العقلُ ميزة الإنسان الكبرى ومنبع قوته وتفوقه، كلما علا وسما واتسع الأفق الذي يجوبه؛ كلما حققت البشرية تقدمًا ورخاءً، وكلما ضاق وانغلق وتمركز حول صاحبه وحده؛ كلما تعثرت الحياة واستحالت. هذا الذي يتصوَّر أنه قد امتلك الكوكبَ، وحقَّ له أن يتصرَّف في خيراته وثرواته وحده، وأن يسطوَ على أنصبة الآخرين وينحيهم بالقوة عن طريقه؛ يتمتَّع ولا شك بدرجة من درجات الحمْق تستوجب إعادة النظر في ما أُعطِيَ له من سُلطة، وقد نظم الأبشيهي أوصافَ الأحمقِ المُتعارَف عليها في كتابه “المُستطرَف في كل فنّ مُستظرَف”، ومنها تركه النظر في العواقب وخلوه من العلم؛ فإذا قال لم يُحسِن وإذا قيل له لم يفقه، وأضاف أن هذه الخلال توجد في كثير الناس فلا يكاد يُعرَف العاقلُ من الأحمق؛ وإذ استمرَّت الحالُ على ما هي عليه في عصرنا هذا، فطبائع البشر التي لا تتبدَّل.
***
من الحِكم العربية السَّديدة التي تجد طريقها إلى ألسنتنا في عديد المواقف: “عدوَّ عاقل خيرٌ من صديقٍ جاهل”. العدو العاقل يتَّصف بالحِكمة ويمكن الوصول معه إلى حلول وسطى على أرضية مشتركة، أما الصديق الجاهل؛ فأحمق يتعذر التفاهم معه، وفي أقصوصةُ الدبّ الطيب، حسن النوايا، الذي تسبَّب في موت صاحبه دون أن يقصد؛ خير مثال.
***
في مسرحية ريا وسكينة؛ تقول الفنانة شادية لزوجها عبد المنعم مدبولي الذي يطرق بابَ حجرة النومِ بكلتي يديه في نزق ورعونة: “خبَّط بالعقل يا حَسبو”، يترجم حسب الله النصيحة حرفيًا، فيعقص رأسه ويضرب بها الباب؛ ليستجلب قهقهات المشاهدين. يبدو حسب الله في هذا المشهد أحمقًا بحق؛ لكنه الحمقُ المُتعمَّد الذي يقصده الشخصُ لهدف في نفسه، ويذكر في هذا الإطار جحا الذي تعمَّد أن يبدو طيلة حياته على طيف الحماقة؛ لعلَّه يصيب من وراء نوادره فائدة أو مَكسب.
***
أنشد أبو الطيب المتنبي بيته الشهير: “لكل داء دواء يُستطبُّ به/ إلا الحماقة أعيت من يداويها”، والحال أن من العلل ما يستعصي على العلاج، ولا ينفك يفتك بالمصاب حتى يقضي عليه. المتنبي من أنضج الشعراء في قرضِ أبيات الحِكمة، يمتاز على غيره بقوة العبارة وإحكام الصياغة وحسن انتقاء المفردات، وبموسيقى داخلية خاصة؛ تتيح لقصائده أن تسكن الذاكرة فلا تبارحها.
***
إذا تحيَّر الواحد أمام أمر مُلتبس؛ أوضح له العارفون ما خفي عنه من جوانب، ثم تركوا له اتخاذ القرار قائلين: “عقلك في راسك تعرف خلاصك”، والقصد أن يمنحوه مساحة للتفكير والتقدير والتدبُّر، وأن يحملوه مسئولية الاختيار؛ إذ هو الأجدر بتقرير ما يلائمه.
***
إذا عقل المرء الموقف فقد أخضعه للفحص والقياس ولجأ إلى تغليب المنطق، وإذا أغفل هذا كله، وترك لمشاعره العنان ولانفعالاته سُلطة الحُكم والتصرُّف؛ فالأغلب أن يرتكب عملًا أحمق. يقال دومًا إن النساء يسلكن في حيواتهن مسلكًا أهوجًا تقوده العواطف، وإنهن يقعن في أخطاء كبرى مؤثرة لهذا السبب؛ لكن للأمر وجهين؛ فالعواطف المتدفقة تقيهن في أحيان كثيرة شرَّ الجمود والتحجُّر، وتتيح لهن التنفيث عن الهموم والبلايا؛ ومن ثم تكسبهن الجَلَدَ وترفع قدرتهن على التحمُّل.
***
يقول المُتنبي أيضًا: “وذو العقل يشقى في النعيم بعقله/ وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم”، وثمة مأثور شعبي مواز يقول: “المجانين في نعيم“. الحق أن هذا المأثور غير دقيق، فمعاناة مَن ابتُلي بعِلة عقلية أو مرض لأكيدة مؤلمة، أما من اتخذ الحماقة رداءً لا يفارقه؛ فمستريح مسرور. بعض الناس قد أراحوا عقولهم وتخلوا عن رزانتهم، فما أخذوا الحياة على جدها ولا تأملوا يومًا فيها؛ إنما مضت بهم بسيطة خالية من التعقيد، يرون سطحها السَّلس وحده أما باطنها المركب فأعمق من إدراكهم، يحسدهم من استقروا على الجهة المقابلة، ويتمنون بعض الأحيان مكانهم.
***
يقدم الموروث الديني نصيحة مقتضبة وثمينة: “اعقلها وتوكل”، الصيغة آمرة والمعنى أن يؤدي الفرد ما عليه أولا وأن يجيده قبل أن يترك الأمر بين يدي القوة العظمى الفاعلة في الكون. الفرد قادر متحكم في مصيره مجبول على الاختيار، لا يصح أن يتخلى عن ملكاته، ولا أن يدع حاله للظروف؛ تتلاعب بمصيره وتقوده كيفما اتفق.
***
في مشهد إلقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطابه عند افتتاح مجلس السلام العالمي؛ أكبر دليل على غرق العالم في مستنقع من الحمق. اللقطات جميعها مغزولة من خيوط العبث؛ ناظر مدرسة يؤدب التلاميذ، يأمرهم بأداء أفعال محددة فيطيعون، يطلب أن يرفع أحدهم ذراعه وأن يقف آخر كي يراه الجالسون، يتحدث عن ثراء هذا وثروة ذاك ويوزع حبه وإعجابه بنسب متفاوتة تبعًا لحجم الاستثمارات والأصول. فاصل من الخزي لا يقبله عاقل ولا يرضى به سوى مأفون؛ لكن ثمة من رضي، وزاد في إبداء علامات الرضاء، وأسهب في المديح، واخترع من الأفضال ما يستثير التقزز والامتعاض.
***
يُقال إن “العقل زينة” والقصد أن حضوره وانعكاسه في التصرفات والأفعال يدعم صورة صاحبه، وأن غيابه أو اهتزازه وتواريه لأي سبب من الأسباب؛ يقبحها، وإذا كانت “الزينة” التي نعلن بها عن مناسباتنا المفرحة هي من الشكليات التي يمكن الاستغناء عنها؛ فالعقل ليس منها إنما هو أساس لا غنى عنه، ولا بديل حال أفوله.
***
العقلُ جوهر الحكم الرَّشيد، وفي مخطوطته “أخبار الحَمقى والمُغفلين” يقول ابن الجوزيّ: “مؤنة العاقل على نفسه ومؤنة الأحمق على الناس”، فمتى كان الحاكمُ عاقلًا كفى الناسَ شرَّه، وإن لم يكن؛ أثقل كواهلَهم وأورثهم البؤسَ والفقر.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
