في لحظات التحوّل الكبرى، تتحول النصوص الدستورية من إطار ناظم للسلطة إلى ساحة تأويل سياسي مفتوح. وفي لبنان، حيث تتشابك الاعتبارات القانونية مع التوازنات الميثاقية، تبرز مسألة التفاوض المباشر مع إسرائيل كقضية تتجاوز بعدها الدبلوماسي، لتلامس صميم الشرعية الدستورية ومبدأ سيادة القانون.
أولًا؛ صلاحية التفاوض دستورياً وحدودها:
تنص المادة 52 من الدستور اللبناني على أن رئيس الجمهورية يتولى التفاوض في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على أن لا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، وفي بعض الحالات بعد موافقة مجلس النواب.
غير أن هذه الصلاحية لا يمكن قراءتها بمعزل عن باقي النصوص، ولا سيما:
المادة 65 من الدستور التي تُنيط السلطة التنفيذية بمجلس الوزراء مجتمعًا، وتمنحه صلاحية وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات، بما فيها السياسة الخارجية.
المادة 49 من الدستور التي تلزم رئيس الجمهورية باحترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته.
المادة 60 من الدستور التي تتيح مساءلة رئيس الجمهورية في حال خرقه الدستور.
بناءً عليه، فإن صلاحية التفاوض ليست تفويضًا مطلقًا، بل وظيفة دستورية مقيّدة بمبدأ المشروعية وبالتكامل بين السلطات، ولا يمكن استخدامها لتجاوز نصوص أخرى أو تعطيلها.
ثانيًا؛ التفاوض المباشر كصورة من صور الاعتراف الضمني:
في القانون الدولي، يُعدّ الاعتراف بالدول عملًا سياديًا يمكن أن يكون صريحًا أو ضمنيًا. والتفاوض المباشر، عندما يتم بين دولتين على أساس الندية، يُعتبر من أبرز مظاهر الاعتراف الضمني.
في الحالة اللبنانية، يثير هذا الأمر إشكاليات دستورية، إذ إن الاعتراف بدولة ما يندرج ضمن رسم السياسة الخارجية، وهو اختصاص يعود إلى مجلس الوزراء وفق المادة 65، ولا يمكن أن يتم بصورة غير مباشرة عبر ممارسة تفاوضية.
كما أن هذا النوع من التفاوض قد يترتب عليه آثار قانونية تمس:
-مقدمة الدستور (الفقرة “ط”) التي تنص على رفض التوطين بشكل قاطع.
-المادة 2 من الدستور التي تؤكد وحدة الأراضي اللبنانية وعدم جواز التنازل عن أي جزء منها.
يشكّل الإطار القانوني اللبناني عائقًا واضحًا أمام أي تفاوض مباشر، وذلك استنادًا إلى:
1-قانون مقاطعة إسرائيل الصادر بتاريخ 23 حزيران/يونيو 1955، وتنص المادة الأولى منه على حظر أي تعامل أو اتصال مباشر أو غير مباشر مع إسرائيل أو مؤسساتها أو رعاياها ولا يتضمن هذا القانون أي استثناء لصالح السلطة التنفيذية أو لأي جهة رسمية.
2-قانون العقوبات اللبناني:
-المواد 285 إلى 287: تعاقب على الصلات غير المشروعة مع العدو.
-المواد 281 إلى 284: تعاقب على جرائم التجسس والتعامل لمصلحة العدو.
-هذه النصوص تؤكد أن مسألة العلاقة مع إسرائيل ليست خيارًا سياسيًا صرفًا، بل تخضع لنظام قانوني ملزم لا يمكن تجاوزه بقرار إداري أو سياسي.
رابعًا؛ البعد الميثاقي والدستوري للعلاقة مع إسرائيل:
تتجاوز هذه المسألة الإطار القانوني لتصل إلى مستوى الميثاق الوطني، وذلك استنادًا إلى:
-مقدمة الدستور (الفقرة “ي”) التي تنص على أنه “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”.
-وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف) التي أكدت على تحرير الأرض اللبنانية بكافة الوسائل المتاحة.
كما أن العرف الدستوري، المستقر منذ اتفاقية الهدنة عام 1949، كرّس نمطًا من التعامل غير المباشر مع إسرائيل، تحت إشراف دولي، ما يشكل قاعدة دستورية غير مكتوبة (طبعاً هناك استثناء مفاوضات 17 أيار/مايو التي أفضت إلى ما أفضت إليه في العامين 1983 و1984).
خامسًا؛ مبدأ سيادة القانون وحدود السلطة التنفيذية:
يقوم النظام الدستوري اللبناني على مبدأ أساسي هو خضوع جميع السلطات للقانون. وبالتالي:
-لا يجوز للسلطة التنفيذية تعليق أو تعطيل قانون نافذ.
-لا يمكن إنشاء استثناء على قانون قائم إلا عبر السلطة التشريعية.
وبالتالي، فإن أي تفاوض مباشر مع إسرائيل، في ظل القوانين الحالية، يشكل:
-مخالفة صريحة لقانون مقاطعة إسرائيل.
-خرقًا لمبدأ المشروعية.
-وتجاوزًا لصلاحيات السلطة التنفيذية.
سادسًا؛ الانحراف في استعمال السلطة:
عندما تُستخدم الصلاحيات الدستورية لتحقيق أهداف تتعارض مع الغاية التي وُجدت من أجلها، نكون أمام حالة انحراف في استعمال السلطة.
فصلاحية التفاوض، وفق المادة 52، وُجدت لتنظيم العلاقات الدولية ضمن إطار القانون، لا لتجاوز القوانين النافذة أو الالتفاف عليها. وبالتالي، فإن استخدامها لتبرير تفاوض مباشر في ظل الحظر القانوني، يُعد خروجًا عن وظيفتها الدستورية.
خلاصة: تأسيسًا على ما تقدّم من عرضٍ للنصوص الدستورية والأحكام القانونية المرعية، يتبيّن أن مسألة التفاوض المباشر مع إسرائيل لا يمكن مقاربتها كخيار سياسي معزول، بل كمسار يصطدم مباشرة بمنظومة متكاملة من القيود الدستورية والتشريعية التي ترسم حدود السلطة التنفيذية وتقيّد حركتها. فالصلاحيات المحددة في المادة 52، والمقيدة بأحكام المادتين 49 و65، لا تملك بذاتها أن تنشئ واقعًا قانونيًا مخالفًا لقوانين نافذة، ولا أن تتجاوز الحظر الصريح الذي يفرضه قانون مقاطعة إسرائيل ونصوص قانون العقوبات.
وعليه، فإن أي انتقال نحو تفاوض مباشر، إذا ما أُريد له أن يتم ضمن إطار الشرعية، لا يمكن أن يتحقق عبر اجتهاد في تفسير النصوص أو توسيع في نطاق الصلاحيات، بل يقتضي، انسجامًا مع مبدأ سيادة القانون الذي جرى تأكيده، مسارًا دستوريًا وتشريعيًا واضحًا. وهذا يعني، بصورة لا لبس فيها، أن إزالة التعارض القائم يستوجب تدخل السلطة التشريعية ممثلة بمجلس النواب لتعديل القوانين النافذة التي تحظر الاتصال أو التعامل، وفق الأصول الدستورية.
بل إن الأمر، في حال مساسه بالمبادئ الدستورية أو بالمقدمات ذات القيمة الدستورية، قد يتجاوز حدود التعديل التشريعي ليطال الدستور نفسه، ما يفرض اتباع آليات التعديل الدستوري المحددة، وبما يضمن صدور هذا الخيار عن إرادة دستورية جامعة، لا عن ممارسة تنفيذية منفردة.
من هنا، لا يعود السؤال محصورًا بإمكان التفاوض من عدمه، بل بمدى قدرة النظام الدستوري اللبناني على استيعاب خيار من هذا النوع ضمن قواعده. فالخروج على هذه القواعد لا يُنتج تسوية، بل يفتح الباب أمام خلل في مبدأ المشروعية، ويقوّض الأسس التي يقوم عليها انتظام السلطة في الدولة.. والأهم من ذلك هو طبيعة النظام اللبناني التوافقي؛ إذ إن منطق الكسر سيبقى مرتبطًا بموازين القوى.. وفي لبنان، لا يشي منطق التاريخ بمعادلات ثابتة لأي كان.
