-نسألُ أنفسنا على الدّوام واقعاً: هل يُعقلُ أن يكونَ هذا خطاب.. رئيس الولايات المتّحدة؟ هل نعيش في عالم الأحلام حتّى يكون هذا هو “الواقع” الذي أمامنا؟
-كيف يمكنُ اختصارُ المعالمِ الأساسيّةِ والنّموذجيّةِ الاشكاليّة لهذا الخطاب، خصوصًا خلال هذه المعركةِ ولا سيّما من خلال تغريدات ترامب الشّهيرة؟
أوّلًا؛ نحن عموماً أمام خطابٍ مخادعٍ، لا يُخفي بتاتاً كونه مخادعاً، بل يقومُ على الخداعِ كمنهجٍ في حدّ ذاته إلى حدّ بعيد. وهو لا يكتفي بمحاولةِ الخداع والتّضليل والـBullshitting كما يُعبّر هاري فرانكفورت في أطروحته المعروفة، بل ينطلقُ ضمنيًّا من فرضيّةِ أنّ المتلقّي سينخدع على الأرجح، وكأنّه يخاطبُه على أساس أنّه ساذجٌ إلى حدٍّ كبير، بل غبيٌّ عمليًّا وقابلٌ للانقيادِ دون نقدٍ ولا تمحيص.
ثانيًا؛ نحن أمام خطابٍ سطحيٍّ عموماً، وقد يحملُ تناقضاتٍ عديدةً – بل كاريكاتوريّةً – في طيّاته، ويصلُ أحيانًا إلى ما يمكنُ وصفُه، بالمعنى والتّعبير الشّعبيَّن، بنوعٍ من “الجعدنة”: أي مزيج من الاستعراض، والكلام بلا مضمون جدّيّ، والتّهريج، والمبالغة، والتّبسيطِ المفرط، والاستخفافِ بعقل المتلقّي، والتّناقض الظّاهر والباطن. بالمناسبة، “الجعدنة” المقصودة هنا تتخطّى الـBullshit، لأنّ الشّكل في ذاته، وظاهر الخطاب عموماً، يُصبحان غريبَين عجيبَين.. أو من باب ما يسمّيه أهلنا المصريّون عادةً بـ”الكلام الفارغ” في حياتهم اليوميّة.
ثالثًا؛ وفي إطار ليس ببعيد، هو خطابٌ مُتخمٌ بالكلماتِ وبالاشاراتِ عموماً، مع قيامه على الافراطِ في اللّفّ والدّوران والتّكرارِ.. من دون ضرورةٍ في كثير من الأمثلة إن لم يكن في أغلبها.
رابعاً؛ وأقرب قليلاً إلى شيء من المضمون إن صحّ التّعبير، يحملُ هذا الخطابُ بُعدًا تأليهيًّا للذّاتِ عموماً، حيث يُقدِّمُ المتكلّمُ نفسَه عمليّاً بوصفه محورَ الأحداثِ وصانعَها شبه المُطلق، وبوصفه قادرًا على الحسمِ المطلقِ دائماً وعلى البطولات الخارقة للطّبيعة ربّما. “الأنا” هنا متضخّمة إلى حدّ لافت.. بل فظيع واقعاً، ويتوجّب حقّاً الوقوف عند هذا الجانب.
ولمحاولة توضيحِ هذه المعالمِ قليلاً، يمكنُ التوقّفُ عند بعضِ الأمثلةِ التي تُظهرُ المقصود بشكلٍ أوضح ربّما:
- يُعلنُ الرّئيس العجيب.. القضاءَ الكاملَ على القدراتِ العسكريّة الإيرانيّةِ، ثم يعودُ ليتحدّثَ عن تحدّياتٍ استراتيجيّةٍ قائمة، مثل مسألةِ شبه استحالة اعادة فتح مضيق هرمز، بسبب القدرات الايرانيّة نفسها!
- يعلنُ ترامب النّصرَ المطلقَ والفتحَ العظيم، ثم يتحدّثُ في السّياقِ ذاته عن أنّ هذا “النّصرَ” إنّما لم يحصل عمليّاً بعد، وأنّه بانتظارِ أن يقبلَ الطّرفُ الآخرُ ببعض الشّروط!
- يتحدّثُ عن اتّفاقٍ قد تمّ، أو هو قائمٌ ربّما، ثم يلوّحُ في الجملةِ نفسها تقريبًا.. بأنّه سيضرب وسيقصف وسيدمّر الطّرف الآخر الذي يتّفق معه.. وبئسَ المصير!
- يَقول الرّئيس الأميركيّ إنّه لم يعد هناك قيادة في إيران أصلاً (وإنّه قد يضطرّ إلى أن يكون هو نفسه “قائداً للثّورة الاسلاميّة”).. ثمّ يُعلن أنّه لا مُشكلة في تقاسم إدارة المضيق مع “آية الله” ومع “النّظام الجديد” الذي يقوده عمليّاً نجل القائد السّابق للثّورة.. الذي قتله هو!
- يَقول إنّه يُدافع وسيُدافع عن دول الخليج “الصّديقة”، ثمّ لا يتردّد لحظةً في اهانة أهمّ قادتها بشكل متكرّر.. وأحياناً بشكل فظيع وسوقيّ واقعاً! ثمّ يُلمّح بأنّ عليهم أيضاً أن يدفعوا تكاليف هذه الحرب التي بدأها هو!
أمّا على المستوى التّحليليّ الأكثر تعمّقاً، وباختصار، فنحن أمام ظاهرةٍ لا يجوزُ الاستهانةُ بها أبداً:
أوّلًا؛ نحن أمام اشكاليّةٍ حقيقيّةٍ وجدّيّةٍ كما أشرنا، وفي مضمون الأمور: فمن غير الطّبيعيّ ولا السّليم أن يكون خطابُ رئيسِ أكبرِ دولةٍ في العالمِ بهذا المستوى من التّبسيطِ والتّناقضِ والـBullshit و”الجَعدنة”.. وبعدَ كلّ هذه العصور التي مضت علينا كبشر إن جاز التّعبير!
ثانيًا؛ نحن أمام مؤشّرٍ واضحٍ – في المرجّح – على تراجعِ المستوى الفكريِّ والأخلاقيّ والرّوحيِّ عموماً لدى أغلب قياداتِ العالمِ الغربيِّ وبشكلٍ خاصٍّ.
ثالثًا؛ قد يكون هذا مؤشّراً كذلك على تراجعٍ مماثلٍ وأكثر خطورةً ربّما- وفي الأرجح أيضاً- لدى شرائح واسعة من الشّبابِ ومختلف الطّبقاتِ الاجتماعيّةِ في الغربِ بشكلٍ خاصٍّ، ما قد يفسّرُ قابليّةَ هذا الخطابِ للانتشارِ والتّفاعلِ رغم هَول غرابته ومستواه الكاريكاتوريّ والفظيع من جوانب مختلفة.
رابعًا؛ نحن على الأرجح أمام تنامٍ متطرّفٍ ومتصاعدٍ للنّزعاتِ الإنّيّة والأنانيّةِ التي تصلُ أحيانًا إلى حدِّ تأليهِ الذّاتِ لدى بعضِ القياداتِ (ومنها قيادات شبابيّة، وفي مختلف المجالات)، وهو أمرٌ قد يعكسُ بدوره- إلى حدّ كبير- سياسةَ بعضِ المناهجِ التّعليميّةِ والتّربويّةِ والتّدريبيّةِ بالإضافة إلى عدد من المؤسّساتِ الأكاديميّة وما إلى ذلك. أمّا: ما إذا كان علينا لوم الفيلسوف فريديخ نيتشه إلى حدّ ما في هذا السّياق الفكريّ، فهذا بحث قد نعود إليه لاحقاً، لا سيّما من زاوية ترويج تصوّر ما عن “إنسان-إله” أو “إنسان بديلٍ عن الله” إلى ما هنالك.
خامساً؛ ومن زاويةٍ أخرى لا تقلّ عمقاً ربّما، فإنّ هذا النّمطَ الخطابيَّ قد يعكسُ تحوّلًا في طبيعةِ “القوّةِ” ذاتِها في هذا العالم الرّأسماليّ والتّقنيّ الهيمنة: فلم تعدِ “القوّةُ” تُقاسُ فقط بالمعاييرِ الماديّةِ الاعتياديّة.. بل أيضًا بالقدرةِ على انتاجِ رواياتٍ متناقضةٍ – وخرافيّة – وفرضِها على الوعيِ العامِّ. وهنا لا يعودُ التّناقضُ الفظيع – والـBullshit والجَعدنة – خللًا، بل يصبحُ أداةً بيد ذوي “القوّة” وإلى حدّ بعيد.
