يُمثّل جبل الشيخ أو جبل حرمون – القمة الأعلى على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط (2814 مترًا) – نقطة تقاطع نادرة بين الأمن والعسكر والمياه والسيادة. ومع تحوّله خلال العقود الماضية إلى منصة استخباراتية متقدّمة، ثم إلى ورقة ضغط ثابتة في يد إسرائيل، يصبح من الصعب فصل أي مسار تفاوضي سوري–إسرائيلي عن موقعه ودوره. من هنا، تكتسب إعادة طرح مسألة جبل الشيخ اليوم دلالات تتجاوز الحدث الدبلوماسي الآني، لتطال مستقبل التوازنات في سوريا ولبنان والمنطقة ككل؛ غير أنّ قيمته لا تنبع من الجغرافيا وحدها، بل من موقعه الاستثنائي عند تقاطع الحدود السورية واللبنانية والفلسطينية المحتلة، ما يجعله نقطة ارتكاز استراتيجية نادرة في المشرق العربي.
يمنح هذا الارتفاع الشاهق إطلالة بانورامية واسعة تمتد من العاصمة السورية دمشق وريفها، إلى هضبة الجولان المحتل، فسهل البقاع وجنوب لبنان وشمال فلسطين. وقد أدركت القوى الإقليمية، وفي مقدّمها إسرائيل، هذه الأهمية منذ عقود، فتحوّل الجبل إلى ساحة صراع عسكري واستخباراتي دائم، تتداخل فيه الأبعاد الأمنية والمائية والسياسية.
من الاحتلال إلى التفوق الاستخباراتي
تعود الأهمية العسكرية الحديثة لجبل الشيخ إلى حرب حزيران/يونيو 1967، حين احتلت إسرائيل أجزاء منه ضمن سيطرتها على الجولان السوري. لم يكن هذا الاحتلال مكسبًا جغرافيًا فحسب، بل شكّل قفزة نوعية في القدرة الاستخباراتية الإسرائيلية. فمنذ اللحظة الأولى، جرى تحويل القمة إلى منصة رادار متقدمة، تضم أنظمة إنذار مبكر ومراقبة إلكترونية شديدة الحساسية، ما أتاح لإسرائيل مراقبة مساحات واسعة من العمق السوري واللبناني.
تكرّست هذه الأهمية خلال حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، حين شهد الجبل معارك ضارية للسيطرة على المرصد الإسرائيلي. أظهرت تلك المواجهات أنّ الصراع على جبل الشيخ لم يكن صراعًا تقليديًا على الأرض، بل حربًا استخباراتية بامتياز، تتعلّق بالتحكم بالمعلومات والإنذار المبكر والقدرة على شلّ منظومات الخصم.
اتفاق فك الاشتباك 1973
بعد حرب تشرين/أكتوبر 1973، أُبرم اتفاق فك الاشتباك عام 1974، الذي أنشأ منطقة عازلة تحت إشراف قوات الأمم المتحدة (UNDOF)، وأسهم لعقود في ضبط التوتر ومنع الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
إلا أنّ التحوّلات العميقة التي شهدتها الساحة السورية خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من تراجع قدرة الدولة المركزية على ضبط الجغرافيا الجنوبية، أفرغت هذا الاتفاق من مضمونه العملي. في هذا السياق، تعاملت إسرائيل مع المنطقة العازلة بوصفها فراغًا أمنيًا يسمح بإعادة التموضع العسكري وتوسيع السيطرة على مواقع إضافية في جبل الشيخ، في خطوة تتجاوز منطق الردّ الأمني المؤقت نحو تثبيت وقائع جديدة على الأرض.
“عيون الأمة”.. تفوق أرضًا وجوًا
تستمد إسرائيل من جبل الشيخ ميزة استراتيجية يصعب تعويضها. فالسيطرة على القمة تتيح مراقبة بصرية وإلكترونية متواصلة لتحركات عسكرية ومدنية في العمق السوري واللبناني، من دون الحاجة إلى الاعتماد الحصري على الاستطلاع الجوي المكلف والمعرّض للمخاطر.
وقد طوّرت إسرائيل على القمة بنية تحتية استخباراتية متكاملة، تضم قواعد عسكرية، وأبراج مراقبة، وأنظمة رادار متقدّمة، وكاميرات حرارية، إضافة إلى تجهيزات للتنصّت والتشويش والسيطرة على الاتصالات. بهذا المعنى، لم يعد جبل الشيخ موقعًا دفاعيًا فحسب، بل منصّة هجومية واستخباراتية تتيح فرض تفوّق طويل الأمد.
وتندرج السيطرة على جبل الشيخ ضمن مبدأ عسكري عالمي راسخ، يقوم على أولوية التحكم بالمرتفعات لما توفره من قدرة على المراقبة وقيادة العمليات والسيطرة على خطوط الإمداد. وكما هو الحال في مناطق نزاع أخرى حول العالم، تثبت التجربة أنّ من يسيطر على القمم يفرض إيقاع المعركة، حتى من دون اشتباك مباشر.
مخزون مائي استراتيجي
لا يقتصر توصيف جبل الشيخ في الخطاب الإسرائيلي على كونه «عيون الأمة» استخباراتيًا، بل يتعدّاه إلى كونه ركيزة للأمن المائي. فثلوج الجبل وينابيعه تغذّي أنهارًا أساسية مثل الحاصباني والوزاني وبانياس واللدان، وهي روافد رئيسية لنهر الأردن.
وتشير تقديرات متعددة إلى أنّ نحو ثلث الموارد المائية التي تعتمد عليها إسرائيل يأتي من الجولان وجبل الشيخ. وعليه، تشكّل السيطرة على الجبل ضمانة استباقية للأمن المائي الإسرائيلي، وتمنح تل أبيب ورقة ضغط إضافية في أي مفاوضات مستقبلية حول الجولان أو تقاسم الموارد.
مزارع شبعا اللبنانية وما بعدها
بالنسبة إلى لبنان، يرتبط جبل الشيخ مباشرة بملف مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وهو ملف يزداد تعقيدًا بفعل غياب الترسيم النهائي للحدود اللبنانية–السورية. هذا الغموض القانوني أضعف الموقف اللبناني في المحافل الدولية، وسمح لإسرائيل بتكريس سيطرتها الميدانية من دون كلفة سياسية حقيقية.
إلى جانب البعد السيادي، يحمل التوسع الإسرائيلي تداعيات مائية خطيرة على لبنان، ولا سيما على مناطق راشيا والبقاع الغربي، التي تعتمد جزئيًا على ينابيع الجبل للري والزراعة. ومع التراجع المناخي وضعف البنية التحتية اللبنانية، يصبح أي تغيير في جريان المياه عامل ضغط إضافي على الأمن الغذائي والاقتصادي.
إسرائيل تفاوض من موقع الأعلى!
تمنح السيطرة الإسرائيلية المتقدمة على جبل الشيخ تفوّقًا إضافيًا في أي مسار تفاوضي محتمل حول الجولان. فبدل التفاوض انطلاقًا من خطوط ما قبل عام 1967، باتت إسرائيل تفاوض من واقع جديد، يضيف أراضي ومواقع احتلت لاحقًا، ما يزيد من كلفة أي انسحاب محتمل ويعيد صياغة شروط التسوية.
لم يعد جبل الشيخ مجرّد قمة جغرافية أو موقع مراقبة متقدم، بل تحوّل إلى عنصر بنيوي في معادلة القوة الإقليمية. فمنذ احتلاله عام 1967، مرورًا بدوره الاستخباراتي في حرب 1973، وصولًا إلى إعادة التموضع الراهنة، نجحت إسرائيل في توظيف الأبعاد العسكرية والمائية والسياسية لترسيخ سيطرة يصعب تفكيكها. في المقابل، سمح غياب الضغط الدولي الفعّال، وانشغال الإقليم بأزماته الداخلية، بفرض وقائع جديدة على الأرض.
في المحصلة، لم تعد سيطرة إسرائيل على جبل الشيخ إجراءً أمنيًا ظرفيًا، بل جزءًا من إعادة رسم خطوط السيطرة في الجنوب السوري وعلى تخوم لبنان. ومع غياب ضغط دولي فعّال، وتراجع القدرة العربية على فرض معادلات ردع أو تفاوض متوازن، يتحوّل الجبل تدريجيًا إلى ورقة استراتيجية ثابتة في يد إسرائيل، تُستخدم أمنيًا ومائيًا وسياسيًا. بذلك، ينتقل جبل الشيخ من كونه موقعًا متنازعًا عليه، إلى عنصر بنيوي في معادلة القوة الإقليمية، حيث يصبح السؤال الحقيقي ليس متى تنسحب إسرائيل، بل كيف يمكن للدول والمجتمعات العربية المتضرّرة منع تحويل السيطرة المؤقتة إلى سيادة أمر واقعًا في ظل ميزان قوى مختلّ.
