ديمونا.. قصة القنبلة التي وُلدت في الظل

كثيرًا ما تتردّد على مسامعنا في نشرات الأخبار أسماء منشآت حساسة، لعل أبرزها مفاعل "ديمونا"، ذلك الموقع النووي الإسرائيلي المثير للجدل، والذي طالما برز هدفًا استراتيجيًا محتملًا في خضم التوترات الإقليمية المتعاقبة. ولكن، وسط هذا الضجيج الآني، هل تساءلنا يومًا كيف بدأت قصة هذا المشروع بالغ السرية في قلب الصحراء؟ وكيف تمكنت إسرائيل من تشييد ترسانتها النووية من الصفر، متجاوزةً رادارات الاستخبارات العالمية، ومغامرةً بالدخول في صدام مباشر ومكتوم مع أقرب حلفائها التاريخيين، وتحديدًا إدارة الرئيس الأمريكي جون ف. كينيدي؟

التحالف السري مع باريس

بدأت مساعي إسرائيل النووية بعيد تأسيسها، لكن نقطة التحول الحقيقية والخطيرة انطلقت عام 1957 عبر اتفاق سري وعميق مع فرنسا. وكما يوثق الباحث والمؤرخ أفنير كوهين في كتابه المرجعي “إسرائيل والقنبلة” الصادر عام 1998، والذي استند فيه إلى آلاف الوثائق المرفوع عنها السرية، وافقت باريس حينها على تزويد إسرائيل بمفاعل لإنتاج البلوتونيوم في منطقة “ديمونا”. والأهم من ذلك، زودتها بمنشأة لإعادة المعالجة الكيميائية، وهي التكنولوجيا الحاسمة المطلوبة حصراً لتحويل الوقود النووي المستنفد إلى مادة صالحة لصنع القنابل.

هذا الاتفاق وضع اللبنة الأولى لبرنامج إسرائيل النووي، الذي أسسه رئيس الوزراء دافيد بن غوريون انطلاقًا من هاجس أمني وجودي عميق تولد لديه كعقيدة ثابتة بعد المحرقة (الهولوكوست)، حيث آمن إيمانًا مطلقًا بأن امتلاك سلاح ردع هو الضمانة الوحيدة لعدم تعرض اليهود للإبادة مرة أخرى. ولترجمة هذه الرؤية إلى واقع، اعتمد بن غوريون على شخصيتين محوريتين: إرنست دافيد بيرغمان، العالم والكيميائي الذي لعب دور “الأب الروحي” والمستشار الذي أقنعه بأن التكنولوجيا النووية هي الخيار الوحيد لتعويض التفوق الديموغرافي العربي، وشيمون بيريز، المسؤول التنفيذي الشاب الذي قاد المشروع ببراغماتية قاسية، متجاوزًا حتى معارضة وتشكيك المؤسسة العلمية الإسرائيلية ذاتها في جدوى المشروع وسلامته.

شكّلت أزمة السويس (العدوان الثلاثي) عام 1956 نقطة تحول حاسمة للبرنامج النووي، إذ استغل شيمون بيريز حاجة فرنسا الماسة إلى تعاون عسكري واستخباراتي مع إسرائيل لمواجهة مصر، وفي سياق الدعم الإسرائيلي لحرب باريس في الجزائر. وقد أفضت التفاهمات السرية لمؤتمر “سيفر”، بين 22 و24 تشرين الأول/أكتوبر 1956، إلى إبرام صفقة نووية غير مسبوقة، ضمنت لإسرائيل الدعم الفرنسي اللازم لبناء مفاعل ديمونا.

بموجب هذه الصفقة، رُفع مستوى المفاعل الفرنسي المقدم لإسرائيل من مفاعل أبحاث صغير إلى مفاعل ضخم لإنتاج البلوتونيوم بقدرة 40 ميغاواط، وهو مشابه لمفاعل (G-1) الفرنسي في منطقة ماركول، ومصمم لإنتاج ما بين 10 إلى 15 كيلوغرامًا من البلوتونيوم سنويًا.

لكن السر الأعظم والأكثر خطورة تمثل في تعاقد إسرائيل سرًا مع شركة “سان جوبان” الفرنسية لبناء منشأة كيميائية تحت الأرض، مخصصة حصراً لإعادة معالجة الوقود المستنفد واستخراج البلوتونيوم الصالح للاستخدام العسكري. ولأجل لإخفاء هذه العملية المعقدة عن الرقابة، أُنشئت شركة واجهة وهمية فرنسية تُدعى (Société Industrielle d’Étude et de Construction Chimique).

ولتأمين تشغيل هذا المفاعل الضخم، لجأت إسرائيل إلى خطة بديلة، فاشترت سرًا عشرين طنًا من الماء الثقيل من النرويج عام 1958 عبر مناورات دبلوماسية استغلت كميات نرويجية كانت مخصصة لبريطانيا. ولتجنب لفت الانتباه الدولي لتلك الأنشطة، وكما يوثق الصحفي الاستقصائي الأمريكي سيمور هيرش في كتابه “خيار شمشون”، فرضت قيود أمنية صارمة للغاية على المهندسين والعمال الفرنسيين في ديمونا؛ إذ مُنعوا من كتابة رسائل مباشرة إلى عائلاتهم في فرنسا، واضطروا بدلًا من ذلك إلى إرسال بريدهم عبر صناديق بريد وهمية في دول أمريكا اللاتينية للتمويه.

تمويل الظل وتعمية الاستخبارات

مردخاي فانونو

بالإضافة إلى السرية التكنولوجية، كان التحدي الأكبر هو التمويل، إذ كان يجب جمع المبالغ الضخمة اللازمة بعيدًا عن أعين الرقابة. ونظرًا للتكلفة الهائلة للمشروع، التي قُدِّرت حينها بنحو ثمانين إلى مائة مليون دولار، جُمع جزء كبير منها (حوالي 40 مليون دولار) عبر تبرعات سرية من أثرياء يهود في الخارج، ليبقى تمويل المشروع خارج ميزانية الدولة الرسمية تمامًا، متجنبًا بذلك رقابة الكنيست وحتى رقابة الجيش الإسرائيلي.

وفي هذا السياق، يكشف هيرش تفصيلًا محوريًا عن دور رجل الأعمال الأمريكي والمانح البارز للحزب الديموقراطي أبي فاينبيرغ (Abe Feinberg)، الذي قاد شبكة التمويل السرية هذه، ولعب دورًا مزدوجًا كجامع تبرعات للمشروع وكَمبعوث غير رسمي للضغط على الإدارات الأمريكية لغضّ الطرف عن الأنشطة النووية الإسرائيلية.

انكشاف السر و”حرب الرسائل” مع كينيدي

نجحت إسرائيل في إخفاء هذا المشروع الضخم عن أعين الولايات المتحدة لسنوات، رغم أن طائرات التجسس الأمريكية من طراز (U-2) التقطت صورًا للحفريات الهائلة في النقب منذ عام 1958. وساعدت استراتيجية التضليل الإسرائيلية المحكمة في ذلك، إذ ادعت تل أبيب أن الموقع مصنع للنسيج تارة، ومحطة تجارب زراعية أو منشأة أبحاث معدنية تارة أخرى.

وفي خضم هذا التكتم، واجه المشروع أزمة فرنسية داخلية كادت أن تعصف به إثر وصول شارل ديغول إلى السلطة، الذي صُدم بحجم التعاون العسكري السري الذي يجري خلف ظهر الدولة، فأمر عام 1960 بوقف فوري للدعم النووي الفرنسي. إلا أن بيريز تمكن بشق الأنفس من التفاوض على تسوية دقيقة تنسحب بموجبها الحكومة الفرنسية رسميًا، بينما يُسمح للشركات الخاصة بإكمال عملها في بناء المفاعل والمنشآت الأرضية.

بالتزامن مع ذلك، وفي أواخر عام 1960، أدركت إدارة الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور الحقيقة، استنادًا إلى تقارير متقاطعة وبمساعدة الاستخبارات البريطانية: أن الموقع لم يكن مصنعًا للنسيج، بل مفاعلًا لإنتاج البلوتونيوم.

كينيدي صريعاً

وسرعان ما ورث جون ف. كينيدي هذا الملف الشائك فور توليه الرئاسة عام 1961، ليصبح مفاعل ديمونا أول وأعقد أزمة انتشار نووي تواجه إدارته.

ويوضح المسؤول السابق في الخارجية الأمريكية وارن باس في كتابه “دعم أي صديق” أن إدارة كينيدي نقلت العلاقات الأمريكية-الإسرائيلية من الارتباط الفاتر في حقبة أيزنهاور إلى التحالف الكامل الذي نعرفه اليوم، وبرغم ذلك، كانت الدبلوماسية النووية هي المشكلة الأعقد بين البلدين. كان كينيدي يمتلك رؤية استراتيجية صارمة ترفض الانتشار النووي عالمياً، ما أدى إلى انطلاق سلسلة من المراسلات الحادة بين واشنطن وتل أبيب عُرفت في الأروقة الدبلوماسية بـ”معركة الرسائل”، وهي الوثائق التي يعرض أرشيف الأمن القومي بجامعة جورج واشنطن نسخها الأصلية المرفوعة عنها السرية.

إقرأ على موقع 180  إيران "الشرقية" في الكرملين.. مقايضة فيينا بأوكرانيا

كما يشير باس إلى أن كينيدي كان يحاول موازنة سياساته الإقليمية، حيث سعى من جهة لاحتواء الانتشار النووي، ومن جهة أخرى لفتح قنوات تواصل مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر، لتجنب خسارة العالم العربي لصالح السوفييت. ويشرح باس في كتابه الدوافع الاستراتيجية العميقة لكينيدي، المتمثلة في الخوف من سباق تسلح إقليمي مدمر؛ فقد كان مقتنعاً بأن امتلاك إسرائيل لسلاح نووي سيدفع الدول العربية، وعلى رأسها مصر بقيادة عبد الناصر، للجوء فوراً إلى الاتحاد السوفييتي للحصول على أسلحة دمار شامل، مما قد يشعل حرباً باردة ونووية في الشرق الأوسط. وعلى الضفة الأخرى من الحرب الباردة، نظرت موسكو بقلق إلى المشروع النووي الإسرائيلي، خشية أن يؤدي إلى سباق تسلح إقليمي يخرج عن السيطرة. ومع ذلك، فضل السوفييت احتواء الموقف عبر دعم عسكري تقليدي لحلفائهم بدل الانخراط في نشر التكنولوجيا النووية، في موقف يعكس حذراً استراتيجياً من توسيع دائرة السلاح النووي خارج منظومة القطبية الثنائية.

وبحلول ربيع عام 1963، تحولت طلبات كينيدي الدبلوماسية إلى ما يشبه الإنذار الصريح. ووفقاً لما ورد في المجلد الثامن عشر من سجلات العلاقات الخارجية للولايات المتحدة (FRUS)، وجه كينيدي رسائل شديدة اللهجة إلى بن غوريون يطالب فيها بضرورة السماح لمفتشين أمريكيين بإجراء زيارات نصف سنوية شاملة ودقيقة لمفاعل ديمونا قبل أن يصل المفاعل إلى مرحلة الحرج النووي (أي قبل بدء تشغيله الفعلي وإنتاج البلوتونيوم)، محذراً صراحة من أن التزام الولايات المتحدة ودعمها لإسرائيل قد يتعرض للخطر الشديد إذا لم تُمنح واشنطن حق الوصول للتفتيش الموثوق. واجه بن غوريون هذا الضغط الأمريكي الهائل بسياسة المماطلة والتهرب، وفي خضم هذا الحصار الدبلوماسي الخانق، استقال فجأة في منتصف عام 1963 كخطوة للتهرب من تقديم التزامات نهائية للإدارة الأمريكية.

مسرح الخداع الهندسي

خلف بن غوريون في رئاسة الوزراء ليفي أشكول، والذي يصفه وارن باس بأنه كان شخصية أكثر مرونة وبراغماتية، حيث أدرك أن إسرائيل لا يمكنها تحمل تبعات القطيعة مع واشنطن، فنجح في التوصل إلى تسوية مع إدارة كينيدي تسمح بزيارات تفتيش أمريكية محدودة، مما خفف الاحتقان وأزال أكبر عقبة في طريق التحالف الأمريكي-الإسرائيلي. بعد اغتيال كينيدي في تشرين الثاني/نوفمبر من العام ذاته، وافقت إسرائيل أخيراً على استقبال زيارات دورية أمريكية.

لكن، وكما تتفق التحقيقات التي أوردها هيرش في “خيار شمشون” وكوهين في “إسرائيل والقنبلة”، صممت إسرائيل جولات التفتيش هندسياً بعناية فائقة. يوثق هيرش بشكل مذهل كيف تم بناء “غرفة تحكم وهمية” كاملة خصيصاً لخداع العلماء والمفتشين الأمريكيين، حيث لم تكن الأقراص والمؤشرات متصلة بأي شيء حقيقي. والأخطر من ذلك، قامت إسرائيل ببناء جدران زائفة من الطوب وتغطيتها بالجص لإخفاء بوابات المصاعد والسلالم التي تؤدي إلى المنشآت الأرضية السفلية المخصصة لعمليات إعادة المعالجة الكيميائية واستخراج البلوتونيوم، مع الحرص على تنظيم جولات المفتشين في أيام محددة سلفاً وتحديد مساراتهم بصرامة.

عقيدة “الغموض النووي”

وهكذا، بفضل هذا الخداع الهندسي المعقد، لم تنجح إسرائيل في تضليل المفتشين الأمريكيين لسنوات فحسب، بل نجحت في فرض أمر واقع استراتيجي جديد أسس لما بات يُعرف بسياسة “الغموض النووي”. تجنبت هذه الاستراتيجية العميقة الإعلان الرسمي عن امتلاك السلاح لتفادي العقوبات الدولية والقطيعة مع واشنطن، واعتمدت في الوقت ذاته على “الردع الصامت” كعقيدة وطنية عليا.

غير أن هذا الغموض المحكم لم يصمد إلى الأبد؛ ففي عام 1986 تصدّع للمرة الأولى حين كسر التقني النووي الإسرائيلي مردخاي فانونو – الذي عمل في ديمونا بين عامي 1976 و1985 – جدار الصمت، وسرّب صوراً سرية للمنشأة إلى صحيفة “صانداي تايمز” البريطانية، ليقدم للعالم أول دليل بصري موثق على الطابع العسكري للمشروع (وقد دفع فانونو ثمن كشفه هذا باهظاً؛ إذ اختطفه الموساد من روما وزج به في السجن ثمانية عشر عاماً). بيد أن هذا الكشف لم يُفض إلى مراجعة دولية جدية، بل أماط اللثام عن متانة البنية الاستراتيجية التي أرسيت في تلك السنوات الخفية من الخمسينيات والستينيات، وعن عمق التواطؤ الأمريكي الضمني في الإبقاء على هذا الغموض قائماً.

لقد أجبرت هذه السياسة الولايات المتحدة، التي حارب كينيدي بشراسة لمنع انزلاق الشرق الأوسط في سباق تسلح إقليمي مدمر، على القبول المستتر بواقع نووي إسرائيلي غير معلن. إنها الخاتمة الدرامية التي حولت مشروعاً سرياً في قلب صحراء النقب إلى عقيدة ردع راسخة، لا تزال سارية وتحكم توازنات القوى المعقدة في الشرق الأوسط حتى اليوم.

Print Friendly, PDF & Email
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  روسيا.. "كارنافالني" ببصمة أميركية