ما بعد الحرب: نهاية الهيمنة والإخضاع وبداية زمن جديد

ليست كل الحروب تُقاس بنتائجها المباشرة على الأرض، ولا بما تُظهره شاشات المعارك من تقدم أو تراجع. فبعض الحروب تكشف ما هو أعمق من ذلك بكثير: تُسقط صورًا راسخة، وتعيد ترتيب المعاني، وتفتح الباب أمام تحولات تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة إلى بنية النظام الدولي نفسه.

المواجهة بين إيران والولايات المتحدة (ومعها إسرائيل) أكثر من صراع عسكري. هي لحظة كاشفة لانهيار سرديات قديمة وصعود وقائع جديدة. ما تحقق حتى الآن لا يمكن قراءته بوصفه نتائج مرحلية فحسب، بل باعتباره مؤشرات على انتقال أوسع، قد يعيد تعريف موازين القوة، وحدود الهيمنة والإخضاع، وطبيعة الفعل السياسي في المنطقة والعالم.

ولا شك أن ما تحقق حتى الآن من إنجاز ولو بعنوان “الهدنة” يفتح الباب على مزيد من السعة والتراكم النوعي إذا استمر الصمود والإبداع على هذا المنوال. فالتفاعل بين عامل الزمن والإبداع قد يتيح الانتقال من مجرد الصمود وإسقاط أهداف العدو إلى تحقيق أهداف جبهة المقاومة، وفي قلبها فلسطين.

والوقت، كما يبدو، هو لمصلحة الجبهة التي أثبتت أنها هي من سينهي الحرب التي بدأها عدوها، وليس هو، بعد أن جرّته إلى الاستنزاف المفتوح، فصار في الفخ غير قادر على التراجع وغير قادر على التقدم، في غياب الرؤية والأهداف الواضحة.

برغم ذلك، فإن من بين ما يمكن تثبيته حتى لحظة كتابة هذه السطور، والذي بات أشبه بحقائق، هو ما يأتي:

  • ربما يُسجَّل اليوم أول فشل للتحالف الأميركي–الإسرائيلي في حرب متناظرة (متماثلة)، أي مع دولة. ولو قيل قبل أشهر إن إيران تستطيع صد هجوم مركب أميركي–إسرائيلي بهذا الحجم وهذه القوة، لقيل إن هذا ضرب من الوهم والخيال. وربما تكون هذه أول حرب مشتركة معلنة للحلف الأميركي–الصهيوني التاريخي من جهة، ودولة إسلامية من جهة أخرى.
  • لقد أثبتت إيران التي نُظر إليها كقوة إقليمية قبل هذه الحرب، أنها أبعد من قوة إقليمية بالمعنى التقليدي، بل هي قوة “فيتو” فعلية بوجه الهيمنة الأميركية على كامل المنطقة.
  • واقعياً، انتهت مبررات الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، لا سيما في الخليج، وتبيّن أنه يحتاج إلى حماية بدل أن يكون قادراً على الحماية.
  • انتهت صورة أميركا العظمى، وسقطت هيبتها أمام العالم كله، وظهر انحدار تأثيرها حتى على أقرب المقربين منها، لدرجة أن دول حلف “الناتو” لم تخض حربها وبدأت مساءلتها، فبرزت حقيقة قوتها التأثيرية والتجييرية في العالم، وظهر مستوى الاستياء العالمي منها، حتى في الغرب الحليف لها.
  • تأكد أن أميركا تمتلك قوة مضخّمة جداً، لكنها قوة غاشمة وقاتلة، خصوصاً أنها فقدت، منذ أكثر من عقدين، القدرة على تحويل نجاحاتها إلى قبول سياسي.
  • ظهر ضعف حاد في البناء المعرفي لدى صانع القرار الأميركي ومتخذه، وهذا أهم مؤشر على تراجع النموذج الأميركي. فقد أظهرت الوقائع أن أميركا تفاجأت ميدانياً بقدرة خصمها وبطبيعة مجتمعه.
  • تبيّن أن لدى أميركا ضعفاً أيضاً في قراءة العالم الجديد الذي يتشكل، وهذا أخطر ما في الأمر. فهي لم تدرك الطبيعة التحولية لهذه المرحلة، ولم تفهم اللحظة السياسية العالمية جيداً، إذ قرأت المسألة من زاوية القوة والتقنية فقط، فأطلقت حربها بأدوات الماضي، وهو ما يرجّح أن يقودها، كما قادتها حروب فييتنام وأفغانستان والعراق، إلى فشل حتمي.
  • ظهر أن كثيراً من جوانب القوة العسكرية والأمنية الأميركية كان أقرب إلى صورة متخيّلة أكثر مما هو واقع فعلي، بحيث تبيّن أنه يمكن مواجهتها بل وهزيمتها (حاملات الطائرات ضُربت وتراجعت، أحدث الطائرات سقطت، مواقع سرية قُصفت إلخ…).
  • انكشفت خديعة روّجت لها بعض ما يسمى النخب العربية عندما قدّمت الصراع بوصفه ثنائياً بين الأيديولوجيا والتقنية، ليتبيّن أن هذا الطرح اختزالي، ويعكس جهلاً أو تبعية أو انخراطاً في خطاب سطحي أقرب إلى الإعلام الدعائي منه إلى التحليل.
  • ظهر أن شعوبنا الإسلامية تمتلك العقيدة والعقل وقدرة الإبداع، وحتى التقانة النوعية. فقد فاجأت إيران الجميع بإبداعها في مواجهة أقوى منظومات الهيمنة، باستخدام سلاح وتقنيات واستراتيجيات من إنتاجها وإنتاج عقول شبابها.
  • تأكد، بما لا يدع مجالاً للشك، أنه لا يمكن لأي قوة، مهما عظمت، أن تفرض إرادتها على المنطقة طالما أن الشعوب حاضرة في الميدان إلى جانب قياداتها.
  • لم يحدث في تاريخ العالم أن وجدت قوة عظمى نفسها في مثل هذه العزلة (لم يبق معها سوى بنيامين نتنياهو)، بل حتى داخل أميركا، حيث تقف غالبية الشعب في موقع مغاير، ولا تماشي ترامب ونتنياهو في هذه الحرب غير القانونية وغير المشروعة وغير الأخلاقية.
  • انكشفت طبيعة العلاقة بين إسرائيل وأميركا بشكل أوضح، إذ تبيّن أنها ليست علاقة مجتمعين، بل علاقة بين شبكات سياسية واقتصادية ضيقة، ما يضعف ركائز استمراريتها ويفتح الباب أمام تحولات في النظرة الغربية إلى إسرائيل.
  • ستتجه دول العالم أكثر نحو الاعتماد على الذات والتخلي عن الحمايات الخارجية، لا سيما الأميركية، ما يفتح فرصاً للتقارب والتعاون، وقد يؤدي إلى إعادة تشكيل بنية النظامين الإلقليمي والدولي.
  • يتجه العرب والمسلمون، أكثر من غيرهم، بعيداً عن أميركا. فبعد سقوط وهم القوة الأميركية، ستتغير كثير من الرؤى، وتنفتح خيارات كبرى أمام شعوبنا للتعاون على قاعدة التنوع والقبول والأخوة.
  • برهن الفاتيكان في لحظة البابا الأميركي للمرة الأولى، لاوون الرابع عشر، أنه لا يستطيع الانحياز إلا لمصلحة الشعوب المستضعفة، ومن هنا جاء موقفه الرافض للحرب وضرب المنشآت الحيوية التي تضر بالشعب الإيراني.
  • تصاعد الوعي العالمي من بوابة مظلومية الشعوب، كما في غزة وفلسطين، أو من خلال إبراز قدرة نماذج كإيران ولبنان واليمن على كسر فرضية “القوة الحاسمة لأميركا”.
  • لمسنا ورأينا أن لدينا عناصر ومقدرات هائلة في مختلف المجالات، وأن التحدي الحقيقي يكمن في حسن توظيفها واستثمارها، لا في غيابها.
  • أكدت هذه الحرب وجود عالمين: عالم الوهم وعالم الواقع. وقد يكون من أهم نتائجها إعادة جزء من العالم، بما فيه أميركا، من الوهم إلى مواجهة الواقع.
  • ستدفع نتائج هذه الحرب إلى إعادة النظر في التحالفات الأمنية، وعلى رأسها حلف “الناتو”، مع بروز أدوار لقوى عالمية جديدة وتراجع أخرى. وفي ظل هذا التحول، تتاح أمامنا فرصة لإعادة بناء موقعنا الحضاري وصياغة علاقاتنا بعيداً عن منطق التبعية أو الهيمنة.
إقرأ على موقع 180  الفاتيكان يلاقي فرنسا.. الضغط سياسياً وكنسياً على لبنان

في الخلاصة؛ إذا كانت حرب 1956 قد أعادت إنتاج موازين دولية وخلقت اتجاهات سياسية ومجتمعية جديدة في العالم العربي، فإن آثار هذه الحرب أكبر بكثير، وستترك تأثيرات عميقة على ميزان القوى العالمي، وعلى الاتجاهات المجتمعية والثقافية، بل وعلى معايير تعريف المفاهيم، من نظرية الحروب وبناء القوة، إلى مفاهيم الأمن والمصالح والعلاقات الدولية، وصولاً إلى دورنا كعرب ومسلمين في النظام العالمي الجديد.

Print Friendly, PDF & Email
بلال اللقيس

باحث سياسي، لبنان

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  خلاصات الحرب الإسرائيلية الإيرانية.. والدرع الإقليمي المطلوب!