في تلك الحقبة، لخّص هارولد ولسون ما يحتاجه القائد بثلاث صفات أساسية: ذاكرةٌ قويةٌ، إحساسٌ بالتاريخ ودوره فيه، ونومٌ عميقٌ. كلمات تبدو بسيطة، لكنها تختصر فلسفة كاملة في الحكم.
في عالم السياسة، لا تقتصر العلاقات على التعاون أو التنافس فحسب. ففي حادثة شهيرة، كشفت صحيفة «الصنداي تلغراف» الإنكليزية عن تمنيات جون ميجور، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، بأن تعيش زميلته السابقة مارغريت تاتشر في عزلة ودمار، وهي مشاعر كانت متبادلة بينهما، تعكس أحاسيسهما الشخصية بمعزل عن مكانة كل منهما.
هنا، أستذكر حديثاً للرئيس أنور السادات عن اختلاف أسلوبه في القيادة عن أسلوب الرئيس جمال عبد الناصر. يشير السادات في حوار مع الكاتب المصري أنيس منصور إلى أن عبد الناصر كان محاطاً بعدد كبير من الهواتف والراديو على مكتبه، مما جعله يعيش في حالة من التوتر الدائم، ينتظر الأخبار المحلية والعربية والدولية، ويظل يقظاً طوال الوقت، حتى أثناء النوم، مستغرقاً في متابعة المستجدات والأحداث. هذا القلق المستمر انعكس على طريقة إدارته للأزمات واتخاذ القرارات، فقد كان دائم الانشغال بالأخبار، الأمر الذي أضفى على حياته نوعاً من العصبية والضغط المتواصل.
أما السادات، فيوضح أنه اختار الابتعاد عن هذا الأسلوب، فلم يكن لديه مكتب تقليدي، بل كان يفضل الجلوس في الحديقة بعيداً عن الهواتف، متجنباً التوتر الناتج عن متابعة الأخبار بشكل لحظي. يعكس هذا الاختلاف رؤية السادات لأهمية الهدوء النفسي في القيادة، حيث اعتبر أن البقاء بعيداً عن مصادر القلق هو السبيل للحفاظ على توازن الأعصاب واتخاذ قرارات أكثر حكمة وهدوءاً.
***
الرئيس الأمريكي هاري ترومان قال إنه نام بعد اتخاذ قرار استخدام القنبلة الذرية لأنه رأى فيه حماية لبلاده، برغم إدراكه لفداحة النتيجة. في المقابل، عانى الرئيس ليندون جونسون من الأرق بسبب حرب فيتنام، إذ كانت التقارير اليومية بالخسائر تثقل ضميره. التاريخ لا يذكر عدد الاجتماعات التي عقدها الزعيم، بل يذكر القرار الذي غيّر المسار.
بدوره، يمثل شارل ديغول في فرنسا نموذجاً فريداً للقيادة السياسية، يتجلى ذلك بوضوح خلال أحداث أيار/مايو 1968 عندما اجتاحت الاحتجاجات البلاد وأصبحت الأزمة تهدد استقرار النظام السياسي. في تلك اللحظة الحرجة، اتخذ ديغول قراراً بالانسحاب المؤقت بهدف التشاور، ثم عاد بعد ذلك بخطاب مؤثر أعاد ترتيب المشهد السياسي الفرنسي. كان تصرفه في تلك الأزمة نابعاً من رؤية تاريخية عميقة لفرنسا، إذ كان يرى نفسه امتداداً لفرنسا الكبرى وليس مجرد رئيس عابر في لحظة تاريخية عابرة. هذا الإدراك لدوره التاريخي انعكس قدرة على اتخاذ قرار متزن بعيداً عن الانفعال، واضعاً مصالح الأمة فوق كل اعتبار.
يسري ذلك نسبياً على فرانسوا ميتران؛ الرئيس الفرنسي الذي كان قارئاً نهماً للتاريخ، يستمد من صفحات الماضي رؤى تساعده في فهم تعقيدات الحاضر. كان ميتران يؤمن إيماناً عميقاً أن القائد الذي لا يقرأ التاريخ يجد نفسه عاجزاً عن فهم السياق الحقيقي لقراراته، فالثقافة هنا ليست مجرد ترف فكري بل هي جزء أساسي من أدوات الحكم الناجح. بهذا الفكر، تربط القيادة الحكيمة بين رؤية تاريخية راسخة ومعرفة ثقافية متجددة، ما يمنحها القدرة على اتخاذ قرارات مدروسة في مواجهة الأزمات.
***
الذاكرة السياسية ليست مجرد حفظ معلومات، بل هي بناء سردية متماسكة للدولة. فالوطن الذي يتذكر يربط بين خطأ الأمس وأزمة اليوم ويدرك أن القرارات لا تولد من فراغ. في عالم السياسة، التفاصيل الصغيرة قد تغيّر مسار أمة، والتصريح العابر قد يتحول إلى وثيقة تاريخية. ضعف الذاكرة في الوطن يفتح الباب للارتجال ويحوّل الدولة إلى إدارة يومية بلا رؤية.
خطرت على بالي هذه الأفكار عندما كنت أشاهد المؤتمر الصحفي للرئيس الأميركي دونالد ترامب بحضور ضيفته رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في البيت الأبيض. توجه أحد الصحافيين اليابانيين إلى ترامب قائلاً: اليابان والولايات المتحدة صديقتان حميمتان، ولكن لدي سؤال: “لماذا لم تُبلغوا حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا، مثل اليابان، بحرب ايران قبل المهاجمة؟ لذلك نحن، كمواطنين يابانيين، في حيرة من أمرنا”.
أجابه ترامب ببرودة: “هناك أمر لا نريد أن نُظهره كثيرًا، كما تعلمون، عندما دخلنا، دخلنا بقوة ولم نُخبر أحدًا لأننا أردنا عنصر المفاجأة. من يعرف عنصر المفاجأة أفضل من اليابان؟ حسنًا، لماذا لم تُخبرني عن بيرل هاربر”؟
هنا كان اللافت للانتباه أن ترامب تحدث عن واقعة يتعمد الأميركيون واليابانيون طوال عقود من الزمن عدم التعرض لها لأنها حفرت جرحاً عميقاً في علاقة البلدين. واقعةٌ جعلت الأميركيين قبل ثمانية عقود يُقرّرون الانخراط في الحرب العالمية الثانية التي لم تحسمها إلا القنبلة النووية الأميركية على هيروشيما وناغازاكي في مطلع آب/أغسطس 1945.
***
في الخلاصة، ما قاله ترامب يدل على ثقافة الأفلام الأميركية. هو رئيس تاجر. هوسه بالاعلام والسوشيل ميديا يأخذه إلى مطارح يكون فيها لسانه أسرع من عقله. حتى عندما نكون أمام مقاربة لحدث من نوع حرب إيران بكل تداعياتها السياسية والعسكرية والاقتصادية دولياً.
ليس مهماً عدد الكتب التي يقرأها السياسي ولا الجمل التي يحفظها. المهم هو ما يراكم من وعي وتجربة وتكوين يجعله محصنا وقادرا على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
لا مناسبة لهذه الأفكار سوى القول أنه هكذا تتحول جملة مقتضبة في كتاب سياسي إلى درس دائم في فلسفة الحكم.. وأيضاً كلمة في مؤتمر صحفي إلى درس في الميديا وعالم البيزنس. الدرس الأول يقول إن القائد الحقيقي هو من يحفظ ذاكرته، ويعي موقعه في الزمن، ويضع رأسه على الوسادة مطمئنًا إلى أنه أدّى ما يمليه عليه ضميره والتاريخ معًا. الدرس الثاني يجعلنا ننتقل من زمن القائد القارئ للتاريخ إلى زمن الرئيس المهووس بابرام الصفقات التجارية في زمن الإعلام السريع.
النماذج القديمة كانت تفكر بمنطق “ماذا تعلمنا من الماضي”؟، بينما النموذج الجديد يسأل: “كيف نكسب الآن”؟
(*) بالتزامن مع “الشروق“
