هندسة الفراغ العمراني في جنوب لبنان.. جريمة ضد الإنسانية

تُظهر الحروب الإسرائيلية المتعاقبة على لبنان وجنوبه أنّ التهجير والتدمير لم يكونا نتيجةً جانبيةً للعمليات العسكرية، وإنما جزءٌ من هندسة الحروب الإسرائيلية المتكرّرة. المحطات كثيرة ولكن أفدحها ما شهدناه بعد اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 وما نشهده منذ سريان هدنة 17 نيسان/أبريل 2026. هناك نحو 100 قرية لبنانية، بينها حوالي خمسين قرية ومزرعة ضمن ما يسمى "الخط الأصفر" يتم تجريفها وتدميرها بالكامل مثل بنت جبيل وعيتا الشعب والخيام والطيبة وميس الجبل ورشاف والبياضة ومحيبيب ومارون ويارون وكفركلا وعديسة وعيترون وعيناتا وبليدا ومركبا ورب ثلاثين وغيرها.

من حولا وكفرشوبا إلى 1993
ليست فكرة التدمير الإسرائيلي للقرية الجنوبية جديدة تماماً. منذ العام 1948 شنّ جيش الإحتلال العديد من الحملات العسكرية ضد دساكر المدنيين الجنوبيين، ولعل ذاكرة الكثيرين تؤرخ بالدم لمجزرة حولا في العام 1948 والتي ذهب ضحيتها أكثر من سبعين شهيداً ولمجزرة كفرشوبا عندما اقتحمها جنود الاحتلال في مطلع العام 1975 ودمّروا معظم منازلها (أكثر من 250 منزلاً من أصل 350) وسقط العشرات من أبنائها بين قتلى وجرحى. وقد مثّلت بلدة حانين في قضاء بنت جبيل، عام 1976، سابقة مبكرة في التدمير الشامل والتهجير القسري النهائي، ضمن البنية الأمنية الحدودية التي سبقت الاحتلال الإسرائيلي المباشر الواسع للجنوب عام 1978، وذلك وفق القاعدة الآتية: القرية التي لا تتكيف مع المتطلبات الأمنية الإسرائيلية تنال عقاباً جماعياً ومحواً عمرانياً.

ومع عملية “جنوب الليطاني” في آذار/مارس 1978، شهد الجنوب اللبناني أكبر عملية تهجير منذ العام 1948، إذ نزح أكثر من مائة وخمسين ألف لبناني من المنطقة الممتدة من الحدود مع فلسطين المحتلة جنوباً حتى ضفة نهر الليطاني شمال صور، كما تم تدمير آلاف الوحدات السكانية والكثير من مشاريع البنى التحتية. وفي صيف العام 1982، عاش اللبنانيون تجربة لا مثيل لها، مع الاجتياح الذي بلغ عاصمتهم بيروت وأدى إلى تهجير واسع وآلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين. صحيح أن الحملات الإسرائيلية لم تتوقف طوال ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن تموز/يوليو 1993 مثّل انتقالاً من العقاب الموضعي إلى التهجير الواسع. ففي عدوان الأيام السبعة (تصفية الحساب)، سعت إسرائيل إلى إحداث نزوح كبير في الجنوب للضغط على الحكومة اللبنانية والبيئة الحاضنة للمقاومة. وقد لاحظت منظمة “هيومن رايتس ووتش” لاحقاً أن إسرائيل كررت في حرب نيسان/أبريل العام 1996 (عناقيد الغضب) ما فعلته في العام 1993، أي السعي إلى إحداث “نزوح جماعي” للسكان المدنيين في جنوب لبنان كوسيلة ضغط على الحكومة اللبنانية والمقاومة في آن، بما يشكّل خروجاً عن القانون الدولي: فعندما يصبح نزوح المدنيين مقصوداً بحد ذاته، لا مجرد نتيجة عرضية، فإن القانون الدولي الإنساني لا يجيز استخدام المدنيين وممتلكاتهم كورقة ضغط على طرف سياسي أو عسكري. ووثّقت المنظمة قيام الطائرات الإسرائيلية بشن نحو 600 غارة واطلاق قرابة 25 ألف قذيفة مدفعية، ما أدى إلى مقتل 154 مدنياً وجرح 351 آخرين في كل لبنان. كما اتهم التقرير إسرائيل بنمط تهجير جماعي للسكان المدنيين في الجنوب.

واللافت للانتباه أن عدوان نيسان (أبريل) 1996 بيّن أن التحذير بالإخلاء لا يكون دائماً إجراءً إنسانياً؛ فقد يتحول إلى أداة ترهيب حين يقول للمدنيين ضمنياً: اتركوا أرضكم وبيوتكم أو تحمّلوا مسؤولية ما سيقع عليكمّ!

من حرب 2006 إلى حرب 2024
انتقلت الاستراتيجية من تهجير القرى الجنوبية إلى ضرب البنية المدنية اللبنانية على نطاق وطني في حرب تموز/يوليو 2006. وثّقت لجنة التحقيق التابعة لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة أنّ أكثر من 900 ألف شخص فرّوا من منازلهم، وأنّ النزاع طوال 33 يوماً (من 12 تموز/يوليو حتى 14 آب/أغسطس 2006) كان نزاعاً مسلحاً دولياً تنطبق عليه قواعد القانون الدولي الإنساني.

كما أوردت وثائق اللجنة أن أضراراً كبيرة لحقت بالبنية المدنية، بينها تدمير 109 جسور و137 طريقاً، وأن الحكومة اللبنانية تحدثت عن استهداف 32 “نقطة حيوية”، وأنّ التدمير الكلي أو الجزئي لحق بنحو 30 ألف وحدة سكنية. هذه النقطة مهمة لأن القانون الدولي لا يحمي المدنيين فقط من القتل المباشر، بل يحمي أيضاً شروط حياتهم المدنية: البيت، الطريق، المدرسة، المستشفى، السوق، ومصدر الرزق.

وبعد هدنة استمرت 17 عاماً انخرطت المقاومة اللبنانية في حرب إسناد غزة في العام 2023، وهو مسار تم تتويجه إسرائيلياً في أيلول/سبتمبر 2024 بحملة من القصف الكثيف وأوامر الإخلاء الواسعة التي طالت أكثر من 160 قرية وأكثر من 130 مبنى. وبرغم أن القانون الدولي لا يحظر الإخلاء في كل الحالات، فإنه يشترط أن يكون مؤقتاً، ومحدوداً، ومبرراً إما بحماية السكان أنفسهم أو لضرورة عسكرية قاهرة. أما إذا أصبح الإخلاء واسعاً، وامتد زمنه، وترافق مع تدمير المساكن ومنع العودة، فإنه يتحول عملياً إلى تهجير قسري، وجريمة حرب يعاقب عليها مرتكبوها.

وإذا كانت كفرشوبا وحانين تمثّلان سابقة مبكرة في تدمير القرى الجنوبية وتهجير أهلها، فإن محيبيب (2024) تمثّل السابقة الحديثة في نمط “محو القرية” خلال الحرب. ففي 16 تشرين الأول/أكتوبر 2024، ظهر تدمير محيبيب لا بوصفه قصفاً عابراً أو اشتباكاً موضعياً، بل بوصفه عملية تفجير واسعة لقرية تاريخية بعد تفخيخ مبانٍ ومنشآت فيها. وقد أظهرت صور وتحليلات منشورة أن التفجير أدى إلى تدمير نحو 92 مبنى على الأقل، إضافة إلى تضرر منشآت مدنية أخرى، فيما وثّقت مقاطع مصوّرة جنوداً إسرائيليين يحتفلون بكبس زر التفجير.

2026: منع العودة والهدم بعد الهدنة
وتمثل محطة آذار/نيسان 2026 التحول الأخطر. ففي 31 آذار/مارس 2026، نقلت “رويترز” عن وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس قوله إن إسرائيل ستدمر “كلّ المنازل” في القرى اللبنانية القريبة من الحدود، وإن 600 ألف نسمة لن يُسمح لهم بالعودة حتى ضمان أمن شمال إسرائيل. ونقلت “رويترز” أيضاً عن خبير في قانون الحرب أن تدمير جميع المنازل قرب الحدود لا يفي بمعيار “الضرورة العسكرية المطلقة”، وأن منع السكان من العودة يشير بقوة إلى سياسة تهجير طويلة الأمد أو دائمة.

والملاحظ أنه بعد بدء هدنة 17 نيسان/أبريل، واستناداً إلى نقل أكثر من مصدر صحافي وشهود عيان وإلى صور نشرها الجيش الإسرائيلي، انطلقت عملية “هدم منهجي” في معظم قرى الجنوب الأمامية. وقد تحدثت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية عن سياسة تدمير مستوحاة من نموذج غزة لتدمير البنية المدنية جنوب “الخط الأصفر”. وذلك ما أكده وزير الحرب الإسرائيلي بأنهم سيدمرون قرى الحافة الحدودية الأولى والثانية كما في رفح وبيت حانون وغزة، وأنّ عملية التدمير الشامل منظمة ويقوم بها متعهدون. كما نقلت “الغارديان” أنّ الجيش الإسرائيلي يستخدم متعهدين مدنيين وجرافات لهدم منازل ومبانٍ، بينها مؤسسات تعليمية، حتى بعد وقف النار، وأن بعض المتعهدين يُدفع لهم وفق عدد المباني التي تُهدم، ما يؤكّد أنّ الهدف من كلّ ذلك هو تدمير شروط العودة نفسها.

القانون الدولي: أين تقع الجريمة المحتملة؟
تُحظر القاعدة 50 في القانون الدولي الإنساني (قانون الحرب) تدمير ممتلكات الخصم إلا إذا فرضت ذلك ضرورة عسكرية ملحّة، كما تحظر القاعدة 129 تهجير السكان المدنيين لأسباب تتصل بالنزاع، إلا إذا اقتضى ذلك أمن المدنيين أو أسباب عسكرية قهرية. وفي حالة السيطرة الفعلية أو الاحتلال، يصبح المعيار أشد. فالمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر النقل أو الترحيل القسري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين، وتحظر المادة 53 تدمير الممتلكات الخاصة أو العامة من قبل قوة الاحتلال إلا إذا جعلت العمليات العسكرية ذلك “ضرورياً ضرورة مطلقة”. أما نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية، فيدرج ضمن جرائم الحرب “التدمير الواسع والاستيلاء على الممتلكات، غير المبرر بالضرورة العسكرية، والمنفذ بصورة غير مشروعة وتعسفية”.

بناءً على ذلك، لا يكفي الادعاء العام بأن بعض الأبنية استُخدمت عسكرياً. يجب أن يكون هناك هدف عسكري محدد، وميزة عسكرية مباشرة، وضرورة لا بديل عنها، وأن يكون هناك تناسب بين الضرر المدني والهدف العسكري. أما تدمير مدرسة أو قاعة رياضية أو حي سكني بعد الهدنة، ومن دون تقديم دليل محدد على ضرورة عسكرية فورية، فيدخل في دائرة الشبهة القانونية الجدية.

وعليه، فإنّ تدمير البيت في الجنوب ليس خسارة عقارية فقط؛ إنه قطع علاقة الإنسان بأرضه، ونسف ذاكرته، ومحو مدخرات عمره، وتعطيل إمكان عودته. لذلك يحمي القانون الدولي الملكية الخاصة في النزاعات المسلحة، لأن تدمير الممتلكات المدنية الواسع يؤدي عملياً إلى تهجير السكان ولو لم تُنقل أجسادهم قسراً إلى خارج الحدود.

وإذا راجعنا سريعاً الشريط الممتد منذ العام 1948 حتى يومنا هذا مروراً بمحطات كفرشوبا وحانين و1993 و1996 و2006 تتبدى أمامنا استراتيجية إسرائيلية واضحة تجاه الجنوب. ففي البداية كان التهجير وسيلة ضغط، ثم صار التدمير أداة ردع ورفع كلفة. وبعد 2024 و2026، أصبح الخطر أكبر: منع عودة، هدم بعد الهدنة، وتدمير منظم لشروط الحياة المدنية. لذلك لا يمكن قراءته كأثر جانبي للحرب؛ إنه أقرب إلى هندسة فراغ: فراغ سكاني، فراغ عمراني، وفراغ أمني يُراد فرضه بالقوة على أرض لبنانية مأهولة تاريخياً.

لذلك، لا يكفي الخطاب السياسي وحده. المطلوب ملف قانوني كامل: صور أقمار صناعية، خرائط الإخلاء، تصريحات قادة العدو، إفادات السكان، سجلات الملكية، تواريخ التفجير، تحديد حالة السيطرة العسكرية عند الهدم، نوع الذخائر والآليات المستخدمة، وأسماء المنشآت المدنية المدمرة. بهذا فقط يمكن تحويل المظلومية إلى ملف اتهام قانوني: تهجير قسري، تدمير واسع وغير مشروع للممتلكات المدنية، وعقاب جماعي يخرق جوهر القانون الدولي الإنساني.

 

إقرأ على موقع 180  خطاب بري بذكرى الصدر.. الحوار والاصلاح وإلا الإنكشاف والانهيار

 

Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  كتاب "أميركا القيم والمصالح".. السعودية حليف أم صديق؟ (1)