تحليل المشهد اللّبنانيّ: تفاوض بين طرفَين.. يجمعهما “قَلَقٌ” واحد

إنّ القراءة الموضوعيّة والواقعيّة للمشهد اللّبنانيّ اليوم، مع الابتعاد عن الاصطفافات العاطفيّة والأيديولوجيّة، تشير إلى أنّ التّقديرات التي سادت لدى أقطاب السّلطة اللّبنانيّة، وكذلك لدى أقطاب الحكومة الاسرائيليّة، قبل الثّاني من آذار/مارس الفائت... لم تعكس، في أحسن الأحوال، الواقع الميدانيّ والأمنيّ بدقّة. وهذا ما يُفسّر التّطوّرات الرّاهنة إلى حدّ كبير، بما في ذلك جولة المفاوضات المباشرة في واشنطن، وما سبقها من أخذ وردّ حول قضيّة وقف النّار أو الهدنة المؤقّتة أو التّدرجيّة على الجبهة اللّبنانيّة.

من جهة، قام خطاب بنيامين نتنياهو على فرضيّة أنّه قد حسم الحرب السّابقة عمليّاً، وسحق الطّرف المقابل على أرض الواقع… وحشره في زاوية قد لا يخرج منها أبداً. فيما تبنّت السّلطة اللّبنانية عمليّاً، من جهة ثانية، ومعها أطراف داخليّة حليفة ومتعدّدة، تقديراً عامّاً مفاده أنّ قدرات المقاومة المسلّحة اللبنانيّة قد باتت غير فعّالة، إن لم تصبح قريبة من “الصّفر” نسبيّاً، وأنّ انهاءها بالتّالي إنّما أصبح مسألة وقت. وقد وصل هذا التّقدير واقعاً، إلى حدّ تصريح رئيس أحد الأحزاب اليمينيّة في لبنان، بأنّ “الحزب” لم يعد قادراً عمليّاً “على مواجهة أحد”.

إلّا أنّ تطوّرات ما بعد الثّاني من آذار/مارس قد أظهرت خلاف ذلك في واقع الأمور، إذ برزت قدرة الطّرف المعنيّ- أو “المقابل”- على الاستمرار المرن، وعلى المبادرة ميدانيّاً وعسكريّاً وتقنيّاً. لا أعتقد أنّ الطّرفّين الرّسميّين اللّبنانيّ والاسرائيليّ كانا يملكان صورةّ واقعيّة عن حقيقة الأمور في هذا المجال وفي الغالب. كان هذا خطأ فادحاً من قبلهما، وقد ورّطهما في ما هما فيه من واقع، لأنّهما قد حملا عمليّاً… خطاباً يُبيّن “الحزب” في موقع المنتصر من أوّل يوم من انطلاق هذه المعركة الجديدة. وهذه ورطة كبيرة عمليّاً، بالمعنى العسكريّ ولكن أيضاً بالمعنى السّياسيّ… إنّها ورطة لك: أن تعطيَ فرصة لخصمك أو لعدوّك بأن يبدو منتصراً منذ اليوم الأوّل، لمجرّد أنّه أثبت عدم واقعيّة توقّعاتك السّابقة وخطابك السّابق.

ولذلك، فإنّ التّركيز اليوم مثلاً على الحديث عن تقدّم أو تراجع في نقاط برّيّة محدّدة، كنقاط جبهة بنت جبيل، لا يعكس أبداً طبيعة المعركة الفعليّة… بحيث تدور المواجهات أساساً على الجبهة الأماميّة الأولى… بشكل معاكس تماماً لما كان يُقال سابقاً وبشكل جذريّ عند بعض الجهات. لنركّز جيّداً على ما يلي، وبموضوعيّة: نحن نتحدّث اليوم عن معارك في الخطوط الأماميّة الأولى، ولا ينبغي اغفال هذه النقطة الجوهريّة… خصوصاً بالنّسبة إلى خطاب نتنياهو السّابق، أو إلى خطاب أهمّ أقطاب السّلطة اللبنانيّة الحاليّة.

بناءً على ذلك، تبدو المفاوضات المُعلَنة في واشنطن: أقرب إلى محاولة من طَرَفين قَلِقين… لإدارة الخسائر السّياسيّة الواضحة والحدّ منها قدر المستطاع، لا سيّما ضمن سياق تداعيات كباش “إسلام آباد” المحتملة، أي الكباش بين الطّرفَين الايرانيّ والأميركيّ، أكثر من كونها، أي هذه المفاوضات، تعبيراً عن موقع قوّة حقيقيّ أو اقتدار فعليّ لدى أيّ من الطّرفّين (بالمعنى النّسبيّ طبعاً كما رأينا).

فكلّ من حكومة نتنياهو والسّلطة اللبنانيّة يتحرّكان حاليّاً: ضمن هامش أضيق بكثير نسبيّاً ممّا كان يُفترض سابقاً، نتيجة تقديرات مبالغ فيها أو خاطئة حول نتائج حرب 2024 كما رأينا أيضاً، وحول القدرات الفعليّة للطّرف “المقابل”… فيما يظهر هذا الأخير حتّى الآن في موقع أكثر قدرة على استثمار هذا الخلل في التّقدير… وكذلك هنا، في سياق ليس ببعيد عنده عن التّداعيات المحتملة لتسوية جذريّة ممكنة بين طهران وواشنطن، تعيد رسم خرائط مراكز القوّة وتوازناتها في المنطقة.

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  ماذا عن إستراتيجية إيران الدفاعية في الإقليم؟
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  محنة الحجاب.. تأثيم النساء في المسيحية (1)