ما بين الليطاني والحدود.. حربُ وجود لا معركة خطوط

بعد شهر من قتال المقاومين على الحافة الأمامية من الحدود مع لبنان، خرج بنيامين نتنياهو من جحره تحت سابع أرض، ليعلن من وراء ملجأٍ نقالٍ أنّه وجّه "بتوسيع المنطقة العازلة وتغيير جذري للوضع في الشمال"، كأن هذا التوسيع طوع بنانه، وكأن التغيير الجذري بمقدور جيشٍ أعلن رئيس أركانه إيال زامير أنه "على وشك الإنهيار"، أو كأن هذه المنطقة أرض سائبة أو مشاع مهجور، بعد خمسة أسابيع من الالتحام من مسافات صفرية.

شهرٌ ثانٍ أطل على حرب الحدود. ميزتها أنها تحوّلت إلى حرب وجود: وجود المقاومة ما بين نهر الليطاني والحدود، ووجودها في لبنان كله، وما بينهما من وجود هذا اللبنان بأكمله، وحتى الإقليم بمن فيه بين أنياب تُهدّد بابتلاعه في جوف “إسرائيل الكبرى”، وجرفه بأفكار التطبيع و”السلام بالقوة”. وربما كان “من الممكن مقاومة غزو الجيوش، ولكن ليس من الممكن مقاومة الأفكار”، على ما ذهب إليه الروتئي والشاعر الفرنسي فيكتور هوغو (1802-1885).

شهر انقضى، وبضع مئات من أبناء هذه الأرض ينبتون ربيعًا في كل شبرٍ منها، منذ الثاني من آذار/مارس المنصرم، بعد خمسة عشر شهرًا من أضغاث أحلام أشبه بالتوراتية بأنهم غادروها. فإذا بالحالم يفيق عليهم مصدومًا، يخالهم أشباحًا تخرج من بين الركام؛ ركام البيوت التي نسفها أو أحرقها. وإذا بهم على الحافة الأمامية، أوائل على خط النسق الأول، بما لم يحضر في المخيال التلمودي، إذ يكتبون بدمهم سرديتهم، ويتألقون بكل ما لديهم، ويلتحمون مع الغزاة في كل خراج، ويصنعون ملحمة في كل قرية، ويذودون عنها بأنفسهم — والجود بالنفس أقصى غاية الجود — وذاك ذروة البذل، وقمة العطاء، وفرادة الحب. ألم يقل الإمام علي (ع): «عُمِّرَتِ البلدانُ بحبِّ الأوطان»؟

هم لم يغيبوا أصلًا عنها حتى يعودوا إليها، فهم فيها مزروعون كأشجار الزيتون وتحتها، التي اقتلع وسرق ما استطاع منها، لكن الباقيات منها ظلّت تقاوم كما يقاومون. فهم مع آبائهم زرعوها وسقوها ورووها، وحرثوها في العام مرتين، وهم مع أُسرهم في كل عام تعاونوا عائليًا على موسمها بحنانهم، وقطفوها واستخرجوا زيتها بحنوهم. فكيف يتخلّون عنها ويتركونها؟ والتخلّي هنا فعل خيانة موصوفة، كونه يشمل الأرض والعِرض، الدين والعرف. ولهذا يمسي فعل القتال كربلائيًا بامتياز حتى الاستشهاد، ويغدو علامة فارقة تميّز الغثّ من السمين، والخبيث من الطيب، وتجعلهم نوعًا بشريًا فريدًا، في حياته كما في استشهاده.

فهل سأل أحد غيرهم نفسه: كيف يصمدون ويقاتلون ويقاومون؟ ماذا يأكلون؟ كم ساعة ينامون؟ هل يتدفأون في هذا الطقس العاصف والبرد القارس الذي لا يعرفه إلا أبناء المنطقة الحدودية؟ كيف يتنقلون خفافًا بما يحملون من حديدٍ وعتاد في وحول الحقول الغارقة بالأمطار ليصطادوا “ميركافا” هنا، وتجمعًا للغزاة هناك؟ وكيف يستطيعون وقف زحف جحافلهم على الطرقات والمفترقات التي حفظوها كخطوط أيديهم؟ كيف سيعيش أطفالهم بقية حياتهم من بعدهم بين الوجد والفقد، والعطف والحنان والأمان؟ كيف؟ كيف؟ وهم في هذه البرية الموحشة كوطنهم، يقاومون ولا يسمعون غير بعضهم، وأصوات الدبابات المتحركة مع صفير الريح وعصفها؟

لا يكترثون لكل من يحاول تثبيط معنوياتهم، لأنهم هم من يمنحون المعنويات لكل من يشبههم في الوطنية والسيادة والشهادة. وهم من يعرفون الجغرافيا التي يتكيفون معها ويدافعون عنها، وتنطوي لهم وتلين، مثلما لان الحديد لداوود. وهم يحفظون تاريخها وحكاياتها مع كل الغزاة الذين عبروها ولم يبقوا فيها. ومن أمثالهم تعلّم الفيلسوف البريطاني توماس هوبز (1588-1679) أن “الإنسان لا يمكنه التخلي عن حق مقاومة من يعتدون عليه بالقوة لأخذ حياته منه”.

هم ثلة، هم قلة، هم مِلّة، وهي ليست المرة الأولى لهم: بضع مئات مقابل عشرات الآلاف من الغزاة. من قال إن لا تناسب بينهم ما دام الواحد منهم بعشرة، بمئة، بألف وأكثر؟
{إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} (الأنفال: 65).
ولهذا هم لا يعنيهم إعلان عن مناطق عازلة، لأنهم غير معنيين بها أصلًا، ولأنهم ربما لا يسمعون بها إلا كإعلانات سرعان ما تنقضي وتتلاشى بانقضاء المدة الصالحة، قبل أن تمسي مادة فاسدة. ولأنهم يدركون أن مدى صواريخهم يطيح بها وبما هو أبعد منها، وأن روحهم التي تقودهم، وأرواحهم التي يبذلون، أكبر منها وأوسع، مهما فعل الغزاة.

نعم، قد يجرف الاحتلال الأشجار والأحراش، لكن أخواتها تبقى؛ يسرق من ترابها المميز، لكن الأرض بتلالها ووديانها تبقى؛ تعبث جرافاته بالجغرافيا، لكن صخورها تقوى؛ ينشئ المواقع، لكنها تظل أرقامًا عابرة، لأن كل ما حولها مقاومة.

والمقاومة ليست فقط بشرًا يأكلون وينامون ويفيقون؛ هي طائر، والطائر لا يُغرّد لأنه يملك إجابة، بل لأنه يملك لحنًا. وكيف لطائر الفينيق أن يفيق وهو لم ينم؟ وهل ناموا ليلًا حتى يفيقوا نهارًا؟ هم مفاجئون حتى لبيئتهم، لحلفائهم ولخصومهم، وليس فقط لعدوهم.

فماذا سيقول الذين قالوا إن المقاومة لم تحمِ لبنان من العدوان، وأنها هُزمت، وأن معادلة الردع سقطت؟ مع أن هذا “الجمع” يعلم أن “الخسارة بعد المقاومة تختلف عن الخسارة بدونها”.

لنتخيل، افتراضًا، أن هذه المقاومة هُزمت العام الماضي، ولم تعد موجودة، ولم تستعد عافيتها خلال الخمسة عشر شهرًا، وجاء ثلاثي نتنياهو–كاتس–سموتريتش غازيًا لإقامة منطقة عازلة حتى الليطاني مبدئيًا. فمن يدفعه؟ ثم قرر توسيعها حتى الزهراني تالياً، فمن يصده؟ ثم أراد توسيعها حتى الأولي، فمن يوقفه؟ ثم حاول التمدد إلى العاصمة وما بعدها، فمن يمنعه؟ ومن يخوض حرب وجود الوطن عندما يتبارى قادة الغزاة على تثبيت “حدود إسرائيل الجديدة عند نهر الليطاني”، وهم يفشلون بفعل المقاومة في تثبيت احتلالهم؟

إقرأ على موقع 180  مصر في عين العاصفة.. دفن الرأس بالرمال لم يعد مجدياً!

من يوقفه من بين كل مكونات هذا البلد غيرهم؟ وهم مكوّن الوطن الأساس الذي يقاوم، بمعزل عن طبيعة هذا المكوّن ودينه ومذهبه. لأن “مقاومة الظلم لا يحددها الانتماء لدين أو عرق أو مذهب، بل طبيعة النفس البشرية التي تأبى الاستعباد وتسعى للحرية”، كما قال الثائر الأممي تشي غيفارا.

فكيف يكون تصدي جماعة مقاومين للغزاة “انتحارًا جماعيًا”؟ وهم لا يطلبون لأنفسهم عليه جزاءً ولا شكورًا. فما الذي يجبر كل واحدٍ من هؤلاء الأنقياء أن يترك أسرته من زوجة وأطفال، وعائلته من أمهات وأبناء، وأقاربه والأصدقاء، وبيئته ومجتمعه ووطنه، ليستشهد لأجلهم جميعًا؟

ومع هذا كله يُكافأ بمن يُطعَن كل شهيد منهم جزافًا وظلمًا وعدوانًا قبل وبعد. فتارة هم “مغامرون”، وتارة “مقامرون”، وطورًا “خارجون عن القانون”، في دويلات وعصابات ناكرة للجميل. والنكران ينحدر إلى دركٍ أسفل من فعل التنكر لدماءٍ تُراق على مذبح الوطن والوطنية والسيادة والشرعية؛ فهل كان المفكر النهضوي عبد الرحمن الكواكبي (1855-1902) على حق حين قال في كتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”:
“قبل مقاومة الاستبداد يجب تهيئة ماذا يُستبدل به الاستبداد”؟

Print Friendly, PDF & Email
غالب سرحان

كاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  مأزق يهود فرنسا وأميركا مع صهيونية مأزومة