خرائط تُكتب بالنار… وتُدار بالشبكات
Flag and country of Iran layered over the USA flag. With a weathered, textured graphic design edit. Diplomatic, conflict concept."n"n

يقرأ ميشيل فوكو الحرب بوصفها امتدادًا لشبكات القوة التي تنسج ذاتها داخل الخطاب والمؤسسات، حيث تتحوّل المواجهة إلى تقنية لإعادة توزيع السلطة أكثر من كونها حدثًا عسكريًا صرفًا. ضمن هذا المنظور، تتبدّى الحروب الكبرى كآليات إنتاج للواقع السياسي، تُعيد ترتيب العلاقات بين المعرفة والقوة، وتكشف البنية العميقة التي تتحرّك ضمنها الدول وهي تسعى إلى تثبيت حضورها.

في هذا السياق، تندرج المواجهة مع إيران داخل ما يمكن تسميته “أنظمة الاستعادة”، حيث تتحوّل الحرب إلى ممارسة تهدف إلى إعادة تشكيل المجال الاستراتيجي عبر ضبط الإيقاع العام للقوة. هنا، تغدو العمليات العسكرية خطابًا ماديًا، يكتب نفسه عبر الجغرافيا والبنى التحتية والأسواق، فيعيد تعريف ما يُعدّ ممكنًا داخل النظام الدولي.

تشتغل هذه الحروب عبر اقتصادٍ دقيق للسلطة، حيث يتوزّع الضغط بين الجبهة العسكرية، والفضاء الاقتصادي، وحقل الرمزية السياسية. يشكّل مضيق هرمز مثالًا مكثفًا على ذلك، بوصفه عقدة تتقاطع فيها المعرفة الاستراتيجية مع التحكم بالتدفقات الحيوية. السيطرة على هذا الفضاء تعني إعادة تشكيل الزمن الاقتصادي نفسه، حيث تتبدّل إيقاعات السوق تبعًا لحركة السفن، وتغدو الطاقة أداة لإعادة إنتاج موازين القوة.

في هذا التكوين، تتكشّف حدود القوة عبر آلية تبدو أشبه بما وصفه فوكو بانتشار السلطة في الشبكات. كل تصعيد يوسّع دائرة الفاعلين، وكل ضربة تفتح مجالًا لخطابات مضادة، بحيث يتعذّر احتكار المعنى أو حصر التأثير. بذلك، تتحوّل الحرب إلى حقل إنتاج مستمر، يتكاثر فيه الفعل وردّه، وتتوزّع فيه السلطة على مستويات متعدّدة، من الدولة إلى الفاعلين غير التقليديين.

تنعكس هذه الدينامية على بنية التحالفات، حيث يغدو التماسك مسألة تفاوض دائم. التحالف هنا شبكة علاقات قابلة لإعادة التشكيل مع كل تحوّل في الكلفة أو في تعريف المصلحة. ومع ارتفاع الضغط، تنشأ انزياحات داخلية تعيد توزيع الأدوار، وتفتح المجال أمام قوى صاعدة لإعادة كتابة موقعها ضمن النظام الدولي.

ضمن هذا المشهد، تبرز الصين بوصفها فاعلًا يشتغل عبر منطق مختلف، قائم على إدارة التدفقات بدل السيطرة المباشرة، وعلى إنتاج النفوذ عبر الاقتصاد والمعرفة. هذا التباين بين منطقين- أحدهما يرتكز على القوة العسكرية، والآخر على التراكم الاقتصادي- يؤسس لتحوّل تدريجي في شكل السلطة العالمية، حيث تتقدّم الشبكات على المراكز، وتغدو السيطرة مسألة توزيع دقيق للقدرة بدل احتكارها.

تحليل هذا المسار يكشف ثلاث حركات متزامنة: انتقال مركز الثقل من الحسم إلى إدارة الكلفة؛ تصاعد دور الأدوات غير التقليدية في إنتاج القوة؛ إعادة تعريف الردع بوصفه قدرة على تشكيل السلوك أكثر من مجرد تهديد بالعقاب. في هذا الإطار، تغدو الحرب جهازًا لإعادة إنتاج النظام، يعيد صياغة القواعد التي تحكم الفاعلين ضمنه.

هكذا تنكشف الحرب كفضاء تتقاطع فيه الرغبة في السيطرة مع انتشار القوة داخل شبكاتها. كل محاولة لإعادة تثبيت التوازن تفتح مسارًا جديدًا لإعادة تشكيله. هكذا يتقدّم العالم نحو بنية أكثر سيولة، حيث تتوزّع السلطة عبر قنوات متعددة، وتُعاد كتابة خرائط النفوذ من داخل الحركة ذاتها، في مسارٍ يتكثّف ببطء ويعيد تعريف معنى القوة في القرن الحادي والعشرين.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  عن الحياد اللبناني.. وما اليه
عبد الحليم حمود

رئيس تحرير مجلة "بوليتيكا"؛ روائي وفنان تشكيلي لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  المنازلة الإيرانية الإسرائيلية.. غير مسبوقة في التاريخ العسكري!