المغرب بين حكومة المونديال وبورصة الغضب الشعبي: وجوه مستهلكة وأسئلة مؤجلة

في ظل الفراغ المؤسساتي الذي يفرضه غياب مكاتب مستقلة ومرخّصة لسبر الآراء واستطلاع توجهات الرأي العام في المغرب، تظل القراءة الدقيقة للمزاج الشعبي، علناً، رهينة التخمينات السياسية. ولو أُتيح لهذه الآليات العلمية أن تنشط بحرية في البيئة الوطنية، لأماطت اللثام عن حقائق توازنات القبول والرفض، ولكشفت للعلن عن بورصة حقيقية ترتّب الشخصيات الأكثر حظوة ومحبة لدى المغاربة، في مقابل تلك التي استنفدت رصيدها وباتت تحظى بكاريزما عكسية تثير حنق الشارع.

وإن كانت مؤسسات سبر الرأي العام غائبة بقوة المنع القانوني عن التداول العام، فإن مؤسسات الدولة المعنية على معرفة دقيقة وتفصيلية بخبايا وأسرار الوضع السياسي ورجالاته ونسائه عبر تقاريرها الخاصة. لذلك فإن المطبخ السياسي المخزني، الجاهز دائماً والمستعد، يمتلك أدواته مع بهاراته ووصفاته ومقاديره الخاصة، التي تمنح النكهة المخزنية المرغوب في تقديمها وإخراجها على مائدة الرأي العام المحلي وواجهة المراقب الأجنبي.

ومع استمرار هذا الحظر المفروض على استطلاعات الرأي، تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى «ترمومتر رقمي» بديل. فمن خلال تشريح المحتوى الرقمي المتداول، والتدقيق في موجات الغضب الافتراضي، يمكن رسم ملامح واضحة لخريطة الشخصيات الأقل شعبية في المغرب. وتبرز في صدارة هذا المشهد وجوه تدير الشأن العام، على رأسها رئيس الحكومة عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار المخلوع، الذي يلاحقه إرث حملات المقاطعة الاقتصادية ولهيب الغلاء.

يليه وزير العدل عبد اللطيف وهبي، المحاط بجدل تصريحاته الاستفزازية وقراراته المثيرة للجدل، إلى جانب وزيرة الإسكان فاطمة الزهراء المنصوري، ووزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، بوصفهما من أبرز وجوه القيادة الجماعية، أو «الترويكا»، لحزب الأصالة والمعاصرة، «البام». وهو الحزب الذي بات يواجه نعوتاً لاذعة في الأوساط الشعبية، من قبيل «حزب إسكوبار الصحراء»، لا سيما بعد جدل السيارة الكهربائية للوزير بنسعيد، والملف الأخير الذي أثاره الموقع الإلكتروني «لوديسك»، بإدارة الصحفي علي عمار، بشأن شبهات التلاعب بعقارات في منطقة «تسلطانت» بمراكش، المدينة التي تتولى الوزيرة فاطمة الزهراء المنصوري عمودية بلديتها.

سعد الدين العثماني.. ما بين 2026 و2020 ست سنوات أو نجمة سداسية

ولا يبتعد عن هذا الرادار متزعم الاتحاد الاشتراكي إدريس لشكر، الذي اختطف منصب الكاتب الأول منذ عام 2012 وسجّله في اسمه التجاري بولاية رابعة، حيث يراه المهتمون رمزاً للريع والفشل الذي أجهز على إرث الحزب التاريخي، وعصف بنضالات مؤسسيه الكبار، كعبد الرحيم بوعبيد، والمهدي بن بركة، والفقيه محمد البصري، وعمر بنجلون، وكل المناضلين الشرفاء الذين اغتيلوا أو أُعدموا، وأولئك الذين دفعوا زهرة أعمارهم في غياهب السجون من أجل الديموقراطية والعدالة الاجتماعية.

وينطبق الأمر ذاته على الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، «البيجيدي»، عبد الإله بنكيران، الذي تراجع بريق خطابه الشعبوي. وإذا ما أضفنا إلى السياق قضية التطبيع التي وقّع عليها الأمين العام السابق لـ«البيجيدي»، الدكتور سعد الدين العثماني، وأيدها حينها بنكيران بقوة، مطالباً قواعد حزبه باحترام قرارات أعلى سلطة في الدولة، فإننا نجد اليوم بنكيران وصاحبه العثماني يرفعان شعاراً مناوئاً للتطبيع ومناهضاً له، مجاراة للموقف الشعبي المغربي.

بل إن العثماني نشر صورته قبيل أيام، مطوّقاً بالكوفية الفلسطينية، وكتب تحتها: «كلنا مع فلسطين.. ونحن ضد التطبيع». فأي الوجهين نصدّق؟ وقد صار «الواحد بالشخص له جهتان: مطبّع وغير مطبّع؛ المطبّع صفة، وغير المطبّع اسم، والصفة غير الاسم»، وفق ما تندّر به الأكاديمي عبد العلي الودغيري على صفحته في «فيسبوك». ويبدو جلياً أن قادة «المصباح» يحبون التهام السمك، ليس لخلوه من الكوليسترول، بل لأن ذاكرته ضعيفة، تماماً كذاكرة الجماهير التي يستهدفونها.

وصولاً إلى وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة محمد سعد برادة، الذي تلاحقه، بسخرية مثيرة، زلاته وكلماته المضحكة والهزلية الناتجة عن ضعف تكوينه باللغة العربية، بالتوازي مع خلفيته المرتبطة بقطاع الحلويات، عبر مجموعة «سفاري»، كرمز صارخ لزواج المال بالسلطة وتدبير قطاعات اجتماعية حساسة.

ناهيك عن شخصيات عديدة مكروهة تعيش على هامش المشهد، من خلال الاسترزاق الرقمي وصناعة الرداءة على «يوتيوب» و«تيك توك».

***

وزراء حزب الجرار.. الأصالة والمعاصرة: “البام”.. المهدي بنسعيد وعبد اللطيف وهبي وفاطمة الزهراء المنصوري

مؤخراً، كثر الحديث عمّا يُطلق عليه «حكومة المونديال»، على اعتبار استعداد المغرب لتنظيم نهائيات كأس العالم 2030، بشراكة مع الجارتين الشماليتين الإيبيريتين: إسبانيا والبرتغال. غير أن الحيرة تأخذ قسطاً كبيراً من تفكير صناع القرار في إيجاد البروفايل المناسب لقيادة الحكومة المقبلة، خصوصاً بعد استهلاك كل البروفايلات السابقة الخائبة وغير المقنعة.

وفي هذا السياق، تتردد أقاويل عن توجه حاسم لاستقدام وجوه تكنوقراطية جديدة، مع إعادة الروح إلى أخرى كانت قد غابت واختفت عن المشهد تماماً، مثل مصطفى الباكوري من حزب الأصالة والمعاصرة، والاتحادي محمد الكحص، وغيرهما.

ومع وجوب استحضار الصراع العلني والخفي، وحالة الاستقطاب الدولي الحاد الذي يعرفه المغرب اليوم بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية في عهد رئيسها الحالي المثير للجدل دونالد ترامب، وبعد اكتساب واشنطن عدداً من النقاط في هذا النزال الجنوني الساعي إلى الفوز برهان الهيمنة على الكوكب الأرضي، تنتفض باريس للحد من خساراتها المتوالية في مستعمراتها السابقة في القارة الأفريقية، محاوِلةً تثبيت أقدامها في المربع المغربي عبر أوراقها السياسية والاقتصادية التقليدية.

ويأتي هذا الاندفاع الفرنسي خصوصاً بعد تأييد باريس الصريح والديناميكي لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ولا سيما القرار الأخير رقم 2797، الذي جرى اعتماده بمبادرة وصياغة من الولايات المتحدة الأمريكية، وهو القرار الذي يُكرّس، بشكل جلي، أن منح إقليم الصحراء حكماً ذاتياً حقيقياً تحت السيادة المغربية هو الأساس الوحيد والأنجع لحل هذا النزاع الإقليمي القائم منذ قرابة خمسين عاماً.

إقرأ على موقع 180  "الإيكونوميست" لترامب: أوقف حربك على إيران قبل أن تندم!

هذا التطور يعكس تحولاً استراتيجياً عميقاً في موقف باريس، التي انخرطت في تيار التوجهات الدولية القاضية بالانتقال من أطروحات تقرير المصير الكلاسيكية عبر الاستفتاء، التي تجاوزها الواقع والشرعية الدولية، إلى القبول المطلق بمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، وتحويلها إلى ركيزة صلبة في القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة. وهو تموضع جديد يقتضي من الجانب الفرنسي العودة بقوة لإنعاش واستعادة مواطن نفوذه وقوته التي لا تزال حية أو مجمّدة في المغرب، بالرغم مما سيتسبب فيه هذا الخيار من تدهور حتمي في علاقة باريس بالجزائر.

***

عبد الإله بنكيران (حزب المصباح)، وإدريس لشكر (حزب الوردة)، وعزيز أخنوش (حزب الحمامة)

بالتوازي مع ذلك، تسري في الكواليس تسريبات صامتة وغير مؤكدة تتحدث عن احتمال تأجيل الاستحقاقات الانتخابية عن موعدها المقرر، لاعتبارات استراتيجية متعددة، في مقدمتها ترتيبات الوضع في الأقاليم الجنوبية، أي الترتيبات ذات الصلة بملف الصحراء المغربية، وسط أنباء عن مراجعة التقسيم الجهوي للمملكة وخفض عدد الجهات.

وهنا يفرض نفسه سؤال متهكم لكنه وجيه: في حال تأجيل هذه الانتخابات، هل سيسترد المتهافتون من مقتني التزكيات الحزبية أموالهم التي دفعوها سلفاً في بورصة الترشيحات؟

ذلك أننا نعيش اليوم على إيقاع صخب زخم الحملات الانتخابية السابقة لأوانها، حيث شُرعت أبواب بورصة التزكيات، وتحولت كواليس الأحزاب إلى سوق مفتوحة للبيع والشراء في صكوك الترشح. أرقام فلكية يجري التداول بشأنها خلف الأبواب الموصدة، فالسوق حامية الوطيس، والأسعار في تصاعد جنوني، محكومة بتوجيهات قانون مافيوزي غير مكتوب وغير معلن، لكن أخبار هذه الصفقات غالباً ما تُسرّب لتصل إلى الرأي العام.

إننا نعيش، ومن دون مواربة، «زمن الفراقشية» بامتياز. فلم تعد «الفراقشية» مجرد ظاهرة إجرامية عابرة تقتصر على سرقة المواشي في القرى والبوادي، بل تحورت وتطورت لتصبح داءً مفصلياً ومعضلة بنيوية تغلغلت في عمق المؤسسات، لتسيء إلى البلاد والعباد على حد سواء.

هذا الواقع المأزوم يضع المغرب إزاء تناقضات صارخة وصادمة؛ فبينما تقود الدولة مشاريع كبرى وتطمح إلى قفزات تنموية، كالاستعداد للمونديال، يصر هؤلاء السماسرة على شدّ قاطرة الوطن إلى الخلف، والدفع بها نحو القهقرى، وهي ردة لا تستفيد منها سوى قوى الارتداد والرجعية، وفي طليعتها «فراقشية الأغنام والبشر»، الذين لا يرون في المواطن سوى صوت يُشترى، ولا في الوطن سوى غنيمة تُقتسم.

***

في المقابل، وبشكل يبعث على التأمل، يفتقد المشهد السياسي الوطني أي كاريزما أو شخصية تحظى بإجماع عام يلتف حول نظافتها وترفعها. إذ يغيب الإجماع الشعبي حول شخصية وطنية جامعة تنال تقدير الجماهير المغربية على اختلاف فئاتها، شخصية تجسد قيم الاستقامة والترفع.

أما في قاع السلّم، فيبدو القاع راكداً. فالملاحظ أن الوجوه السياسية المغضوب عليها لم تتغير جوهرياً منذ حراك 20 فبراير/شباط 2011 وحملة المقاطعة الاقتصادية لعام 2018. إنها النخب ذاتها التي يرفضها الوعي الجمعي، وإن بدت اليوم كمن يتبادل المواقع ويتداول مراكز الصدارة في قائمة الأكثر سوءاً.

وفي المحصلة، وبعيداً عن حسابات الربح والخسارة الانتخابية، يبقى السؤال الجوهري والأكثر إقلاقاً: مَن يعيد للمواطنين ثقتهم المهدورة على مدى عقود في المؤسسات؟ ومَن يحيي في النفوس جدوى المشاركة بدلاً من خيار العزوف السياسي المستشري؟

إن البداية الحقيقية والمصارحة الشجاعة تكمنان في إعلان إفلاس ما سُمّي بـ«النموذج التنموي الجديد»، الذي قُدّم كخارطة طريق استراتيجية لتوجيه السياسات العمومية في أفق عام 2035، بغية الانتقال بالمغرب إلى مصاف الدول الصاعدة عبر خلق الثروة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتثمين رأس المال البشري.

والمثير أن معظم الأحزاب تبنّته في برامجها، لكن الواقع المرير أثبت قصور هذا النموذج، حتى غدا الاعتراف واجباً بأن لا جديد فيه سوى الاسم، وأن “دار لقمان” لم تبقَ على حالها فحسب، بل باتت تتداعى لتتحول بهدوء إلى أطلال تستدعي الوقوف عليها والبكاء. ومن ثم، أضحت الحاجة ملحّة، الآن وقبل الغد، للشروع فوراً في بناء مشروع وطني تنموي حقيقي، يُصاغ بعيداً عن التشكيلات السياسية العقيمة والبروفايلات النفعية المنخورة.

فهل مثل هذه الغاية النبيلة حلم طوباوي؟ وهل غدونا نطلب «الممكن من المستحيل»، كما أخبرنا ذات يوم الصحفي والأديب الراحل عبد الجبار السحيمي، وهو يضع عنوان أول مجموعة قصصية أصدرها عام 1965؟ ذلك العام المفصلي الذي شهد أخطر انتفاضة دامية في تاريخ المغرب المعاصر بعد اكتمال نحو عقد على الاستقلال، وهو العام ذاته الذي عرف اختطاف الرمز المعارض اليساري المهدي بن بركة من قلب العاصمة الفرنسية باريس.

وعلى ذكر باريس، التي تتردد الأنباء اليوم عن تهيئتها لتسليم حجم كبير من الوثائق السرية والنادرة إلى المغرب، فهل سيكون من بينها، يا ترى، ملف المهدي بن بركة، ليميط اللثام عن الحقيقة الكاملة؟

ربما، ولا شك، تلك قصة أخرى!

Print Friendly, PDF & Email
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course
إقرأ على موقع 180  أوباما: من هاتف للبيتزا.. أمرت بمهاجمة القذافي (4)