عندما استحق “الفتى” طلال سلمان لقب “الأستاذ”

إنقسم اللبنانيون في موقفهم من دولة الوحدة (بين مصر وسوريا)، شأنهم في مواجهة أية قضية كبرى: عاد بعضهم إلى «انعزاليتهم»، وقد انضم الآن «الشيوعيون» إلى معسكر «الانعزاليين القدامى» وفيه الكتائبيون ومن ناصرهم، والشمعونيون وفيهم وجوه إسلامية معروفة، ومن عرفوا دائماً بأنهم من «جماعة السعودية»، ومعهم «الأخوان المسلمون» ومن يناصرهم في لبنان وفلسطين اضافة إلى «جماعتهم» في سوريا.

كان الرئيس اللبناني الجنرال فؤاد شهاب حكيماً وقد اتخذ موقفاً عاقلا سوف يتم تثبيته لاحقاً عبر قمة جمعته إلى جمال عبد الناصر في خيمة عند نقطة الحدود بين لبنان وسوريا، وكانت نتيجتها الاتفاق على قاعدة واضحة: لن يدخل لبنان في دولة الوحدة، ولكنه سيكون صديقاً لها وسينسق سياسته الخارجية معها في حين تترك له شؤونه الداخلية وتساعده بتهدئة من «يواليها» حتى لا يكون صدام بين اللبنانيين.

الجميل والعويني وكرامي وإده

كانت «الحكومة الرباعية» هي البدعة التي نتجت عن اعتراض «الكثرة المسيحية» على الحكومة الأولى التي شكلها فؤاد شهاب برئاسة رشيد كرامي، وأسقطها «الشارع المسيحي» بقيادة حزب الكتائب ومعه مناصرو كميل شمعون وكل المعارضين لعبد الناصر و«طموحاته التوسعية» وفيهم معظم أقطاب النظام القديم. وقد ضمت الحكومة إلى كرامي الحاج حسين العويني والشيخ بيار الجميل والعميد ريمون اده.

كان “الفتى” (طلال سلمان) يُعاني من أزمة فكرية، فلقد نشأ على الإعجاب ببعض شعارات الحزب الشيوعي اللبناني وبكتابات العديد من مفكريه… كذلك كان قريباً من أفكار حزب البعث وإن ظل يشغله التساؤل عن سر الخصومة بين البعثيين والمنتظمين في حركة القوميين العرب وكثيراً ما لجأ إلى «البيك» في محاولة لتبديد حيرته، فكان منح الصلح يأخذه في رحلة ترجعه إلى الأصول في مبادئ حزب النداء القومي، ثم توقفه لتحية قسطنطين زريق، وبعد ذلك تحمله إلى رصانة ميشال عفلق من دون أن تغفل الأثر المهم لاندفاعة الدكتور جورج حبش، لتنتهي به إلى اعتماد فلسطين أساساً للحكم على مواقف مختلف الأطراف «فمن كان معها.. كُنْ معه».

انتهت مغامرة السكن في عمارة أنيقة في الحمراء بإفلاس الشريكين في استئجارها: ذهب وجيه رضوان إلى شقيقه الملحن الموهوب عفيف رضوان، وعاد الفتى إلى «فندق الجهاد» في شارع المعرض، وكان مستثمره احد أبناء بلدته في «بلاد بعلبك»، وهو يقيم مع أسرته في بعض الفندق، وتبقى أربع غرف للزبائن، بعضها بأربعة أسرة، وبعضها بثلاثة… وقد خصّه بغرفة رفع منها سريراً وأبقاها له مع شيء من تخفيض ايجارها باعتباره زبوناً دائماً، إضافة إلى كونه «ابن ضيعتنا».

كان الفندق يطل من مطبخه على السطح الدائري المتحرك للمسرح التاريخي الذي تم تحويله إلى صالة للسينما باسم «التياترو الكبير». وعلى امتداد شهور الصيف كان يمكن لأصحاب الفندق و«ضيفهم» الفتى أن يجتازوا معبراً موقتاً اصطنعوه على عجل إلى سطح السينما، ليشاهدوا من قلب القبة المفتوحة ما يُعرض من أفلام… وغالباً ما كان الفتى يحضر الفيلم مقطعاً، بحسب مواعيد عودته من عمله في المجلة.

  من اليمين منح الصلح وطلال سلمان وشفيق الحوت وسليم اللوزي

صار «الفتى» واحداً من الأسرة التي بين أفرادها فتاة في مثل عمره. ولأنه «ريفي» فقد كان يتمثل قول الشاعر «واغض طرفي ما بدت لي جارتي… حتى يواري جارتي مأواها»… لكن المأوى واحد، والطرف قد يسترق النظر أحياناً، وقد تتلاقى النظرات المسترقة، وهذا عيب فظيع وتجاوز لا يغتفر، ربما ترتبت عليه نتائج غير محسوبة… وهكذا وجد الفتى نفسه مضطراً إلى ترك الفندق الذي يتقاسم الطابق مع فندق آخر يستأجره، هو الآخر، أحد أبناء البلدة أيضاً، ولكن ليس له ابنة مثل «قلب الصبح». طاردته نظرات العتاب لفترة طويلة، كما يتسبب التلاقي مصادفة على الدرج، أو عند الباب أثناء الخروج أو عند العودة من العمل ليلاً، فصار ضرورياً أن يرجع “الفتى” إلى شارع مارون مسك، ولكن كمستأجر لغرفة على سطح بيت عمته وليس كضيف ثقيل على صهره الذي يمضي يومه الطويل عند «بابه»، معتبراً انه «زميل» مع التجار الكبار في سوق سرسق ليعود مساء بما يكفي بالكاد لإطعام عائلته التي يتزايد عديدها باستمرار.

وكان يحلو لـ”الفتى” في بداية نزوله في تلك المحلة أن «يتنزه» بين بساتين الليمون التي كانت تملأ تلك الضاحية التي كان ينبت فيها كل أسبوع بيت جديد، سرعان ما تعلو طوابقه، بينما تتناقص البساتين ويفتقد الهواء عطر زهر الليمون، ويتكاثر السكان الذين هجروا أراضيهم في الأرياف التي لم تعد تطعمهم من انتاجها، وجاءوا إلى المدينة ليقوموا بأي عمل يدوي أو اية مهنة لا تحتاج إلى تدريب طويل، من أجل تأمين الخبز لعائلاتهم التي تتكاثر بمعدلات قياسية.

فجأة سمع، لأول مرة، من يناديه بلقب «الأستاذ»، وحين التفت إلى مصدر الصوت مستهجناً وجد صديقاً لصهره من أبناء جبل عامل. قال الرجل: أنت تستحق لقب الأستاذ. أنا من قراء «الحوادث» ومن المعجبين بأسلوبك. اسأل زوج عمتك كم مرة سألته عنك. وأنا سعيد الآن أنني قد تعرفت إليك.. يا أستاذ!

إقرأ على موقع 180  جاء رئيسُ لبنان، بدأ العهد.. ماذا بعد؟ 

زغردت عمته وهي تسمع كلمة «أستاذ» موجهة إلى ابن شقيقها، وغفرت له العودة متأخراً في الليل: أنت تسهر إذن لأمر يستحق السهر!

في اليوم التالي ذهب يرافقه زهوه إلى المجلة فاستقبله شفيق الحوت بغضب: لقد نسيت بالأمس أن تكتب كلام الصور، ولو لم أستدرك الأمر لكانت فضيحة..

قال “الفتى”: ولكن الأستاذ سليم قال إنه سيتولى الأمر..

رد شفيق: حتى لو… كان عليك أن تنتظر ليُسلّمك ما يكتبه ثم تتولى الإشراف على التنفيذ حتى إنجازه!

في تلك اللحظة، تماماً، خرج سليم اللوزي من مكتبه فقال مخاطباً شفيق: احسم له أجر ثلاثة أيام حتى لا يهمل مرة أخرى!

جرجر “الفتى” قدميه إلى مكتبه، ووقف لا يعرف كيف يتصرف، فلم ينتبه إلى دخول «البيك» الذي بادره بالقول: قضي الأمر، وصدر العفو، فلا تحزن. لقد أرادا تنبيهك، وقرّر سليم اللوزي أن يكتفي هذه المرة بتوجيه تنبيه.. ألف تنبيه، حبيبي، لا تعادل ليرة واحدة! أعرف ذلك! قم الى عملك.

وقام يشكر «البيك» لكنه لم يغادر حزنه إلا بعدما غرق في عمله مقرراً أن يُصحّح مقالات سليم اللوزي بالذات، ويدس له نسخة مصححة ليكتشف كم خطأ كان سيظهر فيها لولا يقظة «الفتى» الذي صار «أستاذاً» قبل أن ينضج بحيث يمكن لكتفيه أن يحملا هذا اللقب الفخم!

Print Friendly, PDF & Email
طلال سلمان

رئيس تحرير جريدة السفير

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  جبل الشيخ.. من منصة استخباراتية إلى ورقة تفاوض إقليمية