المعطيات التي تسربت من داخل المؤسسات العسكرية الأميركية تشير إلى أن الجنرالات نقلوا إلى البيت الأبيض تقديرات مقلقة بشأن القدرة العملياتية للمنظومات الدفاعية والهجومية المنتشرة في المنطقة. فمع استمرار الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على القواعد الأميركية، بدأت مخزونات بعض أنواع الصواريخ، ولا سيما صواريخ الاعتراض والدفاع الجوي، تتناقص بوتيرة أسرع مما تستطيع خطوط الإنتاج تعويضه. هذا الواقع دفع القيادة العسكرية الأميركية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية، أبرزها نقل كميات إضافية من الصواريخ والذخائر من مخازن الجيش الأميركي في منطقة المحيط الهادئ باتجاه الشرق الأوسط. غير أن هذه الخطوة، على أهميتها اللوجستية، تعكس حجم الضغط الذي تتعرض له المنظومة العسكرية الأميركية في مسرح العمليات الحالي، حيث تتحول القواعد المنتشرة في الخليج والعراق وسوريا إلى أهداف شبه يومية في حرب استنزاف منخفضة الكلفة لكنها عالية التأثير.
المعادلة العسكرية هنا شديدة الوضوح: طائرة مسيّرة قد لا تتجاوز كلفتها بضعة آلاف من الدولارات، في مقابل صاروخ اعتراض واحد تصل كلفته إلى ما بين 10 إلى 15 مليون دولار (كلفة البطارية الكاملة ضمن منظومة الدفاع الجوي “ثاد” (THAAD) والتي تشمل الرادار ومنصات الإطلاق تتراوح ما بين 1.5 إلى 3 مليارات دولار تقريبًا). وفي ظل استخدام أسراب من المسيّرات الإيرانية في هجمات متزامنة، تصبح القواعد العسكرية الأميركية عرضة لضغط مستمر يهدف إلى إرباك الدفاعات واستنزافها.
لكن خلف هذه المعركة التقنية ثمة خلفية استراتيجية أعمق. ففي الوقت الذي كانت فيه إيران، على مدى سنوات طويلة، تُعِدّ العدة لمواجهة من هذا النوع عبر تطوير قدراتها الصاروخية وتحصين منشآتها العسكرية وبناء شبكة واسعة من المخازن والمنشآت والمدن الصاروخية تحت الأرض، كانت بعض دوائر القرار في واشنطن تعتقد أن ضربة مركزة قد تكون كفيلة بإحداث صدمة سياسية وعسكرية كبرى داخل إيران.
هذا التصور بلغ ذروته مع الرهان على أن اغتيال المرشد السيد علي خامنئي قد يفتح الباب أمام انهيار داخلي سريع، بما يشبه السيناريو الفنزويلي حين راهنت على إحداث تغيير سياسي سريع عبر الضغط الخارجي والدعم المباشر لقيادة بديلة.
غير أن هذه القراءة بدت بعيدة عن طبيعة النظام السياسي في إيران. فالجمهورية الإسلامية قامت منذ تأسيسها على مبدأ الاستمرارية المؤسسية، حيث جرى على مدى عقود بناء آليات دستورية واضحة لضمان انتقال السلطة في حال غياب المرشد. وتشير معطيات عديدة إلى أن خامنئي نفسه كان قد رتّب، منذ سنوات طويلة، الكثير من التفاصيل المتعلقة بإدارة الدولة في حال غيابه، سواء على المستوى السياسي أو العسكري.
ولهذا لم يكن التحضير الإيراني مقتصراً على الجانب السياسي فحسب، بل شمل أيضاً بنية الحرب نفسها. فإيران ركزت خلال العقدين الأخيرين على تطوير قدراتها الصاروخية بعيدة المدى، وتوسيع صناعاتها العسكرية المحلية، وبناء منظومات دفاعية ومنشآت تحت الأرض قادرة على الصمود في مواجهة ضربات واسعة النطاق.
وهكذا، بدل أن تؤدي الضربة الأولى إلى انهيار سريع كما توقع البعض، دخلت المنطقة في مرحلة مختلفة تماماً: حرب استنزاف متعددة الجبهات، تتداخل فيها الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة مع الحسابات السياسية الكبرى.
وفي هذا السياق، لا تقتصر القراءة المتشائمة لمسار الحرب على مراكز الأبحاث الأميركية، بل بدأت تظهر أيضاً في بعض الأصوات داخل إسرائيل نفسها. فقد كتب الصحافي الإسرائيلي ألون مزراحي أن ما يجري اليوم هو حدث تاريخي بكل المقاييس، معتبراً أن إيران تمكنت خلال أيام قليلة من توجيه ضربات واسعة للبنية العسكرية الأميركية في المنطقة، مستهدفة قواعد ومنشآت تُعد من بين الأضخم والأكثر كلفة في العالم في البحرين والكويت وقطر والسعودية. ويقول مزراحي إن هذه المنشآت التي كلفت الولايات المتحدة تريليونات الدولارات على مدى عقود باتت تتعرض للتدمير أو التعطيل بوتيرة غير مسبوقة، مشيراً إلى أن الرادارات المتطورة التي تكلف مئات ملايين الدولارات يمكن أن تُدمَّر في لحظات، وأن بعض القواعد العسكرية باتت تُخلى أو تتعرض للتخريب بعد الضربات. ويضيف أن الولايات المتحدة، في تقديره، لم تتعرض لمثل هذا الحجم من الدمار العسكري منذ عقود طويلة، مستحضراً المقارنة مع هجوم بيرل هاربور، مع فارق أن ما يجري اليوم ليس ضربة واحدة بل سلسلة عمليات متواصلة.
وفي ضوء كل هذه المعطيات، تبدو اللحظة التي تسبق اجتماع اليوم (الأحد) في واشنطن لحظة اختبار حقيقية للسياسة الأميركية. فالإدارة الأميركية تجد نفسها أمام خيارين صعبين: إما المضي في التصعيد العسكري على أمل فرض معادلة ردع جديدة، وهو خيار يحمل مخاطر توسع الحرب إلى نطاق أوسع، وإما البحث عن مخرج تدريجي من المواجهة عبر مسار سياسي يخفف من حدة الاشتباك ويعيد ضبط قواعد الصراع.
لكن أياً يكن القرار الذي سيتخذ، فإن ما يجري اليوم يشير إلى أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة من الصراع؛ مرحلة لم تعد فيها الحروب تُحسم بضربة واحدة، بل بحسابات طويلة من الاستنزاف والصمود. وفي مثل هذه الحروب لا يكون السؤال فقط عن حجم القوة العسكرية، بل عن قدرة كل طرف على تحمّل كلفة المواجهة المفتوحة والصمود في معركة قد تعيد رسم موازين القوة في المنطقة لعقدين أو ثلاثة عقود مقبلة.
