حصر السلاح في لبنان.. اختبار الدولة الواحدة

عند الفجر، قبل أن تفتح المدينة عينيها تماماً، يكون البحر قد سبقها إلى الضوء. وعلى الطريق الساحلية، حيث يختلط ملح الموج برائحة الديزل، يقف حاجز كأنه سطر مستحدث في كتاب قديم، راية لبنان وحدها تتدلّى فوق نقطة تفتيش، وجنود بالزي الرسمي يلوّحون للسائقين بالتقدم ببطء.

أبو مروان يعرف هذه الطريق أكثر مما يعرف ملامح وجهه في المرآة. يقود شاحنته منذ سنوات؛ مرة محمّلة بأكياس طحين، مرة بصناديق خضار، ومرة بأدوية يقال إنها “حسّاسة” لأن الناس تبحث عنها كما تبحث عن الهواء. يتقدم بشاحنته، يرفع يده بالتحية إلى الجندي أمامه، وينتظر إشارة منه، لا يخاف التفتيش. ما يخافه هو المسافة التي تبدأ بعد الحاجز – أو ربما قبله هي كيلومترات قليلة، أو كثيرة، لكنها في لبنان قد تساوي عالماً كاملاً من الاحتمالات.

يقولها بينه وبين نفسه، لا كاعتراض ولا كسخرية، بل كحساب بارد: الزي الرسمي جميل، والراية مطمئنة، لكن الحماية لا تُقاس بالقماش ولا بالصورة. تُقاس بما يحدث لو قررت مسيّرة في مكان ما أن تنهي حياته، لسبب ما، قد يعرفه وقد لا يعرفه، وفي رأسه يدور سؤال: من يأتي أولاً؟ الدولة أم “غيرها”؟

هذا هو معنى “المرحلة الثانية” من خطة حصر السلاح التي تتحدث عنها بيروت وعواصم دولية وإقليمية في هذه الأيام، بمسميات وصيغ كثيرة، وبكمّيات هائلة من الأمل والريبة. في المكاتب الرسمية تُعرض كاستعادة للسيادة. على الشاشات تُقدّم كخطوة تاريخية. أما على الطريق، في عين سائق شاحنة، فهي تجربة عملية، هل تصبح الدولة فعلاً المرجع الوحيد؟ أم تبقى مرجعاً إضافياً، مثل لافتة جديدة على باب قديم؟

الطريق إلى الدولة الواحدة لا يمر فقط عبر نقطة تفتيش على الساحل، بل عبر قدرة الدولة على أن تكون حاضرة عندما تغيب كل الحمايات الأخرى، وأن تكون عادلة عندما تتنافس المصالح، وأن تكون ثابتة عندما تهبّ العواصف. وحين تتحقق هذه المعادلة، لن يحتاج سائق الشاحنة إلى أن يسأل نفسه إن كان الزي الرسمي يحميه. سيكون يعرف ذلك كما يعرف الطريق التي ستأخذه وتعيده سالما

الأمن شرط للحرية السياسية

في الوزارة، حيث الهواء أثقل قليلاً من دخان السجائر، يجلس موظفون حول ملفات متكدسة. أحدهم يشرح للزائرين آلية، وآخر يتحدث عن “مراحل” و“خرائط” و“انتشار”. الكلمات مرتبة، والعبارات مطمئنة، لكنها تشبه كثيراً لغة لبنانية مألوفة، لغة مشروع كبير يُصاغ بعناية، يراقبه الداخل والخارج، وتعقد على جوانبه المؤتمرات.

خارج الوزارة، على بعد بضع كيلومترات، السوق لا يفهم “المرحلة الثانية” بالمصطلحات نفسها. السوق يفهمها بسؤال واحد: هل ستتحرك الحياة؟ صاحب الدكان الذي أغلق أبوابه عند الغروب لسنوات، لا يهمه تعريف السيادة بقدر ما يهمه أن يعود الزبون ليلاً بلا خوف. صاحب الورشة الذي يشتري قطع الغيار بالدولار ويبيع بالليرة، يريد أن يعرف إن كان سيستطيع نقل بضاعته من دون أن يدفع كلفة إضافية لشبح الخطر.

وهناك شيء لا يراه كثيرون على الورق، لكن يعيشه كل تاجر وكل سائق وكل عامل: “علاوة المخاطر”. إنها ليست بنداً على فاتورة رسمية، لكنها بند فعلي في الأسعار. حين تتعدد الأخطار على الأرض، ترتفع كلفة التأمين، وتزداد الخسائر المحتملة، ويضيف التجار احتياطاً صامتاً على كل شيء، على الدواء، على الوقود، على الحليب، على الحديد. لا أحد يعلن ذلك، لكنه يحدث. ولذا، حين تقول الدولة إنها تريد احتكار القوة، فهي لا تتحدث فقط عن مبدأ سيادي؛ إنها تمسّ جيب الناس كما تمسّ شعورهم بالأمان.

لكن الحكاية لا تُكتب من زاوية واحدة. بعيداً عن بيروت، حيث الطرق أضيق والسماء أقرب، هناك قرى حدودية اعتادت أن تقرأ السياسة بصوت الطائرات لا بصوت البيانات. في المساء، حين تهدأ الضوضاء، يبقى في الهواء طنين لا يخطئه أهل الجنوب، ولا يغيب عن ذاكرة البقاع. هناك، الجملة التي ترد كثيراً ليست عن شرعية الدولة بل عن فاعليتها. ليس لأن الناس ضد الدولة، بل لأنهم تعلموا- بمرارة- أن الدولة قد تتأخر في لحظة الخطر، وأن التاريخ لا يطلب الإذن حين يقرع الباب.

في تلك القرى، يجلس رجل مسن أمام منزله، ينظر إلى التلال كمن يحصي المسافات. لا يرفع شعارات، ولا يفاوض أحداً، لكنه يحمل في داخله سؤالاً ثقيلاً: إذا تغيّرت المعادلات على الأرض، هل سيُترَك المكان مكشوفاً؟ هل ستأتي الدولة بجيش قادر على الردع، أم تأتي بصورة على شاشة ثم تذهب؟ المخاوف هنا ليست تنظيراً. إنها ذاكرة. والذاكرة في لبنان قوة سياسية بحد ذاتها.

ولهذا، فإن حصر السلاح، نزع السلاح- أيّاً كان عنوانه- لا يمكن أن يُطرح كإجراء منفصل عن “البديل”. البديل ليس كلمة. البديل خطة واضحة، حضور دائم، قدرة على التدخل، وعدالة تمنع الناس من اللجوء إلى “حمايات” موازية. وإلا، يصبح الانتقال قفزة في الهواء: خطوة تبدو شجاعة في بيروت، لكنها قد تُقرأ في الأطراف كمغامرة غير محسوبة.

إقرأ على موقع 180  لبنان: حكومة أديب أمام مفترق النجاة أو الإعتذار

في مقهى بيروتي مزدحم، حيث تختلط أحاديث السياسة بفناجين القهوة، يتحدث شابان عن الانتخابات المقررة في ربيع العام 2026 كما يتحدثان عن الطقس، شيء قادم لا محالة، لكنه قد يحمل عواصف. أحدهما يقول إن حصر السلاح هو فرصة أخيرة لانتخابات “طبيعية”، لا يثقلها ظل القوة الميدانية. الآخر يرد بمرارة إن اللعبة أكبر من صندوق اقتراع، وإن النفوذ لا يُحيّد بقرار. في الحقيقة، كلاهما يلمس طرفاً من المعنى. لأن الأمن في لبنان ليس مجرد ملف؛ هو شرط للحرية اليومية، بما فيها حرية الاختيار السياسي.

الدولة تكون عندما تهب العواصف

في الكواليس، ثمة من يهمس عن المجتمع الدولي، عن دعم، وعن شروط، وعن رسائل لا تُقال مباشرة. لكن الأهم من كل ذلك ليس ما يريده الخارج، بل ما يقدر الداخل على احتماله. لأن أي خطة لا تعيش على القبول الاجتماعي تتحول إلى عبء إضافي. لبنان جرب كثيراً أن يُدار بالأوامر، وخرج في كل مرة أكثر انقساماً.

الدولة تطلب من الناس أن يسلّموا ما اعتادوا اعتباره أدوات حماية- سواء كانوا يعتبرونها ضرورة أو عبئاً أو رمزاً- وتعدهم بحماية مؤسسية. لكن المؤسسات في لبنان ليست في أفضل حال. المواطن الذي ينتظر الكهرباء ومياه الاستخدام، كما ينتظر معجزة صغيرة، والذي يرى العدالة تتعثر في المحاكم والملفات، والذي يراقب الإدارة تُستنزف بالمحسوبيات، لا يمنح ثقته بسهولة. ليس لأنه يحب الفوضى، بل لأنه تعلم أن الوعد وحده لا يكفي.

وهكذا تظهر المفارقة اللبنانية بوضوح موجع، حصر السلاح يحتاج دولة قوية وعادلة، والدولة القوية والعادلة تحتاج حصر السلاح كي تُبنى وتستمر. دائرة مغلقة، لا تُكسر بالشعارات، بل بتزامن خطوات. أمنٌ يثبت استمراريته. قضاءٌ يستعيد هيبته. إدارةٌ تخدم بلا إذلال، وشبكة أمان اجتماعي تمنع أن يتحول الفقر إلى سوق للعنف.

نجاح الخطة لا يُثبّت في المؤتمرات الصحافية. يُثبّت عندما يعود التاجر إلى منزله ليلاً بلا قلق. عندما لا يحتاج المواطن إلى وسيط ليحصل على حقه. عندما يصبح القانون أسرع من الشائعة، وأقوى من “الاستثناء”، وأوضح من “المنطقة الرمادية”. يثبت عندما تنخفض كلفة الخوف التي دفعها اللبنانيون سنوات طويلة في الموت وفي الأعصاب وفي الأحلام والحقوق البديهية المؤجلة.

الأسابيع والأشهر المقبلة ستكشف إن كانت الراية وحدها تستطيع أن تصير مظلة فعلية، لا صورة معلّقة فوق حاجز. الطريق إلى الدولة الواحدة لا يمر فقط عبر نقطة تفتيش على الساحل، بل عبر قدرة الدولة على أن تكون حاضرة عندما تغيب كل الحمايات الأخرى، وأن تكون عادلة عندما تتنافس المصالح، وأن تكون ثابتة عندما تهبّ العواصف. وحين تتحقق هذه المعادلة، لن يحتاج سائق الشاحنة إلى أن يسأل نفسه إن كان الزي الرسمي يحميه. سيكون يعرف ذلك كما يعرف الطريق التي ستأخذه وتعيده سالماً.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

دكتوراه في الأنتروبولوجيا الاقتصادية؛ كاتب وباحث في شؤون العمال والحماية الاجتماعية؛ خبير في الحوار الاجتماعي والحوكمة والتدريب.

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  الصراع على فلسطين.. القدس مركز العالم (4)