تحصين الشبكة ضد الشلل
لم تكن هندسة الكهرباء في إيران يومًا مجرد ترفٍ تقني، بل صيغت وفق عقيدة دفاعية صرفة. تعتمد إيران نظام الشبكة الحلقية (Ring Network)، وهي منظومة صُمّمت لتكون مقاومة للصدمات الكبرى. تتوزع الشبكة على خمس حلقات جغرافية كبرى (الشمالية، المركزية، الجنوبية، الغربية، والشرقية)، مترابطة عبر خطوط نقل فائقة الجهد (400 كيلوفولت).
هذا التصميم الشبكي المعقد يعني تقنيًا أنه لا توجد نقطة فشل واحدة (Single Point of Failure). ففي حال خروج محطة توليد في أقصى الشمال، يمكن للشبكة المناورة فورًا لتعويض العجز من الجنوب أو المركز عبر مسارات بديلة. ومع امتلاكها نحو 150 مجمعًا إنتاجيًا يضمّ قرابة 700 وحدة متنوعة، يتّضح الفارق الكبير في العمق الاستراتيجي بينها وبين الكيان الإسرائيلي، الذي يعتمد على عدد محدود من محطات التوليد المكشوفة جغرافيًا.
الردع بالبنية التحتية
تتجاوز إيران المفهوم التقليدي للدفاع لتطرح ما يمكن تسميته “الردع عبر مرونة البنية التحتية” أو “الردع عبر الصمود”. تدرك طهران أن الهدف من أي ضربة لمنشآت الطاقة هو إثارة السخط الشعبي وشلّ الحياة اليومية، وهنا تتدخّل استراتيجية إدارة الأحمال لتفريغ الضربة من محتواها السياسي والاجتماعي:
- عزل الصناعة لحماية المجتمع: بمجرد حدوث عطل أو استهداف، تقوم خوارزميات الطوارئ بفصل الإمداد تلقائيًا عن الصناعات الكبرى (الفولاذ، السيارات، البتروكيماويات إلخ..).
- المعادلة الصفرية للضرر السكني: إيقاف مجمع واحد مثل فولاد مباركة يوفّر طاقة كافية لتعويض خروج محطة توليد كاملة، بما يضمن استمرار الإنارة في المنازل والمستشفيات والمرافق الحيوية.
- إحباط أهداف العدو: عندما يدرك من يشن الحرب أن قصف محطة بمليارات الدولارات لن يؤدي إلا إلى تعطيل مؤقت لخط إنتاج فولاذ، بينما تستمر حياة المواطن العادي بشكل طبيعي، تنخفض القيمة العسكرية للضربة إلى حدّها الأدنى، وهذا هو جوهر الردع.
الغاز كقلبٍ نابض للكهرباء
لا يمكن فهم قوة شبكة الكهرباء الإيرانية بمعزل عن شبكة الغاز، فهما يشكّلان توأمًا استراتيجيًا مترابطًا. تُعد إيران الثالثة عالميًا في طول خطوط أنابيب الغاز، وتستحوذ على نحو 35% من إجمالي أنابيب النقل في الشرق الأوسط. كما تحتل مرتبة متقدمة عالميًا في مشاريع التوسع، مع نحو 5,000 كيلومتر من خطوط الأنابيب قيد الإنشاء أو التطوير باستثمارات تُقدّر بنحو 17.8 مليار دولار، متفوقة على دول متقدمة كروسيا وكندا في هذا المجال.
هذا الترابط العضوي هو الضمانة؛ فالغاز الطبيعي هو الوقود الأساسي للمحطات الحرارية. وبفضل شبكة الغاز الحلقية ومخازنها الاستراتيجية الضخمة، تمتلك المحطات الإيرانية استمرارية في التغذية، ما يجعل قطع شريان الطاقة أمرًا بالغ الصعوبة حتى في ظل استهداف بعض العقد التكتيكية.
صمود هذه المنظومة ليس مجرد فرضية؛ فقد اجتازت الشبكة الإيرانية اختبارات قاسية بنجاح، من الهجمات السيبرانية الإسرائيلية-الأميركية المتكررة، إلى عقوبات خانقة حالت دون توفير قطع الغيار لأربعة عقود، وصولًا إلى الضربات التي تعرضت إليها منشآت طاقوية فجر اليوم الثلاثاء في أصفهان وخورمشهر، من دون أن تشهد انهيارًا شاملًا كالذي عرفته شبكات دول كبرى، مثل ولاية تكساس الأميركية عام 2021.
ورقة الطاقة الشمسية
في السنوات الأخيرة، سارعت إيران إلى اعتماد دمج محطات الطاقة الشمسية الكبرى في شبكتها الوطنية. وبعيدًا عن البعد البيئي، يمثّل هذا التوجه ذروة اللامركزية الأمنية. فمحطات الطاقة الشمسية الموزعة لا تحتاج إلى أنابيب غاز يمكن استهدافها، ولا إلى خطوط نقل عملاقة يسهل رصدها، ما يجعلها احتياطيًا مرنًا يصعب شلّه في أوقات النزاع المسلح.
الخلاصة
في المحصلة، يواجه أي قرار باستهداف البنية التحتية الإيرانية حائطًا هندسيًا صلبًا قائمًا على عقيدة الاستعداد للأسوأ. إن التكامل بين مراكز التحكم اللامركزية (DCS) ومعايير الأمان العالمية (N-1) يجعل استهداف الشبكة مغامرة غير مضمونة النتائج.
قد تنجح الصواريخ في إحداث اختراقات محدودة، لكنها لن تتمكن من تمزيق النسيج الشبكي المصمّم لامتصاص الصدمات وتحويلها إلى أعطال تقنية عابرة، ضمن منظومة قادرة على التعافي السريع، لا على الانهيار الشامل.
