من منظور مهدي عامل.. لماذا تُعيد الحرب الإسرائيلية إنتاج الانقسام اللبناني؟

في ظلّ الحرب الإسرائيلية المستمر على لبنان، وما تعكسه من انقسام داخلي حادّ، لا يعود السؤال سياسياً فقط، بل بنيوياً يتعلّق بالمجتمع نفسه. ومع اقتراب الذكرى التاسعة والثلاثين لاغتيال مهدي عامل (الشهيد حسن حمدان)، في 18 أيار/مايو 1987، يستعيد مشروعه النقدي أهميته اليوم، لا بوصفه تفسيراً لمرحلة مضت، بل أداة لفهم كيفية اشتغال هذا الواقع واستمراره.

لم يكن سؤال مهدي عامل عن الانقسام بحد ذاته، بل عن الشروط التي تُنتجه وتُعيد إنتاجه. أي: كيف يمكن فهم بنية المجتمع بما يكشف آليات اشتغالها، بدل الاكتفاء بوصف نتائجها؟

بعد عقود على اغتياله، لا يبدو أن هذا السؤال قد فقد راهنيته. فالقراءة السطحية تقول إن الانقسام هو المشكلة. لكن وفق منهج مهدي عامل، يصبح السؤال مختلفاً: لماذا يحتاج النظام إلى هذا الانقسام ليستمر؟ ويتجلّى ذلك اليوم بوضوح في الطريقة التي أعادت بها الحرب الإسرائيلية فتح الداخل اللبناني على احتمالات التشظي والانقسام، لا بوصفها نتيجة طارئة، بل امتداداً لبنية تستثمر كل أزمة لإعادة إنتاج نفسها.

الجواب، في هذا الإطار، ليس سياسياً مباشراً، بل بنيوياً؛ لأن الطائفية ليست خللاً في النظام، بل جزء من آلية عمله.

وبمعزل عن أثر الاستعمار في نشأة هذا الواقع، وما سبقه من تشكّلات تاريخية أسهمت في بلورته، فإن هذه البنية لم تعد مجرّد امتداد له، بل باتت قادرة على إعادة إنتاج نفسها ضمن شروطها الداخلية.

وهذا ما يظهر بوضوح في الواقع اللبناني اليوم، حيث لا يحصل الفرد على موقعه بصفته مواطناً، بل من خلال انتمائه، إذ تُحدّد فرص العمل وإمكانيات الوصول إلى الخدمات وحدود الفعل السياسي داخل شبكات طائفية متداخلة. هنا، تتحول الطائفية من خطاب إلى بنية، ومن هوية إلى مصلحة مادية قائمة.

غالباً ما تُرفع شعارات الدولة من منطلق طائفي يُحافظ على حدود ومكتسبات كل كيان طائفي ضمن التركيبة القائمة، من دون المساس بها. وحتى حين تتوافر النيّات الإصلاحية، فإن مقاربة الأزمة من زاوية نتائجها لا جذورها، لا تُنتج حلاً، بل تُعيد إنتاجها بدل أن تُفكّكه

بهذا المعنى، لا تعود الطائفية مجرد وعي زائف، بل واقعاً يُعاد إنتاجه يومياً. وهذا ما أدركه مهدي عامل مبكراً: لا يمكن إسقاط الطائفية بخطاب ضدها، لأنها متجذّرة في شروط العيش نفسها.

ما جرى منذ انتفاضة العام 2019 يؤكد ذلك بوضوح. حين تراجعت الدولة، لم تتفكك هذه البُنى، بل تعزّزت. لا لأنها أقوى نظرياً، بل لأنها أصبحت أكثر حضوراً في تنظيم الحياة اليومية وإدارة تفاصيلها. وهنا تتكشّف حقيقة أساسية: التمسّك بهذه البُنى لا يُعبّر عن قناعة فقط، بل من غياب بديل فعلي.

في المقابل، يظهر خلل واضح في الخطاب الذي يرفع شعار الدولة. إذ يُطرح بوصفه حلاً بديهياً، من دون التوقّف عند شروط تحقّقه. وغالباً ما يُستخدم هذا الشعار من معظم أركان النظام الطائفي بوصفه أداة خطابية، أو كتعبير عن مقاربات حالمة لا تُلامس شروط الواقع، أكثر منه مشروعاً فعلياً لإعادة بناء الدولة. فيتحول إلى طرح صحيح نظرياً، لكنه غير قادر على إحداث تغيير فعلي، لأنه لا يُقدّم بديلاً مادياً عن البنية السائدة.

إذاً، المشكلة ليست في تعدّد الطوائف، بل في استخدام هذا التعدّد لإعادة إنتاج السيطرة. إذ تُقسَّم الفئات الاجتماعية داخل الطوائف، بدل أن تتقاطع في ما بينها، فيضيع الصراع الفعلي، ويحلّ محله صراع بديل لا يمسّ جوهر البنية، من منظور مهدي عامل.

وهنا تكمن المفارقة: النظام الذي يبدو هشاً، يستمر لأنه يوزّع ضعفه على الجميع، ويمنع أي طرف من كسره دون أن ينهار معه. وضمن هذا التوازن، لا يكون الانقسام خللاً طارئاً، بل شرطاً من شروط الاستمرار.

في هذا الإطار، لا يعود الخروج من الأزمة مسألة قرار سياسي، بل مسألة إعادة بناء عميقة للعلاقة بين المجتمع والدولة. علاقة لا تمرّ عبر الطائفة، ولا تُدار بمنطق الخوف، بل تقوم على إعادة تنظيم الموارد والتمثيل خارج البُنى القائمة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تدرك السلطة الحالية طبيعة هذا المأزق؟ وهل تملك القدرة على مقاربته بوصفه مسألة بنيوية، لا مجرد أزمة سياسية؟ أم أنها تكتفي بإدارة الأزمة ضمن حدودها، عبر خطاب يعد بما لا يستطيع تحقيقه؟

حتى الآن، تبدو المؤشرات واضحة. إذ يُطرح التغيير في كثير من الأحيان كإعلان نوايا، لا كمشروع متكامل يعيد بناء الشروط التي يقوم عليها. وغالباً ما تُرفع شعارات الدولة من منطلق طائفي يُحافظ على حدود ومكتسبات كل كيان طائفي ضمن التركيبة القائمة، من دون المساس بها. وحتى حين تتوافر النيّات الإصلاحية، فإن مقاربة الأزمة من زاوية نتائجها لا جذورها، لا تُنتج حلاً، بل تُعيد إنتاجها بدل أن تُفكّكها. وبين ما يُقال وما يمكن تحقيقه، تتّسع فجوة تُبقي الواقع على حاله.

في ظل الحرب الإسرائيلية على لبنان حالياً، يتكثّف هذا الواقع أكثر. إذ لا تؤدّي الضغوط الخارجية إلى تجاوز الانقسام، بل إلى إعادة إنتاجه ضمن شروط أكثر حدّة. وهنا، لا تعمل الحرب كعامل تغيير، بل كاختبار يكشف صلابة البنية وقدرتها على امتصاص الصدمات.

إقرأ على موقع 180  حضارة الطعام.. أكثر من وجبة

ولا يظهر الدور الإسرائيلي هنا كعامل خارجي منفصل، بل كعنصر يُعاد إدخاله في هذه البنية، فيُستخدم داخل سرديات متعارضة تعيد إنتاج الانقسام الداخلي بدل تجاوزه.

لذلك، لا يكفي السؤال: كيف ينتهي الانقسام، بل كيف يمكن الخروج من شروط إنتاجه؟

حتى الآن، لا يبدو أن هذا المسار قد بدأ فعلياً. وفي غيابه، يستمر لبنان في إنتاج أزمته، لا بوصفها حالة استثنائية، بل كجزء من بنيته.

ومع اقتراب ذكرى اغتيال مهدي عامل، لا يكون استحضاره مُجرّد تكريم، بل بمثابة اختبار لمدى قدرتنا على فهم ما نعيشه خارج منطق الخطاب السائد. لأن ما يواجهه لبنان اليوم ليس أزمة تنتظر حلاً، بل بنية تعيد إنتاج أزمتها، وتجد في استمرارها شرطاً لبقائها.

Print Friendly, PDF & Email
ضياء عبد العال

كاتب وصحافي، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  ما بين الترسيم اللبناني.. والاتفاق النووي!