشيًا.. تجاهلت حتى ظنَّ أني جاهلُ”.

تمضي الأبيات الأولى في مسار الفخر المألوف؛ لكن البيتَ الأخير يستوفي شروط الحكمة التي اشتهر الفيلسوف بها؛ إذ هو إقرار صريح بأن مُواجهةَ الجُّهلاء ومقارعتهم بالحُجَّة، أمرٌ لا يثمر؛ إنما هو مَضيعةٌ للجهد واستنزافٌ للعقل، واستدراجٌ نحو مستنقع التفاهة، ولا عجب إذًا أن ينحوَ أبو العلاء إلى إهمال ما قد يعطل عقله، وأن يعزفَ عن الاشتباك مع كلّ ما لا طائل من ورائه؛ ولو رُمِيَ هو نفسُه بالجَّهل.

إقرأ على موقع 180  المُنطلَق

***

التحدِّي على غير أساس قويٍّ ومتين؛ مجرد سُلوك أرعن بل ومثير للسُّخرية في كثير الأحايين، والحال أننا نستمع لكبار المسئولين في كل مكان؛ يعلنون مرة تلو الأخرى قدرتهم على مغالبة الواقع المهين، وتحقيق انتصارات هائلة وخطوات واسعة؛ دون أن نرى تجسيدًا للكلام. نسمعهم ينسجون أحاديثًا شجية تخلب ألباب السامعين وتستميلهم؛ لكنها في جوهرها جوفاء فارغة، تتوكأ على عصا المشاعر الجياشة وحدها، وتخاطب النفوس المرهقة التي تتوق للنجاة؛ وإذ يتكاثر أصحابُ العزائم الخائرة والنفوس الخربة؛ فالأمل أن يظهر في الأفق من يحيلُ كلمات البارودي والمتنبي وأبي العلاء إلى حيز الأفعال.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
بسمة عبد العزيز

طبيبة وكاتبة مصرية

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
online free course
إقرأ على موقع 180  وظيفة الانتحال السياسي.. والزمنداريّة اللبنانيَّة