ضمن هذا الإطار، تبرز إيران في الوعي العربي ليس بوصفها مجرد دولة ذات حدود وسياسات، بل كصورة مركّبة ومعقّدة تشكّلت عبر عقود من التوترات والتحولات والحروب والسرديات المتنافسة. وهذه الصورة لا تستمد قوتها من وضوحها، بل من قابليتها المستمرة لإعادة الإنتاج، بحيث تتكيّف مع كل مرحلة تاريخية جديدة، من الثورة الإيرانية إلى حروب المنطقة، ومن سقوط بغداد إلى صراعات سوريا واليمن ولبنان. وهكذا، لا يعود السؤال الحقيقي: من هي إيران؟ بل كيف استمرت صورة «الخصم» حيّة ومؤثرة في الوعي العربي إلى هذا الحد.
فهم هذه الصورة يقتضي تجاوز القراءة التقليدية للعلاقات الدولية بوصفها مجرد تفاعلات بين دول، والانتقال إلى مستوى تحليلي أعمق يرى في العلاقة العربية–الإيرانية نموذجًا لصراع إدراكي بقدر ما هو صراع مصالح. فإيران، في هذا السياق، لا تظهر فقط كفاعل سياسي، بل كـ«فاعل متخيَّل» تتغير ملامحه تبعًا للأزمات، وتُعاد صياغته وفقًا لاحتياجات السردية السائدة. وهذا ما يجعلها «صورة ذهنية كبرى» أكثر منها كيانًا ثابتًا، ويجعل إدراكها خاضعًا لتراكمات تاريخية وسياسية معقّدة.
وبرغم أن التاريخ يشهد على فترات طويلة من التداخل الحضاري بين العرب والفرس، حيث ازدهرت التبادلات الثقافية والعلمية في العصور الإسلامية المبكرة، فإن هذا الإرث لم يصمد أمام تحولات العصر الحديث. فمع نشوء الدولة القومية في القرن العشرين، تراجعت الهوية الحضارية المشتركة لصالح الهويات السياسية المنفصلة، وبدأت العلاقة تُعاد صياغتها ضمن إطار تنافسي. فإيران تنظر إلى نفسها ككيان حضاري مستقل، في حين تميل الدول العربية إلى اعتبارها قوة إقليمية تتداخل مع المجال العربي أكثر مما تنفصل عنه، ما أدى إلى تشكّل سرديتين متناقضتين أصبحتا لاحقًا أساسًا لتفسير الصراع.
تتشكل «الذاكرة الاستراتيجية» كعامل حاسم في إعادة إنتاج الخصومة، إذ تتراكم الأحداث لتصبح أدلة دائمة على نوايا الطرف الآخر، ما يجعل الماضي حاضرًا باستمرار في تفسير الحاضر. ويؤدي ذلك إلى نشوء حلقة مغلقة، حيث يولّد الفعل خوفًا، ويولّد الخوف تفسيرًا أكثر تشددًا، يعيد بدوره إنتاج الفعل نفسه. وهنا، لا يبدو الصراع مجرد تنافس على الجغرافيا أو النفوذ، بل صراع على الرواية التي تفسّر هذه الجغرافيا وتمنحها معناها
جار أم تهديد؟
شكّلت الثورة الإيرانية عام 1979 نقطة التحول الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل صورة إيران في الوعي العربي. من منظور إيراني، كانت الثورة إعلانًا للاستقلال عن الهيمنة الغربية وإعادة تعريف للسيادة، بينما رآها كثير من العرب بداية لمشروع إقليمي جديد يحمل أبعادًا أيديولوجية تتجاوز الحدود الوطنية. وفي هذه اللحظة تحديدًا، بدأ التحول من خلاف سياسي قابل للإدارة إلى تصور وجودي للخصومة، حيث لم تعد إيران مجرد دولة مختلفة في السياسات، بل كيانًا يُنظر إليه كحامل لمشروع منافس.
تعزّز هذا التصور بشكل كبير خلال الحرب العراقية–الإيرانية بين عامي 1980 و1988، التي شكّلت نقطة انعطاف حاسمة في تكوين «الذاكرة الاستراتيجية» العربية تجاه إيران. فقد اصطفّت معظم الدول العربية إلى جانب العراق، ليس فقط بدافع الحسابات الجيوسياسية، بل أيضًا نتيجة إدراك متزايد بأن إيران تمثل تهديدًا لتوازن القوى الإقليمي. في المقابل، رأت إيران في الحرب دفاعًا مفروضًا عليها، ما عمّق الفجوة في تفسير الحدث نفسه، ورسّخ سرديتين متناقضتين حول طبيعته ودلالاته.
ومع نهاية تلك الحرب وبداية التسعينيات، لم تختفِ هذه التوترات، بل دخلت مرحلة جديدة من إعادة التموضع، حيث سعت إيران إلى توسيع حضورها الإقليمي في ملفات متعددة، من لبنان إلى آسيا الوسطى، في سياق تنافس متزايد على النفوذ. غير أن التحول الأكبر جاء مع الغزو الأميركي للعراق عام 2003، الذي لم يغيّر فقط النظام السياسي في بغداد، بل أعاد تشكيل ميزان القوى في المنطقة بأكملها. فقد أدى انهيار الدولة العراقية إلى فتح المجال أمام إيران لتوسيع نفوذها داخل العراق، وهو ما فُسّر عربيًا كتمدد استراتيجي، بينما اعتبرته إيران ملءَ فراغ جيوسياسي في دولة مجاورة.
بعد هذا التحول، لم تعد العلاقة العربية–الإيرانية محصورة في نطاق ثنائي، بل أصبحت جزءًا من بنية إقليمية معقّدة تتداخل فيها عدة ساحات، من العراق كنقطة ارتكاز، إلى سوريا كساحة صراع استراتيجي، مرورًا بلبنان وفلسطين كنماذج نفوذ مباشر، وصولًا إلى اليمن كساحة استنزاف إقليمي. وقد أدى هذا الانتشار متعدد الجبهات إلى إعادة تعريف صورة إيران في الوعي العربي، بحيث لم تعد مجرد منافس، بل تحولت إلى تهديد متعدد الأبعاد.
الجوهر سياسي وليس طائفياً
في هذا السياق، لعب الملف النووي الإيراني دورًا إضافيًا في ترسيخ هذه الصورة، إذ لم يُنظر إليه كبرنامج تقني فحسب، بل كأداة لإعادة تشكيل ميزان الردع في المنطقة. وقد ارتبط هذا الملف في الوعي العربي بمخاوف متعددة، أبرزها احتمال اختلال التوازن العسكري واندلاع سباق تسلح إقليمي، فضلًا عن غياب الثقة في نوايا إيران. وهكذا، أصبح البرنامج النووي رمزًا سياسيًا يعيد إنتاج صورة «الخصم المحتمل».
ثم جاءت أحداث الربيع العربي عام 2011 لتدفع بهذه الديناميات إلى مستوى أكثر تعقيدًا، حيث تحولت المنطقة إلى مجموعة من الساحات المفتوحة للصراع غير المباشر. ففي سوريا، برزت مواجهة إقليمية متعددة الأطراف، دعمت فيها إيران الدولة السورية، في مقابل دعم عربي لأطراف المعارضة. وفي اليمن، تطور الصراع ليتخذ طابعًا إقليميًا واضحًا ضمن سياق التنافس السعودي–الإيراني. وقد عمّقت هذه التحولات إدراك إيران كفاعل حاضر في عدة جبهات في آن واحد، ما عزّز صورتها كقوة إقليمية ممتدة النفوذ.
ولا يمكن فهم هذه العلاقة بمعزل عن دور القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي ساهمت سياساتها، وبخاصة بعد عام 2003، في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وكذلك إسرائيل التي تمثل في الخطاب الإيراني الخصم الاستراتيجي المركزي، بينما تُستخدم في بعض الخطابات العربية كمرجعية مقارنة لفهم التهديدات. غير أن الإشكالية الأعمق لا تكمن فقط في تضارب المصالح، بل في غياب سردية مشتركة قادرة على استيعاب تعقيد العلاقة، حيث يتم غالبًا تفسير الصراع من خلال البعد الطائفي والمذهبي، برغم جوهره السياسي. وهكذا، تتحول الطائفية والمذهبية إلى أداة تفسير تُستخدم لتبسيط مشهد معقّد، تفادياً لتفسير سياسي يُمكن أن ينتج سردية مختلفة مثل الموقف من القواعد الأميركية ووجود إسرائيل وفلسطين والتموضع الإقليمي والعلاقة مع الفاعلين الدوليين الأساسيين والطاقة والممرات إلخ..
صراع سرديات
ضمن هذا السياق، تتشكل «الذاكرة الاستراتيجية» كعامل حاسم في إعادة إنتاج الخصومة، إذ تتراكم الأحداث لتصبح أدلة دائمة على نوايا الطرف الآخر، ما يجعل الماضي حاضرًا باستمرار في تفسير الحاضر. ويؤدي ذلك إلى نشوء حلقة مغلقة، حيث يولّد الفعل خوفًا، ويولّد الخوف تفسيرًا أكثر تشددًا، يعيد بدوره إنتاج الفعل نفسه. وهنا، لا يبدو الصراع مجرد تنافس على الجغرافيا أو النفوذ، بل صراع على الرواية التي تفسّر هذه الجغرافيا وتمنحها معناها.
في ضوء ذلك، تبدو العلاقة العربية–الإيرانية أبعد ما تكون عن الاختزال في ثنائية العداء أو الشراكة، فهي بنية معقّدة تتداخل فيها المصالح مع الإدراكات، والتاريخ مع التوقعات، والواقع مع التصورات. فكل طرف لا يتعامل مع الآخر كما هو، بل كما يتوقعه أن يكون، استنادًا إلى تراكم طويل من الخبرات والأزمات. وهذا ما يجعل أي محاولة للتقارب هشّة بطبيعتها، وقابلة لإعادة التأويل ضمن منطق الشك.
في النهاية، لا يمكن فهم استمرارية صورة إيران كـ«خصم» في الوعي العربي من دون إدراك أن الصراع ليس فقط صراع قوى، بل صراع سرديات أيضًا. فالمشكلة لا تكمن في وجود خلافات بحد ذاتها، بل في الطريقة التي تُفهم بها هذه الخلافات وتُعاد صياغتها. وبين هواجس الأمن لدى العرب وهواجس التطويق لدى إيران، تتشكل منطقة رمادية معقّدة تعيد إنتاج نفسها مع كل أزمة جديدة. ومن هنا، فإن مستقبل العلاقة لن يُحسم فقط في ميادين النفوذ أو توازنات القوة، بل في القدرة على كسر هذه الحلقة الإدراكية، وإعادة تعريف «الآخر» خارج صورة الخصم الثابت، وهو تحدٍّ لا يقل صعوبة عن أي مواجهة جيوسياسية في المنطقة.
