القنب الهندي من مركّب هلوسة إلى ترياق سحري

صادق البرلمان اللبناني، اليوم، على قانون تشريع زراعة القنب الهندي الذي لا يزال يحتاج إلى توقيع رئيس الجمهورية ميشال عون، وإلى مراسيم تطبيقية في مجلس الوزراء، ليصبح ساري المفعول، في غضون الأشهر القليلة المقبلة، وكان لافتاً للإنتباه أن كتلة الوفاء للمقاومة، عارضت القانون الجديد.

طرحت فكرة تشريع زراعة القنب الهندي، مرارًا في العقد الأخير، وتحديدا بالتزامن مع طرح مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب في العام 2014، حيث كان الخبير الإقتصادي مروان إسكندر من أوائل المبادرين إلى طرح الأمر علناً بدعوته إلى تمويل السلسة من خلال تشريع زراعة الحشيشة في سهلي البقاع وعكار، فضلا عن دورها في تنمية الإقتصاد اللبناني.

في العام 2019، إستعانت حكومة سعد الحريري، بمؤسسة “ماكينزي” الإستشارية، فقدمت سلسلة إقتراحات تهدف إلى تعزيز مداخيل الدولة في ضوء التردي الإقتصادي الذي يشهده لبنان. أعطت الشركة الأميركية التي تطرح الكثير من علامات الإستفهام حول “وصفاتها” الإقتصادية، الضوء الأخضر لتشريع زراعة القنب لأغراض طبية، نظرًا لما يمكن أن توفره من مداخيل لخزينة الدولة. ثم تسارعت وتيرة مناقشة إقتراحات القوانين المقدمة إلى مجلس النواب وصولا إلى إقرار اللجان المشتركة في شباط/فبراير الماضي، الصيغة التي طرحت على الهيئة العامة، وتم إقرارها، وهذه الخطوة يسعها، إذا أحيطت بما تحتاجه من تدقيق ومتابعة، أن تشكل مساهمة في تعزيز المكانة العلاجية للقنب الهندي.

 كانت ولايتا كاليفورنيا وكولورادو في مقدم الولايات الأميركية التي أجازت الإستخدام الطبي لهذه النبتة الإشكالية. يتوزع في أرجائها الكثير من الصيدليات المتخصصة التي ترفع ورقة خضراء خماسية الأضلع شعاراً لها. جرى ذلك، بعدما أثبتت التجارب المخبرية أن القنب نبتة جرت شيطنتها بأكثر وأسرع مما تستحق.. إذ ليس صحيحاً أنها تصلح للهلوسة فقط. ثمة الكثير من المنافع الطبية بوسع النبتة المستخرجة، وفق تقنيات علمية مدروسة، أن تمنحها لمستعمليها.. كما يمكن لعملية تتبع مسارها أن تتيح الإستنتاج أن منعها لم يأت نتيجة اختبارات علمية دقيقة، بل لكون جهاز مكافحة المخدرات الأميركي وضعها، منذ ستينيات القرن الماضي، على لائحة الممنوعات، فكان أن تبنت الأمم المتحدة الإجراء الأميركي ثم التزمت به سائر الدول، قبل أن تكر سبحة التشريع في العديد من بلدان القارتين الأميركية والأوروبية في العقدين الأخيرين وبينها أميركا التي أجازت العديد من ولاياتها في العام 2016 استخدام القنب لأغراض علمية وطبية.

 يمكن لزيت القنب أن يكون مفيداً كدواء لمرض الصرع الذي يصيب الأطفال، هو يؤمن لهم راحة لم يحصلوا عليها من قبل. كثيرة هي الشواهد على أطفال أصيبوا بداء الصرع ثم أمكنهم التعايش مع مرضهم الصعب، وأن يدخلوا المدرسة بفضل زيت محضر من زهور القنب. لا تزال الكيفية التي تؤثر من خلالها مادة الكانابيديول، وهي إحدى المواد الفعالة في زيت القنب، في دماغ مرضى الصرع غير واضحة.. لكن يصعب التغاضي عن نتائجها المبشرة طبياً.

لا تزال فرنسا ترفض التعاطي مع القنب باعتباره نبتة طبية يمكن عرض منتجاتها في الصيدليات. هو مادة مخدرة فقط ولا يسعه أن يكون غير ذلك.. اعترفت السلطات الفرنسية بالمنتج القنبي “ساتيفكس”، لكنها تتعامل معه بوصفه مكملاً علاجياً لا يغطيه التأمين الصحي، بل يجدر بمن يتناوله أن يدفع ثمنه. كذلك، يجري وصف العلاج المصابين بـ”التصلب المتعدد”.

ما بعد إنتهاء موسم كورونا، تتجه الأنظار نحو السهول الزراعية التي ستمتلئ في الموسم المقبل، بنبات القنب الأخضر. حتماً، ستكون هذه النبتة أكثر اعتداداً  بنفسها بعد أن كان يتملكها الخجل من العابرين الذين طالما وضعوها في قفص الإتهام والإدانة

يرفض الاطباء المعترضون على استخدام القنب كعلاج ما يقوله زملاء لهم من أن الفارق كبير بين تعاطي الماريجوانا كوسيلة للترفيه والإمتاع، وبين القنب المعد مخبرياً لأن يكون صنفاً دوائياً مفيداً للكثير من الحالات المستعصية. بالمقابل، يذكّر المدافعون عن المشروعية الطبية للقنب بكون الصينيين قد استخدموه لعلاج بعض الأمراض بدءاً من القرن الميلادي الأول.

لاحقاً، إهتدى علماء في الكيمياء الحيوية إلى مكونات شتى تدخل في القنب. منها “تي إتش سي” (تترا هيدرو كانابينول) وهي مادة تبعث على النشوة، و”سي بي دي” (كانابينيدول) التي تملك خواصاً مغايرة وتأثيراً مختلفاً، بل ومناقضاً أيضاً.

لاحقاً تم تحديد 144 جزيئاً في القنب، أسميت نظائر له. ويمثل القنب النبتة الطبيعية الوحيدة التي تمتلك هذا القدر من النظائر أو الشبائه.

في العام 1988، تم اكتشاف الآلية التي يمكن للقنب أن يؤثر من خلالها على العقل، ثمة مستَقْبِلٌ في الدماغ يتم تنشيطه عبر الـ “تي إتش سي” التي تدخل في هذا المُستقبِل المتواجد على سطح الدماغ كما يدخل المفتاح في القفل، فتحرّض على إفراز مادة الدوبامين التي تبث شعوراً بالفرح في أوصال الكائن البشري. يدور المفتاح في القفل، فيطلق شلالاً من ردود الأفعال التي تسيطر على النشاط العصب. هذه المُستقبِلات موجودة أصلاً في الدماغ الآدمي لتأدية وظيفة بيولوجية محددة، ذلك أن جسم الإنسان يصنع مؤثرات تتولى تحفيز هذه المُستقبلات، أي أن ثمة “تي إتش سي” تجري فبركته داخل الجسد البشري. يطلق على هذا المركب الفيزيولوجي مسمى “أناندا مايد”.

أكثر من عشرين سلالة من القنب صارت تُزرع إعتماداً على تقنيات علمية.. مع ذلك، لم يتحول إلى دواء طبيعي.. معامل أدوية مرموقة تُجري راهناً اختبارات على المزيج الجزيئي للنبتة، وتعمل على تحليل الحمض النووي لكل نوع منها، ثم يصار إلى تطوير ملفها الجيني بهدف الحصول على منتج موثوق ومتجانس وآمن له صفة الدواء الطبيعي. مادة الـ”سي بي دي” لديها خواص علاجية للتوتر وبعض انواع التهاب الجلد، ثمة مركب آخر في القنب أقل شهرة هو الـ”سي بي جي” يجري التعامل معه في أكثر من مختبر حالياً، وهو واعد في إطار الإستهدافات الطبية، خاصة في ما يتعلق بأمراض القولون والتهاب المفاصل، وداء باركنسون.

كشفت الأبحاث التي أجرتها كلية البيولوجيا في جامعة مدريد عن قدرة المكونين الأساسيين للقنب (تي إتش سي، وسي بي دي) على تدمير الخلايا السرطانية لدى الفئران، لكن ما من دليل علمي حتى الآن، على أن ما ينطبق على الفئران يصح على البشر كذلك.

مدينة ستراستبورغ الفرنسية تستضيف مؤتمراً سنوياً يناقش الأبحاث العلمية المخصصة للقنب. بيّنت نقاشات المؤتمرين أن القنب وحده يمكنه تخفيف المضاعفات الناجمة عن التداعيات السلبية لعلاج مرضى الإيدز، ويعمد بعض هؤلاء إلى تحضير المستخلص بشكل غير قانوني. وقد آل الأمر إلى قضية خلافية دفعت البروفيسورة الإسبانية كريستينا شانشيز إلى القول أن منع المرضى من الحصول على القنب الطبي “يشكل خرقاً فادحاً لحقوق الإنسان”..

ماذا عن القانون الذي أقره البرلمان اللبناني؟

يشترط القانون في مواده ألا تزيد نسبة الـ”تي إتش سي” في نبتة القنب عن واحد في المئة من محتواها، بما يجعلها آمنة حيال التأثيرات السلبية على عقل المستهلك. أقر القانون تشكيل هيئة ناظمة للقنب يناط بها تنظيم كل العمليات المتصلة به من استيراد بذور وتأصيلها، وزراعة وحصاد وتوضيب وبيع وتصنيع. تعتمد هذه الهيئة على لجنة تقييم للمنتج تعود إليها صلاحية إقرار استيفاء النبتة للشروط العلمية والصحية المعتمدة بشأنها، كذلك لحظ القانون ما أسماه بالنطاق الجغرافي، أي المناطق المسموح فيها بزراعة القنب، وترك صلاحية تحديدها لمجلس الوزراء في المراسيم التطبيقية، كما حدد القانون مدة ثلاث سنوات كحد أقصى، قابلة للتجديد، للرخص الممنوحة من الهيئة للمواطنين الطبيعيين، وللشركات الراغبة في الإستثمار. وتتولى الهيئة وضع الشروط اللازمة لبيع محصول القنب والمواد الأولية، وذلك حصراً الى مصانع الأدوية وإلى مجموعة من الشركات الصناعية المرخص لها، لبنانية وأجنبية، والتعاونيات الزراعية المتمتعة بأهلية التكيف مع شروط الترخيص، وإلى المعاهد ومراكز الأبحاث المعترف بها، كما إلى الشخص الطبيعي المستوفي للشروط القانونية.

ويحدد القانون تسعة أنواع من التراخيص يمكن للهيئة أن تمنحها للعاملين في قطاع القنب: ترخيص استيراد البذور والشتول، ترخيص إنشاء المشاتل، ترخيص الزرع والحصاد، ترخيص التصنيع، ترخيص إنشاء مراكز الأبحاث والمختبرات، ترخيص التصدير، ترخيص النقل والتخزين، ترخيص البيع والتوزيع، وترخيص استيراد المواد الكيمائية القياسية.

ما بعد إنتهاء موسم كورونا، تتجه الأنظار نحو السهول الزراعية التي ستمتلئ في الموسم المقبل، بنبات القنب الأخضر. حتماً، ستكون هذه النبتة أكثر اعتداداً  بنفسها بعد أن كان يتملكها الخجل من العابرين الذين طالما وضعوها في قفص الإتهام والإدانة. بعد إقرار القانون، ستكون حكايتها عبرة جديرة بالإهتمام، سيرة مشوقة لمركب هلوسة أمكنه أن يتحول فجأة إلى ترياق سحري.

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course