توماس فريدمان: خُطوتان تُخرجان ترامب من الحرب مع إيران

18018003/04/2026
على دونالد ترامب "أن يتخلى عن خطته للسلام المكوّنة من 15 بنداً وأن يختصرها ببندين إثنين فقط: أن تتخلى إيران عن أكثر من 430 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب القريب من مستوى الأسلحة، وفي المقابل، تتخلى الولايات المتحدة عن أي مساعٍ لتغيير النظام في طهران. عندها سيتفق الطرفان على إنهاء جميع الأعمال العدائية"، كما يقول الكاتب الأميركي المخضرم توماس فريدمان، في مقالته بصحيفة "نيويورك تايمز".

“إن لم يكن الأمر واضحاً من قبل، فقد بات الآن حقيقة لا تقبل الجدل. لقد شنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حرباً على إيران ظنّاً منهما أنها ستُفضي إلى تغيير النظام بضربة سريعة وسهلة. غير أنهما أخطآ في حسابهما، إذا استهانا بشكلٍ كبيرٍ بقدرة القيادة الإيرانية على الصمود، وبإمكاناتها العسكرية التي لا تقتصر على إلحاق الضرّر بإسرائيل وحلفاء أميركا في المنطقة، بل وأيضاً تُهدّد بشلّ حركة أهم ممر مائي حيوي لنقل النفط والغاز في العالم: مضيق هُرمُز.

إغلاق المضيق يُلحق أضراراً جسيمة بالاقتصاد العالمي، بما في ذلك سوق الأسهم الأميركية، في وقتٍ يبدو فيه أن ترامب يفتقر إلى رؤية واضحة لكيفية احتواء التداعيات أو الخروج من هذا المأزق الذي أوجده عندما قرَّر شنّ حرب من دون التفكير في عواقبها.

من المُحرج فعلاً متابعة التقلبات الحادّة في مواقف ترامب؛ فمن جهة، يؤكّد أن القيادات الإيرانية وافقت على جميع مطالبه، وأنّ الحرب تقترب من نهايتها مع تحقيقه “النصر”. ومن جهة أخرى، يُقرُّ بعجزه عن إيجاد سبيل لانتزاع السيطرة على مضيق هُرمُز من قبضة إيران، ويذهب إلى حدّ التلويح بأن “الحُلفاء الغربيين” – الذين لم يجرِ التشاور معهم ولم يستشرهم قطّ قبل الحرب- سيتحمّلون العواقب إن لم يزجّوا بقواتهم البرّية والبحرية لتنفيذ هذه المهمة نيابة عنه. وفي موقفٍ يعكس تناقضاً واضحاً، يؤكّد أنّ بلاده ليست مضطرة للتدخل بسبب اكتفائها النفطي، لكنه في الوقت نفسه يهدّد بتصعيد واسع قد يصل إلى “تدمير” (وهي الكلمة المُفضّلة عند ترامب) البنية التحتية الإيرانية- من مصانع ومحطات تحلية مياه وغيرها- إذا لم ترضخ طهران لمطالبه وتُعلن استسلامها.

باختصار، نحن نعيش تداعيات ما يحدث عندما يحكم البيت الأبيض رجلٌ متهورٌ يفتقر إلى الاتزان؛ رجلٌ خاض السباق الرئاسي مدفوعاً – إلى حدٍ كبير – برغبة الانتقام وتصفية حساباته مع خصومه السياسيين، ثم أحاط نفسه بإدارة إختيرت على أساس الولاء الشخصي له قبل الالتزام بالدستور. أضف إلى ذلك وجود أغلبية جمهورية في مجلسي النواب والشيوخ مستعدة لمنحه تفويضاً مُطلقاً. كل ذلك يؤدي في النهاية إلى سلسلة من القرارات المُرتجلة والمُتسرعة وغير المنضبطة، بما في ذلك إشعال حربٍ بهذه الخطورة في الشرق الأوسط من دون أي رؤية واضحة لما يُمكن أن يأتي بعدها.

ترامب رجلٌ يتصرف بعقلية طفل مُشاغب. فهو قائدُ أقوى جيش في العالم، لكنه يدير هذا الجيش كأنه يعبث بأعواد الثقاب داخل غرفةٍ مليئة بالغاز.

وإذا لم يكن كلّ ما سبق كافياً لإثارة القلق، فلدينا أيضاً وزير دفاع، بيت هيغسيث، الذي يُعرف بتبنيه معتقدات وتوجّهات قومية مسيحية متشدّدة. وقد أفادت تقارير بأنه نظّم، الأسبوع الماضي، حلقة صلاة داخل مقر البنتاغون، دعا خلالها القوات الأميركية لأن تمارس “عنفاً ساحقاً” ضدَّ من وصفهم بأنهم “لا يستحقون أي رحمة”، مضيفاً: “نرفع هذه الصلوات ومعها دعواتنا بثقة راسخة باسم يسوع المسيح القدير”.

بعبارة أخرى، أصبح الأمر الآن يبدو وكأنه مواجهة بين محاربينا المتدينين والقوات الإيرانية.

ولو لم تكن هذه قيادة بلدي – ولو لم تكن إيران بالفعل القوة الأكثر زعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط، ولما كان إصلاح أو تغيير وضعها هدفاً مشروعاً لشعبها وجيرانها – لكنت اكتفيت بالجلوس ومراقبة المشهد، مُستمتعاً برؤية ترامب وهو ينال ما يستحقه.

لكنها بلادي.. وامتلاك إيران للأسلحة النووية يُشكّل تهديداً قد يؤدي إلى انتشار هذه الأسلحة في أرجاء الشرق الأوسط. وفي النهاية، سنواجه جميعاً عواقب ما يستحقه ترامب.

فماذا يمكن فعله؟

على ترامب أن يتخلى عن خطته للسلام المكوّنة من 15 بنداً – التي يصعب تنفيذها عملياً – ويختصرها إلى بندين إثنين فقط: أن تتخلى إيران عن أكثر من 430 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب القريب من مستوى الأسلحة، وفي المقابل تتخلى الولايات المتحدة عن أي مساعٍ لتغيير النظام في طهران. عندها سيتفق الطرفان على إنهاء جميع الأعمال العدائية. أي، لا مزيد من القصف الأميركي والإسرائيلي، ولا مزيد من الصواريخ الإيرانية وصواريخ حزب الله، ورفع الحصار عن مضيق هُرمُز، وبالتأكيد، لا إنزال لأي قوات برّية أميركية على الأراضي الإيرانية.

قال جون أركيلا، الأستاذ السابق في كلية الدراسات العُليا البحرية ومؤلف كتاب “الطريقة الأميركية المضطربة للحرب” (يصدر قريباً): “علينا أن ندرك أنّ ما يسعى إليه النظام الإيراني أكثر من أي شيء آخر هو البقاء في السلطة، وما تسعى إليه الولايات المتحدة وإسرائيل أكثر من أي شيء هو منع إيران من امتلاك قنبلة نووية. يمكن للطرفين تحقيق أهدافهما الأساسية إذا كان كل منهما مستعداً للتخلي عن ما يحتل المرتبة الثانية في أولوياته”.

إقرأ على موقع 180  "الأزمات الدولية" تقرأ دروس حرب غزة: ستاتيكو التهدئة يناسب الجميع

بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، كانت المرتبة الثانية في أولوياتهما، بعد مصادرة اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، هي تغيير النظام في طهران. لكن يبدو أنّ هذا الهدف لم يعد مطروحاً على الطاولة، وقد شرع ترامب بالفعل في تمهيد الطريق للتخلي عنه. وقد صرَّح للصحافيين (الأحد الماضي) قائلاً إنّه بالنظر إلى الطريقة التي اغتالت بها أميركا وإسرائيل العشرات من كبار القادة الإيرانيين “تجعل الأمر في الواقع وكأننا غيَّرنا النظام حقاً”. وأضاف أنّ القيادة الإيرانية الحالية تختلف تماماً عن السابقة، واصفاً إياها بأنّها “مجموعة أكثر عقلانية”، بما يشير إلى أنّ تعامل الولايات المتحدة معها يختلف عن تعاملها مع القادة السابقين.

بالطبع، هذا أمرٌ سخيفٌ، ويُعدّ بمثابة ستار لإخفاء الحقيقة القائلة بأنّ الولايات المتحدة وإسرائيل بالغتا كثيراً في قدرتهما على الإطاحة بنظام الجمهورية الإسلامية في إيران باستخدام القوة الجوية وحدها.

تشير التقارير إلى أن فريق ترامب يجري مفاوضات عبر باكستان مع رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف؛ الرجل الذي يتمتع بعلاقات وثيقة مع الحرس الثوري، والذي يبدو أنّه القوة الفعلية المؤثرة والناشطة خلف الكواليس. وقد يكون النظام الإيراني مُستعداً اليوم للنظر في التخلي عن مخزونه من اليورانيوم مقابل أن يضمن بقائه.

نعم، ستظلُّ هناك مليون مشكلة ومشكلة من دون حلّ، ولكن هذا هو الحال عندما تحاول استخدام القوة دون أي تخطيط طويل الأمد لمعالجة مشكلة معقدة (…).

وإذا حلّلنا تصرفات الرئيس الأسبق باراك أوباما تجاه إيران لاستنتجنا أنّه أدرك أنّها مشكلة معقدة، برغم أنّه لم يوضح ذلك صراحة. وبالتالي كان المسار الأكثر حكمة هو التركيز على المصلحة الأميركية الأساسية، ومحاولة تأمينها، والتعايش مع الجوانب الأخرى للمشكلة (إيران) مع التخفيف من آثارها قدر الإمكان. على أساس هذا المنطق، أبرم أوباما اتفاقه النووي مع إيران في العام 2015، والمعروف بـ”خطة العمل الشاملة المشتركة”. فقد ركّز أوباما جهوده على منع إيران من امتلاك سلاح نووي- الهدف المركزي لواشنطن- بدلاً من الدخول معها في مواجهة شاملة مع كل مظاهر قوتها العسكرية أو تأثيرها الإقليمي. لذا، سعى أن يتضمن الاتفاق فرض قيود على برنامج التخصيب الإيراني يُمكن مراقبتها والتحقق منها دولياً. وفي الوقت نفسه قبل بالتعايش مع إيران التي تملك ترسانة متنامية من الصواريخ الباليستية، و”وكلاء” لها يدعمونها في لبنان وسوريا واليمن والعراق، طالما أن الأمر لم يشكل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة.

وقد نجح الاتفاق النووي لعام 2015 كما هو مخطط له، إذ أنّ القيود المفروضة على قدرات إيران النووية، والتي تحقّق منها مفتشو الأمم المتحدة، كانت تعني أنّ إيران، إذا انسحبت من الاتفاق، ستحتاج إلى عام على الأقل لإنتاج ما يكفي من المواد الانشطارية لصنع رأس نووي، ما يمنح العالم وقتاً كافياً للاستجابة.

ومع ذلك، وبتحريض من نتنياهو، انسحب ترامب من جانب واحد من الاتفاق النووي عام 2018 بشكل أحادي، دون أن يضع استراتيجية بديلة فعّالة لمنع إيران من الحصول على كمية كافية من اليورانيوم لصنع قنبلة نووية. وقد حاولت إدارة خلفه، الرئيس جو بايدن، تَدارك الفوضى التي تسبب بها ترامب، لكنها لم تتمكن من الوصول إلى اتفاق جديد مع إيران.

عندما عاد ترامب إلى السلطة، أهمل مُجدّداً صياغة بديل فعّال. وهكذا، انتقلت إيران من كونها على بُعد عام واحد من امتلاك قنبلة نووية- بموجب الاتفاق النووي 2015- إلى أن تكون على بُعد أسابيع فقط، وذلك نتيجة انسحاب ترامب المتهور من استراتيجية أوباما دون وجود خطة بديلة فعّالة. والآن، ومع هذه الحرب، جعل ترامب الأمر مشكلة بالغة التعقيد حقاَ.

لهذا السبب، يجب تبسيط الأمور قدر الإمكان. على الولايات المتحدة تقديم ضمانات بإنهاء الحرب على إيران، والإبقاء على النظام وإلغاء فكرة إسقاطه، ووقف تدمير بنيتها التحتية، وربما حتى تخفيف العقوبات، شريطة أن تُسلم طهران جميع المواد الانشطارية شبه الصالحة لصنع الأسلحة النووية، وأن توقف جميع الأعمال العدائية من جانبها. أما بقية القضايا فتُؤجل إلى وقت لاحق. وفي الوقت نفسه، سيُضطر النظام الإيراني، بعد أن يضعف كثيراً، إلى أن يكون أكثر استجابة لمطالب شعبه.

وسيكون ترامب محظوظاً للغاية إذا وافق القادة الإيرانيون على هذا العرض، إذ أصبح مصير النظام الآن بين أيدي هؤلاء القادة”.

– ترجمة بتصرف عن “نيويورك تايمز“.

 

Print Friendly, PDF & Email
180

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  كورونا ويوم المرأة.. العالم سجن عائلي!