إسرائيل ما بعد الليطاني.. جيش لحدي جديد أم منطقة عازلة؟

18018001/04/2026
تستعرض مقالة الزميل وليد حبّاس من أسرة المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) البروفايل السياسي لـ"جيش لبنان الجنوبي" أو ما يسمى بـ"جيش لحد" الذي انتهى مع انسحاب آخر جندي إسرائيلي من جنوب لبنان في 25 أيار/مايو 2000. يأتي هذا الإستعراض لمناسبة تجدد الحديث عن توسيع إسرائيل احتلالها حتى منطقة جنوب نهر الليطاني في جنوب لبنان.

يمكن قراءة الخطة الإسرائيلية المطروحة الآن (آذار/مارس 2026) في الجنوب اللبناني، ولا سيما في ما يتعلق بالاجتياح البري نحو نهر الليطاني وفرض “حزام أمني”، بوصفها عودة إلى منطق قديم. ففي العام 1978، كانت إسرائيل قد أطلقت أيضًا ما بات يسمى بـ”عملية الليطاني” بذريعة إبعاد فصائل منظمة التحرير الفلسطينية عن الحدود، حيث انتهى الأمر إلى دفع المقاتلين الفلسطينيين إلى التراجع، ثم ترك لبنان بعد اجتياح 1982، وقامت إسرائيل في حينها بتشجيع بناء ميليشيا عميلة هي “جيش لبنان الجنوبي”. إن استحضار تجربة هذا الجيش العميل يعد اليوم ضرورة لفهم التشابه بين تلك الحقبة، وما قد تسعى إليه إسرائيل اليوم عبر إعادة هندسة المجال الأمني في الجنوب اللبناني.

أولاً؛ النشأة والتكوين

العميل سعد حداد

نشأ “جيش لبنان الجنوبي” (أو جيش لحد) من رحم الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990)، حيث انهارت سلطة الدولة المركزية في الجنوب اللبناني، وتحولت المنطقة إلى ساحة صراعات. ومنذ أواخر الستينيات، رسّخت منظمة التحرير الفلسطينية وجودًا عسكريًا واسعًا في الجنوب بعد “اتفاق القاهرة” (1969)، وهو الاتفاق الذي نظّم وجود الفصائل الفلسطينية المسلحة في لبنان ومنحها حق العمل العسكري من الجنوب. بين 1968 و1982، سجلت مئات الهجمات الصاروخية والتسللات المسلحة من قبل القوات الفلسطينية.

في هذا السياق، برز الرائد سعد حداد، وهو ضابط انشق عن الجيش اللبناني وسعى إلى بناء قوة عسكرية مستقلة بدعوى حماية القرى المسيحية في الجنوب اللبناني. فقد انشق حداد عن الجيش اللبناني بعد عملية الليطاني (1978) التي كانت هجومًا بريًا إسرائيليًا داخل جنوب لبنان وصولًا إلى نهر الليطاني لطرد الفصائل الفلسطينية وإنشاء منطقة عازلة؛ وهو “حلم” إسرائيلي لا يزال يعيد تكرار نفسه بشكل أكثر مأساوية اليوم أثناء المواجهة مع قوات حزب الله. بعد الانشقاق، أسس حداد ميليشيا “جيش لبنان الحر”، التي تحولت لاحقًا إلى “جيش لبنان الجنوبي” في العام 1980. اعتمدت الميليشيا منذ البداية على دعم عسكري ومالي مباشر من إسرائيل، التي رأت فيه أداة محلية لبناء “حزام أمني” يمكنها من التحكم بجنوب لبنان ومنع الهجمات على مستوطنات شمال إسرائيل. حاول حداد في العام 1979 أن يؤسس لكيان سياسي (أو مشروع دويلة جديدة) باسم “دولة لبنان الحر”، مستندًا إلى انهيار سلطة الدولة في الجنوب وارتباطه المباشر بالدعم الإسرائيلي. لكن هذا المشروع لم يحظَ بأي اعتراف رسمي، لا من الدولة اللبنانية، ولا من القوى العربية والإقليمية، ولا من المجتمع الدولي، كما بقي بلا قاعدة شرعية واسعة بين سكان الجنوب الذين رأوا فيه امتدادًا للاحتلال لا بديلًا عنه. لذلك لم يتحول إلى كيان سياسي حقيقي، بل إلى ميليشيا مسلحة عميلة، وظيفتها الأساسية تأمين مصالح إسرائيل في المنطقة الحدودية.

ثانياً؛ القوام والعتاد

نتنياهو وكبير العملاء انطوان لحد

تكوّن “جيش لبنان الجنوبي” من قوة تراوحت بين 2,000 و3,000 مقاتل، مع أغلبية مسيحية واضحة، إلى جانب نسب أقل من الشيعة والدروز والسنة. في منتصف الثمانينيات، شكل المسيحيون نحو 65–70% من القوة، مقابل 18–20% من الشيعة وقرابة 10–13% من الدروز، مع حضور محدود للسنة. هذا التوزيع داخل منطقة ذات أغلبية شيعية خلق فجوة تمثيلية واضحة، وأنتج أزمة شرعية رافقت هذا “الجيش” منذ تأسيسه، حيث ارتبط بفئات اجتماعية محددة أكثر من ارتباطه بالبنية المحلية الشاملة.

ومع الانسحاب الإسرائيلي الجزئي في العام 1985، تشكل “الشريط/ الحزام الأمني” بعمق 5–20 كيلومترًا داخل جنوب لبنان، وأصبح المجال العملياتي الرئيس لـ”جيش لبنان الجنوبي”، حيث خضع لإدارة مشتركة مع إسرائيل وشكّل نحو 10% من مساحة البلاد. تنظيميًا، اعتمد “الجيش” بنية شبه نظامية مقسمة إلى قطاعات رئيسة، تضم كتائب وسرايا، وتدير بين 20 و30 موقعًا عسكريًا ثابتًا، إضافة إلى دوريات ونقاط تفتيش. كما طوّر جهازًا استخباراتيًا لمتابعة النشاطات المسلحة، خاصة مع تصاعد دور حزب الله في المنطقة.

بعد وفاة سعد حداد في العام 1984، تولى القيادة الجنرال أنطوان لحد، الذي أعاد تنظيم القوات وسعى إلى توسيعها لتصل إلى نحو 5,000 مقاتل، مع تعزيز التنسيق المؤسسي مع إسرائيل. شكّلت هذه المرحلة انتقالًا من قيادة شخصية إلى بنية أكثر انتظامًا، لكنها زادت في الوقت ذاته من اعتماد “جيش لبنان الجنوبي” على إسرائيل، سياسيًا وعسكريًا.

ثالثاً؛ البنية الهيكلية والأذرع

تكوّن “جيش لبنان الجنوبي” من ثلاثة أقسام رئيسة:

أولاً، مثّل جهاز الأمن الذراع الاستخباري، وضم نحو 250 عنصرًا بين ضباط وأفراد، وتولى مهام الحفاظ على أمن “جيش لبنان الجنوبي” من ملاحقات منظمة التحرير الفلسطينية، ثم بعد العام 1982 من ملاحقات حزب الله، بالإضافة الى حماية أمن المنطقة الحدودية. عمل ضمنه مئات الموظفين من اختصاصات متعددة، شملت الاستخبارات الميدانية والتحليل والتحقيق. ركز الجهاز على إحباط محاولات اختراق صفوفه، بينما بقيت القضايا الأمنية المدنية (مثل الشرطة والدفاع المدني) ضمن صلاحيات مؤسسات الدولة اللبنانية الرسمية.

إقرأ على موقع 180  الحرب الإسرائيلية على لبنان.. أية مآلات؟

ثانيًا، الإدارة المدنية (لنميزها عن الإدارة المدنية العاملة في الضفة الغربية) شكّلت الإطار الخدمي والتنظيمي وحاولت أن تقدم نفسها كمنظم للحياة اليومية لسكان المنطقة الجنوبية. فقد أنشأت الإدارة المدنية جهازًا طبيًا في مستشفى مرجعيون ومستوصفاً في بنت جبيل، إضافة إلى شبكة من العيادات، وقدمت خدمات طبية شملت عمليات جراحية وتحويلات علاجية إلى الخارج. كما شملت أنشطتها تطوير المدارس، وبناء شبكات المياه والكهرباء، وشق الطرق، وتوفير فرص عمل داخل إسرائيل لنحو 2500 عامل. امتد دور الإدارة المدنية أيضًا إلى المجال الاجتماعي والإعلامي، حيث نظمت فعاليات وأنشطة لتسويق نفسها في المجتمع اللبناني الجنوبي، وقدمت مساعدات انتقائية لعائلات القتلى والجرحى، وأدارت وسائل إعلامية مثل إذاعة “صوت الجنوب”. تراوحت ميزانيتها السنوية بين عدة ملايين من الدولارات، وبلغت في بعض السنوات نحو 10 ملايين دولار، ما يعكس حجم الاستثمار الإسرائيلي في تطوير ميليشيات “جيش لبنان الجنوبي”.

ثالثًا، القوات المسلحة التي بلغ قوامها بين 2500 و3000 عنصر، توزعوا على وحدات منظمة تشمل ألوية مشاة، وفوجًا مدرعًا يضم 55 دبابة، ووحدات مدفعية ثقيلة. تولى الجيش السيطرة على 46 موقعًا عسكريًا على امتداد المنطقة الحدودية، بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي الذي احتفظ بمواقع خلفية.

رابعاً؛ العلاقة مع المجتمع المحلي

اتسم الصراع بين “جيش لبنان الجنوبي” والسكان المحليين في الجنوب، وبخاصة مع صعود حزب الله، بطابع مركب جمع بين البعد العسكري والاجتماعي والسياسي. نشأ التوتر منذ أواخر السبعينيات مع ارتباط الجيش بإسرائيل، ما ولّد أزمة شرعية داخل بيئة يغلب عليها الطابع الشيعي. مع تأسيس حزب الله في أوائل الثمانينيات، تحوّل هذا التوتر إلى مواجهة مفتوحة، حيث تبنّى الحزب استراتيجية حرب عصابات استهدفت مواقع الجيش ونقاطه العسكرية داخل الشريط الأمني. فقد نفّذ حزب الله عمليات تفجير وكمائن واغتيالات ضد عناصر “جيش لبنان الجنوبي”، بهدف استنزافه وتقويض سيطرته. في المقابل، فرض الجيش نظامًا أمنيًا صارمًا، شمل الحواجز والاعتقالات وملاحقة المشتبه بهم، ما عمّق الاحتكاك مع سكان القرى الشيعية. بحلول العام 2000، تكبّد “جيش لبنان الجنوبي” خسائر بشرية كبيرة، إذ قُتل أكثر من 600 من عناصره خلال المواجهات مع حزب الله وفصائل أخرى، إضافة إلى مئات الجرحى. وتشير تقييمات إسرائيلية إلى أن “جيش لبنان الجنوبي” نجح في تقليص عدد العمليات داخل إسرائيل بشكل كبير مقارنة في فترة ما قبل 1982. حيث تحولت معظم الاشتباكات إلى داخل الشريط نفسه، ما عزز دوره كـ”منطقة امتصاص” للعمليات قبل وصولها الى إسرائيل.

خامساً؛ الانهيار والفرار إلى إسرائيل

انهار “جيش لبنان الجنوبي” في أيار/مايو 2000 بشكل سريع مع تنفيذ إسرائيل انسحابها الأحادي من الجنوب اللبناني، ما أدى إلى تفكك بنيته خلال أيام. اعتمد الجيش بشكل شبه كامل على الدعم الإسرائيلي، لذلك فقد قدرته على الصمود فور تراجع هذا الدعم. مع الانسحاب، تقدّمت قوات حزب الله وسيطرت على مواقع الشريط/الحزام الأمني، ما دفع عناصر الجيش إلى الفرار أو الاستسلام.

شهدت هذه المرحلة انهيارًا تنظيميًا واسعًا، حيث سلّم عدد من العناصر أنفسهم للسلطات اللبنانية وخضعوا لمحاكمات بتهمة التعاون مع إسرائيل، بينما فرّ عدد كبير نحو إسرائيل. تشير التقديرات إلى أن نحو 6,000 إلى 7,000 من مقاتلي الجيش وعائلاتهم عبروا الحدود إلى إسرائيل خلال أيام الانسحاب”.

(*) المصدر: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)

Print Friendly, PDF & Email
180

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  القمةُ العربيةُ الاستثنائية المقبلة.. قمةُ مصيرٍ