من هرمز إلى الصين.. الحرب الإيرانية تفرض توازناً دولياً جديداً

تستمر حرب إيران بوسائل أخرى. منها استعراض القوة بين واشنطن وطهران في مضيق هرمز، مع الإيحاء بالرغبة في التفاوض والعودة إلى إسلام آباد، ثم التراجع، واللجوء إلى جولة جديدة من التهديدات، واعتلاء سفينة من هنا وسفينة من هناك، في اختبار للقدرة على تحمل الضرر الناجم عن إغلاق المضيق والحصار البحري المفروض على الموانىء الإيرانية.

لا يميل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى استئناف العمليات العسكرية، مراهناً على أن الحصار البحري يقوم مقام الحرب، في الضغط على إيران، لتليين موقفها والقبول بالشروط الأميركية التي حملها نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جولة إسلام آباد الأولى في 10 نيسان/أبريل الجاري. ويسعى في الوقت نفسه إلى الظهور بمظهر غير المستعجل لإنهاء النزاع، بأقل من الحصول على امتثال إيراني للمحددات الأميركية. ولذلك، أحجم عن ارسال نائبه الأسبوع الماضي إلى باكستان في اللحظة الأخيرة، وهذا ما فعله بالأمس عندما طلب أيضاً من مبعوثه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر إلغاء رحلتهما المقررة إلى إسلام آباد، وقال لقناة “فوكس نيوز”، إنّ القيام برحلة تستغرق 18 ساعة “لا جدوى منه في ظلّ المعطيات الحالية”، وأضاف: “يمكن للإيرانيين الاتصال بالولايات المتحدة في أي وقت يريدون”!

وفيما يتمسك الإيرانيون برفع الحصار البحري، شرطاً مسبقاً للذهاب إلى جولة ثانية من المفاوضات، وهو ما أبلغه وزير خارجية الإيراني عباس عراقجي إلى القيادتين الباكستانية والعُمانية، في الساعات الأخيرة، يُراهن ترامب على أن الحصار البحري، سيحرم إيران من العائدات المالية التي تجنيها من تصدير النفط، وبأنها ستكون مرغمة بعد أيام، بحسب تقديرات لـ”مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات” المناهضة بشدة لإيران، على إعلان القوة القاهرة في حقول الانتاج، بعد أن تمتلىء الخزانات في جزيرة خرج التي تصدر منها إيران 90 في المئة من نفطها.

لكن هذه التقديرات تبدو غير دقيقة، كون الحصار الأميركي يفرض في منطقة شاسعة (تبلغ مساحة بحر العرب نحو 4 ملايين كيلومتر مربع وبحر عُمان نحو 200 ألف كيلومتر مربع)، الأمر الذي يتيح للناقلات الإيرانية المناورة، وخرق الحصار في الاتجاهين. وثمة بيانات بحرية تتحدث عن 30 حالة من هذا النوع حتى يوم أمس الأول الجمعة.

هذه السياسة ليست آمنة بما يكفي لترامب، الذي يواجه استحقاقات داهمة في الفترة المقبلة. ففي الأول من أيار/مايو، يتعين عليه العودة إلى الكونغرس، للحصول على تفويض باستخدام القوة ضد إيران، أو إبلاغ المشرعين بأنه عازم على خفض التصعيد في غضون شهر. وفي الأثناء، ما تزال إيران تمسك بعصب الاقتصاد العالمي، طالما هي قادرة على إغلاق المضيق، مما يبقي أسعار النفط بحدود المئة دولار. وبدأ التوتر في الولايات المتحدة يتسرب إلى صفوف الجمهوريين قبل ستة أشهر من الانتخابات النصفية المقررة في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

ويُحذّر الكاتب في مجلة “فورين بوليسي” الأميركية مايكل هيرش، من “أن النزاع الجاري لا يشبه بشكل كامل حرب فيتنام، لكنه بات يعكس بشكل متزايد الديناميات الاستراتيجية التي أدت إلى فشل الولايات المتحدة في تلك الحرب”.

زدْ على ذلك، أن الباعث على القلق في الداخل الأميركي، ليس مرده النواحي الاقتصادية فحسب. هناك المكانة الجيوسياسية لأميركا في مواجهة الصين، لا سيما أن الحرب، أثبتت أن ثمة حدوداً لما تستطيع القوة العسكرية الأولى في العالم، فعله.

ومثلما دفعت الحرب الإيرانية باقتصادات دول كثيرة إلى الاقتراب من الركود بفعل التضخم وارتفاع الأسعار، فإن تأثيراتها على توازن القوى الدولي، آخذة في التبلور. وما يقلق صانعي القرار في أميركا اليوم، هو النقص الحاصل في الذخائر؛ ذلك، أنه منذ بدء الحرب، استهلكت أميركا 1100 صاروخ “كروز” بعيد المدى، كانت معدة في الأساس للاستخدام في أية مواجهة مع الصين. واستخدم الجيش الأميركي ما يتراوح بين 1500 و2000 صاروخ “باتريوت” و”ثاد” مضادة للصواريخ، قيمة الصاروخ الواحد منها تبلغ 4 ملايين دولار، فضلاً عن ألف صاروخ “أتاكامز”، مما تسبب بقلق على المخزون المتبقي منها.

وبحسب تقارير نشرتها صحيفتا “النيويورك تايمز” و”وول ستريت جورنال” الأميركيتان نقلاً عن مسؤولين في الإدارة الأميركية والكونغرس، فإن الحرب أرغمت البنتاغون على السحب من المخزون الآسيوي والأوروبي. وهذا تطور من شأنه أن يُضعف جاهزية أميركا، في حال نشوب مواجهة ما مع الخصمين التقليديين، روسيا والصين. هذا الوضع، دفع الإدارة الأميركية إلى البحث عن الوسائل التي تستطيع من خلالها تعويض النقص التسليحي. ويخشى المسؤولون الأميركيون أن لا تكون بلادهم قادرة على تنفيذ الخطط الطارئة للدفاع عن جزيرة تايوان إذا ما تعرضت لغزو صيني في المستقبل القريب.

وتفيد التقديرات، بأن أميركا يستلزمها نحو ست سنوات لتعويض النقص الحاصل في الذخائر. وتراوح مجموع الانفاق على الحرب ما بين 25 مليار دولار و35 مليار دولار. والنقص الحاصل في الذخائر، حمل البيت الأبيض على الضغط من أجل استثمارات كبيرة في القاعدة الصناعية الدفاعية لتجديد الترسانة الأميركية، وعمد إلى الطلب من الكونغرس المصادقة على 350 مليار دولار للذخائر المهمة، في الموازنة المالية لعام 2027.

إقرأ على موقع 180  الثّقافة الكربلائيّة.. منظومة دفاعية، فردية وجماعية!

وبينما يستعد ترامب لزيارة بكين ولقاء الرئيس شي جين بينغ في منتصف أيار/مايو المقبل، استبعدت الاستخبارات الأميركية في تقويم لها في آذار/مارس المنصرم، أن تعمد الصين إلى غزو تايوان في 2027، من دون أن تتخلى عن خططها لفرض السيادة الكاملة على الجزيرة بحلول 2049، في الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية الصين الشعبية.

وسبق لرئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الجنرال دان كين، أن أثار احتمال أن تواجه أميركا نقصاً في الصواريخ الدقيقة قبل الحرب، بيد أن ترامب لم يصغِ إليه، على أساس أن عملية “الغضب الملحمي” لن تستغرق أكثر من أيام معدودة، لأن النظام في إيران سيتداعى بعد تصفية كبار قادته السياسيين والعسكريين.

وما يضاعف القلق الأميركي، هو أن التسريبات التي ترشح عن الاستخبارات الأميركية، تفيد بأن إيران ما تزال تحتفظ بنصف مخزونها من الصواريخ ومنصات الإطلاق، وكذلك بالنسبة إلى مخزونها من مسيّرات “شاهد”، بينما الحرس الثوري يُمسك بكل تفاصيل القرار السياسي والعسكري في البلاد، منذ اغتيال المرشد علي خامنئي في اليوم الأول للحرب.

يقود كل ذلك إلى الاستنتاج بسهولة أن الوقت والجغرافيا، لا يعملان لمصلحة ترامب، بينما احتمال استئناف العمليات العسكرية والذهاب إلى حد تدمير “محطات الكهرباء والجسور” في إيران، والسعي الحثيث لفصل المسارين اللبناني والعراقي عن إيران، لن يضمنا له استسلام النظام الذي يصفه الباحث البارز في معهد “أميركان إنتربرايز” بريان كارتر بأنه “نظام إيديولوجي بشكل لا يُصدّق والجهات الفاعلة الموجودة في السلطة، ملتزمة جداً بـ”الانتصار في الحرب”، ويبدو أنها على استعداد لتحمل أضرار اقتصادية فادحة لتحقيق ذلك”.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  لبنان بين "مطرقة غياب الردع" و"سندان السيادة المسلوبة"!