لبنان المستحيل ولبنان الممكن.. قراءة في الأزمات والحلول

ليس العالم الذي نعيش في ثنايا أحداثه اليوم، بكل ما فيها من عنف وقتل وتدمير وتشويه وتصحير، هو العالم المثالي الذي كنا نطمح أن نوصل أولادنا إليه. عالمٌ لا يُمكن اعتباره صيغة نهائية سواء للتاريخ أو للسياسة. هو احتمالٌ من بين احتمالات آتية قد تكون أسوأ أو أحسن. المهم أن تحمل في طياتها قضية ما. معنى ما.

حين يصبح الواقع مُثقلًا إلى حدّ العجز عن تفسير نفسه، لا يعود الخيال ترفًا فكريًا ولا هروبًا أدبيًا، بل يتحوّل إلى أداة نقدية ضرورية. في مثل هذه اللحظات، يغدو التفكير في «عالم موازٍ» فعلًا سياسيًا بامتياز، لا لأنه يعد بالخلاص، بل لأنه يزعزع المسلّمات التي تُقدَّم بوصفها قدرًا.

من هذا المنظور، لا يُقصد بالعالم الموازي كونًا خياليًا منفصلًا عن الواقع، بل فضاءً ذهنيًا نعيد فيه اختبار القوانين والمؤسسات والسياسات كما لو أنها قابلة لإعادة الصياغة. فالقول بأن «لا بديل» ليس تعبيرًا عن الواقعية، بل عن انسداد الخيال السياسي. وحين يُغلق أفق البدائل، يتحوّل العنف من استثناء إلى بنية دائمة، ويغدو الظلم جزءًا طبيعيًا من النظام، لا خللًا طارئًا فيه. هنا تحديدًا، يصبح تخيّل عالم آخر شرطًا أخلاقيًا لفهم هذا العالم، لا نقيضًا له.

 (Photo by ANWAR AMRO / AFP) (Photo by ANWAR AMRO/AFP via Getty Images)

في الحالة اللبنانية، يكتسب هذا التمرين بعدًا مضاعفًا. يبدو لبنان وكأنه يعيش فعلًا في رواية خيال علمي (science fiction) متعثّرة. مؤسسات قائمة لكنها عاجزة. قوانين مكتوبة لكنها قابلة للتأويل اللامحدود. قرارات مؤجلة. سلطةٌ تُمارَس كغيابٍ أكثر مما تُمارس كفعل. المواطن حاضر دائمًا في الخطاب، غائب دائمًا عن القرار، مشارك بالصمت، وموجود على هامش دولة لا تنجح في تحويل وجودها الشكلي إلى معنى سياسي.

لبنان، بهذا المعنى، ليس كيانًا واحدًا، بل توتّرًا دائمًا. طوائف تصعد وأخرى تنزل. عالم قائم تتراكم فيه الوقائع من دون أن تنتج معنى، وعالم آخر مكتمل نظريًا، لكنه غائب عمليًا، كصورة معلّقة في مرايا المستقبل. التشابه بينهما شكلي، أما الاختلاف فبنيوي، يتعلق بكيفية فهم الدولة والسياسة والقرار. ففي العالم القائم، لا تُدار الدولة كمشروع عقلاني، بل كمساحة دائمة لتأجيل الحسم. القرار يُرحَّل لأن السياسة فقدت قدرتها على القطع، واكتفت بإدارة الاحتمالات وتلقف الأحداث لا صنعها. السلطة لا تنظّم الممكن، بل تعطلّه، والغموض يتحوّل إلى أداة حكم.

هذا التعطيل لا يظهر فقط في القضايا الكبرى، بل يتجسّد يوميًا في تفاصيل الحياة العادية. فالدولة لا تُقاس بخطاباتها ولا بشعاراتها، بل بما يواجهه المواطن عند دخوله دائرة رسمية، أو طلبه خدمة عامة، أو مراجعته لمستشفى أو مدرسة أو إدارة رسمية. هناك، يتكشّف واقع إدارة مشوشة، ومسؤوليات ضائعة، وإجراءات متشابكة بلا منطق ولا أجوبة واضحة. الوقت يُستنزف، والكرامة تُرهق، والخدمة العامة تتحوّل إلى عبء نفسي قبل أن تكون حقًا إداريًا. الأخطاء ليست استثناءً، بل نتيجة طبيعية لانقطاع الصلة بين المواطن والإدارة، ولتحوّل المؤسسات إلى هياكل تعمل خارج زمن الفعل السياسي الطبيعي.

في هذا العالم الواقعي، يعيش المواطن علاقة حذر مع الدولة، لا علاقة ثقة. المشاركة تُستبدل بالانتظار، والانتماء الوطني يتراجع لصالح انتماءات فرعية؛ جزئية تُستخدم كآليات بقاء، لا كخيارات حرة. السياسة، بدل أن تكون أداة لتنظيم الاختلاف، تتحوّل إلى إدارة للفوضى، أو إلى صراع دائم على تعطيل الخصم وتكبير الذات. وحين تضرب الأزمات هذه المساحة الجغرافية المُسماة “وطن”، لا تتحوّل الصدمات إلى لحظات وعي جماعي، بل إلى ساحات نزاع إضافية. تنفجر العاصمة. ينهار اقتصاد البلد. تختفي ودائع اللبنانيين. الحرب تداهم الجميع. تتعدّد السرديات لهذه الأزمة أو تلك. يغيب الفهم المشترك، ويصبح الشارع بديلًا هشًا عن دولة عاجزة عن تحويل الغضب إلى فعلٍ إصلاحيٍ.

في المقابل، يتيح التفكير في عالم موازٍ رؤية لبنان مختلف. لبنانٌ آخر، لا تُلغى فيه التناقضات، بل تُنظَّم. في هذا الفضاء الافتراضي، السياسة أداة عقلانية لإدارة الاختلاف، لا تهديدًا دائمًا للنظام. الخلاف جزء من طبيعة المجتمع، لا خطرًا وجوديًا عليه. المؤسسات تستعيد معناها كوسيط بين إرادات متعارضة، والبرلمان يصبح إطارًا لتحويل الانقسام إلى قرار، لا مسرحًا لتعطيل الزمن. القانون يعود مرجعية عامة، لا نصًا قابلًا للاستخدام الانتقائي.

في هذا العالم، المواطن معترف به، لا بوصفه تابعًا أو رقمًا، بل شريكًا سياسيًا. مشاركته ليست ولائية، بل مدنية، نابعة من كونه جزءًا من العقد الاجتماعي. الإجراءات واضحة، المهل محددة، والمسؤوليات موزّعة. الموظف العام لا يُنظر إليه كحارس على المواطن، بل كوسيط بينه وبين القانون. الأخطاء تُعالج عبر آليات مساءلة، لا عبر الإهمال أو الوساطة. الراتب مرتبط بوظيفة واضحة، التقديمات الاجتماعية حق لا منة واستجداء. الخدمة العامة جزء من التزام الدولة تجاه مواطنيها.

تظهر الفوارق بوضوح أكبر عند مقارنة كيفية إدارة الأزمات. ففي الواقع اللبناني، تتحوّل الأزمة الاقتصادية مثلًا إلى جدل دائم حول الأرقام، تُستغل فيه الخسائر سياسيًا، وتُرحَّل الحلول باسم التعقيد. أما في العالم الموازي، فالأزمة تُواجه باعتراف سياسي واضح، وتوزيع معلن للخسائر، وخطة إنقاذ مرتبطة بمساءلة المؤسسات. القضاء، الذي يتحوّل في الواقع إلى ساحة ضغط أو رمز صراع، يصبح في العالم الموازي ممارسة رتيبة للعدالة، بلا بطولة ولا انتقائية. والطائفية، التي تُستخدم أداة حكم وتبرير للعجز، تُعاد إلى موقعها الاجتماعي والثقافي، كإطار اختلاف لا شرطًا مسبقًا للعمل السياسي.

إقرأ على موقع 180  فيروز وماكرون.. لبنان يزداد غنى على غنى

حتى البرلمان، الذي يُستنزف فيه الوقت كأداة ضغط في الواقع القائم، يستعيد وظيفته الطبيعية في العالم الموازي: الجلسة قاعدة، والتصويت نهاية منطقية للنقاش، والنجاح يُقاس بقدرة المؤسسة على إنتاج القوانين ووضعها موضوع التنفيذ. الاحتجاج بدوره لا يُقمع ولا يُقدّس، بل يُفهم ويُدمج في دورة السياسة، بوصفه شريكًا نقديًا لا بديلًا عن الدولة. أما الخدمات الأساسية، من كهرباء واستشفاء وتعليم، فتتحوّل من ساحات عجز إلى مجالات تخطيط واضح، حيث الخدمة حق، والمسؤولية محددة، والجودة معيار مؤسسي.

لكن هذا العالم الموازي، بكل ما يحمله من انتظام ومعنى، ليس وعدًا بالخلاص ولا مشروع يوتوبيا. إنه معيار نقدي يُستخدم لطرح السؤال الجوهري: ما الذي يجعل الكيان سياسيًا فعلًا؟ هل هو مجرد وجود المؤسسات، أم قدرتها على إنتاج القرار والمعنى؟ وحين تعجز الدولة عن الإجابة، يصبح الواقع هشًا، قابلًا للتأويل، ومعرّضًا للتكرار. هنا، لا يعود الخيال نقيضًا للواقع، بل وسيلة لفرضه على طاولة الفهم النقدي.

في المسافة بين العالمين، يتكشّف السؤال الأعمق الذي يلاحق التجربة اللبنانية: هل الأزمة أزمة إدارة فقط، أم أزمة معنى؟ وهل ما نعيشه اليوم هو الاحتمال الوحيد الممكن، أم مجرد نسخة متداعية لعالم كان يمكن أن يكون أكثر عدلًا، وأوضح قرارًا، وأغنى بالمعنى؟ التفكير في هذا السؤال، بحد ذاته، قد يكون الخطوة الأولى للخروج من وهم أن الواقع، كما هو، قدرٌ لا يُمس.

Print Friendly, PDF & Email
نضال خالد

باحث في التنمية المحلية والبلديات، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  روسيا وإيران تتحصنان بـ"علاقات إستراتيجية" غير مسبوقة!