لبنان بين استعادة الدولة وكلفة التوازن.. هل تُبنى السيادة تحت النار؟

ليس أخطر ما يواجهه لبنان اليوم اتساعُ الجبهة الجنوبية فحسب، ولا احتمالُ الاجتياح البري الإسرائيلي وحده، ولا مشهد القتل والتهجير والخراب. الأخطر أن البلد يقف على تخوم لحظة تأسيسية معاكسة: لحظة يُراد فيها استغلال عدوان خارجي غير مسبوق لإعادة ترتيب الداخل اللبناني نفسه تحت ضغط النار. هنا بالذات يصبح الخوف على السلم الأهلي أكبر من الخوف على الجبهة وحدها، لأن النار، حين تعجز عن الحسم الكامل في الميدان، قد تُستثمر لفرض وقائع سياسية ومعنوية داخلية أشد أثرًا وأطول عمرًا.

في هذه اللحظة السياسية المأزومة، لا تعود القرارات الرسمية مجرد إجراءات تقنية باردة، بل تتحول إلى أفعال سياسية مشحونة بالرمز والمعنى والتوقيت. الثابت أن الحكومة اللبنانية حظرت الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله بعد هجوم 2 آذار/مارس، كما أن رئيس الجمهورية جوزاف عون، بدعم من رئيس الحكومة نواف سلام، طرح مبادرة غير مسبوقة لمفاوضات ثنائية مباشرة مع إسرائيل. هذه ليست مجرد خطوة دبلوماسية أو أمنية؛ إنها تحوّل يمس تعريف الشرعية وموقع لبنان الإقليمي وحدود الدولة في آن واحد.

طرح السيادة في توقيت ملتبس

لا ترتبط الإلتباسات في قرارات الحكومة في جلسة الثاني من آذار/مارس بمضمون القرار السياسي فحسب، بل أيضًا بلحظته التاريخية، وببعض التوقيفات الكيدية بحق مقاومين وإحالتهم إلى النيابة العامة العسكرية. فكيف ستُقرأ هذه القرارات والتوقيفات داخل بيئة تتعرض للقصف والتدمير والنزوح (أكثر من مليون نازح، أي خمس سكان لبنان)؟ كيف سيُستقبل الحديث عن التفاوض المباشر مع إسرائيل، ليس بعد وقف اطلاق النار وبلوغ حد أدنى من التوافق الداخلي، بل في ذروة الحرب نفسها؟ وكيف سيُفهم حظر النشاط العسكري للحزب في لحظة تبدو فيها بيئته الاجتماعية مستهدفة في الجغرافيا والسكن والأمان والرمزيات؟ وكيف ستصرف السلطة اللبنانية مقولاتها السيادية في ظل طلبها من الجيش اللبناني الانسحاب من جنوب نهر الليطاني، أي من المنطقة التي تُجاهر إسرائيل بنيتها احتلالها؟ وماذا لو تكرّر الأمر ذاته عند الحدود الشمالية والشرقية مع سوريا؟

كلُ ذلك يفتح فهمًا سلبيًا للمسار الرسمي اللبناني لدى شريحة واسعة، باعتباره تقاطعًا ملتبسًا مع ما تقوم به إسرائيل يوميًا من توغلات وقصف وتدمير وتهجير، وترجمة داخلية لميزان القوة الذي تحاول فرضه بالنار. وعندما يبدأ هذا المعنى بالتسرّب إلى الوعي الجماعي، يصبح الخلاف أبعد من السياسة، وأقرب إلى نزاع على معنى الوطنية نفسها: من هو الشرعي فعلاًَ؟ من يملك حق تقرير الحرب والسلم؟ ومن يُطلب منه أن يدفع وحده ثمن التسوية؟

السلم الأهلي في دائرة الخطر

لطالما استهدف السلم الأهلي في لبنان، لكن الأمر هذه المرة يبدو مختلفاً. اجتماع عناصر عديدة في لحظة واحدة مكثفة وخطيرة: حرب واسعة، نزوح كثيف (أغلبه شيعي)، إنهاك اقتصادي مزمن، انقسام داخلي حول سلاح حزب الله، خلاف حول النظرة إلى سوريا الجديدة، والتفاوض المباشر مع إسرائيل.

تشعر الشريحة المؤيدة للمقاومة، في لحظتها الفارقة، أن الدولة تمضي إلى إعادة تعريف شرعيتها أو دورها تحت القصف، باعتبارها محاولة لإعادة كتابة التوازن اللبناني بلغة الغلبة الإسرائيلية. وعند هذه النقطة، لا يعود السلم الأهلي محميًا بمجرد الدعوات إلى التعقل والاحتواء، لأن الشقاق يغادر دائرة الرأي إلى دائرة الشعور الوجودي بالاستهداف من عدو خارجي ورافعة داخلية تريد أن تستثمر اللحظة داخلياً.

الحروب اللبنانية بمنظورها التاريخي

ثمة تجارب لبنانية في الحروب الداخلية تجعل هذا الخوف الكامن مشروعًا. فالحروب الأهلية في لبنان لم تبدأ يومًا بقرار معلن من هذا الفريق أو ذاك، إنما كانت “تَهِلّ” في لحظة تآكل القناعة بأن الدولة تسع الجميع، أو حين تشعر فئة ما بأن التحولات الكبرى تجري فوق رؤوسها لا معها. هكذا كانت بعض مقدمات ثورة العام 1958، وهكذا كان المناخ الذي سبق اندلاع شرارة الحرب الأهلية في العام 1975؛ تداخل سؤال الهوية بسؤال السلاح، وامتزاج الهاجس الداخلي بضغط الخارج وتطلباته، ثم وصول السياسة إلى نقطة مسدودة تعجز فيها عن ضبط المخاوف المتبادلة.

لا شيء يثبت أن لبنان يتجه حتمًا إلى نسخة مطابقة، لكن الإشارات توحي بأن التآكل المجتمعي بلغ حدًا خطيرًا، في لحظة تشابه في المنطق البنيوي: دولة أضعف من أزمتها، مجتمع سريع التأثر بالهواجس، وساحة مفتوحة لفرض توازنات إقليمية أكبر منها.

وما يضاعف الخطر أن إسرائيل لا تبدو متجهة إلى حرب قصيرة أو إلى وقف سريع للنار، بل إلى إنتاج وقائع ميدانية وسياسية ممتدة. إسرائيل، وبالتزامن مع توسيع عمليتها البرية في الجنوب، ربطت عودة النازحين الجنوبيين بأمن سكان الجليل، ما يحوّل حق العودة إلى ورقة ضغط تفاوضية وسياسية، ويزيد من احتمالات الانفجار الأهلي في التأويل والتطبيق والنتائج.

خطورة اللحظة والحاجة إلى التوازن

تكمن خطورة المشهد الراهن في أن الدولة اللبنانية عالقة بين استحقاقين متعارضين في التوقيت: استحقاق استعادة القرار السيادي، واستحقاق حماية السلم الأهلي. وهي معادلة لا يمكن حسمها بمنطق القوة المجردة، ولا بخطاب استسلامي مكشوف جزئيًا، ولا يستفيد من مكامن القوة التي تجسدها المقاومة في مواجهتها اليومية.

فالدولة التي تريد استعادة قرارها لا تفعل ذلك عبر إشعار شريحة واسعة من مجتمعها بأنها تُجرّد دفعة واحدة من عناصر قوتها: السلاح، الرمز، الوظيفة، والمعنى، في لحظة نزوحها وضعفها. بل تبني مسارًا وطنيًا يربط السيادة بالحماية، وحصر السلاح بالضمانات، والتسوية بالاحتواء لا بالإذلال.

إقرأ على موقع 180  فلسطين، قُلوبنا ترحل إليك كلّ يوم

من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يحق للدولة أن تفاوض أم لا؟ أو هل يحق لها أن تحظر السلاح خارجها؟ بل: متى، وكيف، وبأي توازن وطني تفعل ذلك؟

هناك فارق هائل بين تفاوض يأتي بعد وقف النار ومن موقع إجماع نسبي، وبين تفاوض يُطرح والناس في الملاجئ والطرقات والمدارس المؤقتة. وهناك فارق لا يقل أهمية بين مسار وطني متدرج لإعادة تنظيم وظيفة السلاح وفق تفاهمات، وبين مسار يُقرأ بوصفه استثمارًا مباشرًا في نتائج الحرب لإعادة صياغة الداخل.

هذه الفوارق ليست تفصيلًا تقنيًا؛ إنها الحدود الفاصلة بين تسوية صعبة لكنها قابلة للحياة، وبين شرخ أهلي قد لا ينفجر دفعة واحدة، لكنه يبدأ بالتسرّب إلى النفوس والمؤسسات.

هل نحن أمام حرب أهلية جديدة؟

إن الخشية اليوم ليست فقط من حرب طويلة، بل من سلام أهلي آخذ في التآكل. قد لا يذهب لبنان غدًا إلى 1975 جديدة بالمعنى الكلاسيكي، لكنه قد ينزلق إلى نسخة أبطأ وأشد مكرًا: نزوح يتحول إلى احتكاك يومي، خطاب سياسي يتحول إلى نزع متبادل للشرعية، ضغط على الجيش ومؤسسات الدولة، وضع اقتصادي ونقدي ومالي واجتماعي يزداد تأزماً، انقسام مجتمعي بارد في ظاهره، حارق في جوهره.

إن أخطر ما قد يفعله لبنان بنفسه الآن هو الخلط بين استعادة الدولة وكسر التوازن الأهلي تحت النار. فالسيادة لا تُبنى على الإذلال، ولا تُستعاد بتحويل التسوية إلى عقاب جماعي مبطن.

في لحظات الحروب، لا تُختبر الدول فقط بقدرتها على الصمود في وجه العدو، بل بقدرتها على حماية نفسها من الانقسام من الداخل.

لبنان اليوم لا يقف أمام خطر عسكري فحسب، بل أمام اختبار وجودي: هل يستطيع أن يعيد تنظيم توازنه الوطني من دون أن يكسر نفسه؟

المعضلة ليست بين الدولة والمقاومة، ولا بين السيادة والسلاح، بل بين منطق إدارة الخلاف ومنطق كسره. فكل مسار يُبنى تحت النار، إن لم يُحَطّ بحد أدنى من التوازن والاحتواء، يتحول من حلّ إلى شرخ مؤجّل.

قد تنتهي الحرب، لكن آثارها الداخلية هي التي ستحدد شكل لبنان المقبل. فإما أن تُدار هذه اللحظة بوصفها فرصة لإعادة بناء شراكة وطنية أكثر تماسكًا، وإما أن تتحول إلى نقطة بداية لانقسام طويل، صامت في شكله، عميق في نتائجه.

وفي بلد كلبنان، لا تكون الخسارة الكبرى في من ربح الحرب، بل في من خسر القدرة على العيش مع الآخر بعدها.

لنتذكر جميعاً أن سيادة الدولة وحصرية قرار الحرب والسلم بيدها أمرٌ لا يجب أن يحظى بتشكيك أحد من اللبنانيين.. ولنتذكر أكثر أن الوحدة الوطنية هي سلاحنا الأول لحماية سيادتنا واستقلالنا. وظيفة المسؤول، اياً كانت رتبته أن يُوازن بين سيادة الدولة والوحدة الوطنية. هذا الخيط الرفيع بين هاتين الحاجتين يحتاج إلى قامات وطنية. هل من يُبادر؟

(*) الصور من ألبومات المصور اللبناني المخضرم صالح الرفاعي

Print Friendly, PDF & Email
طليع كمال حمدان

أستاذ جامعي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  أبواب دمشق ـ الرياض موصدة.. "الحق عالأوكران"!