المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية Archives - 180Post

Netanyahu-and-the-US-Iran-agreement.jpg

لغة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لم تنتفِ، برغم مرور بعض السفن في مضيق هرمز؛ فالاتفاق الذي يُفترض توقيعه يوم الجمعة المقبل يحمل في داخله آلاف العقد، وكل عقدة منها قادرة على تفجير الوضع وإعادة المنطقة إلى نقطة الصفر.

800-24.jpg

ليست الإشكالية اللبنانية ـ الإيرانية الراهنة وليدة الحرب الأخيرة وحدها، ولا هي مجرد خلاف حول سلاح حزب الله أو حدود الدور الإيراني في لبنان. إنها حصيلة مسار تاريخي طويل انتقلت فيه العلاقة بين بيروت وطهران من علاقة رسمية هادئة ومحدودة التأثير إلى علاقة مركبة أصبح فيها لبنان (ولا سيما مقاومته)، جزءاً من تصوّر إيراني أوسع للأمن القومي.

800-20.jpg

لا يوجد أيُّ مؤشِّرٍ واقعي، ولو بصيصاً، يدلُّ على نيّةِ العدوِّ الإسرائيلي الانسحاب من لبنان. تحت هذا السقفِ لا قيمةَ إطلاقاً لحديث واشنطن والسلطة اللبنانية عن وقْفِ إطلاق النار. سيبقى الجنوب - في المدى المنظور على الأقلِّ - مشتعلاً: احتلالٌ يُواصلُ عدوانَه، ويتوسَّعُ نحو مداخل البقاع، ومقاومةٌ تواصل الردَّ والصدَّ.

790.jpg

مع البيان اللبناني الإسرائيلي الذي صدر برعاية أميركية، فجر الخميس الماضي، سواء حول ما يُسمى "وقف النار" أو ما تضمنه من بنود أخرى أبرزها انهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، يزداد الوضع الداخلي تأزماً، في ظل تقديرات متباينة حول ما إذا كان هذا المسار من شأنه أن يضع لبنان، في المستقبل القريب، على سكة شبيهة بسكة السابع عشر من أيار/مايو 1983.

800-56.jpg

لم يعُدْ منطقياً أن نسأل السلطة السياسية اللبنانية عن إعلان إستراتيجيتها التفاوضية تحت النار. بات الكلام هباءً في هذه المسألة. لو أرادت لفعلت. ولو كانت لديها إستراتيجية مواجهة لأعلنت. يبدو أنَّ الإستراتيجية الخاصة بها تريدها في الخفاء. لقد أصبحنا نخشى من أن تعلن السلطة عمَّا تفكِّرُ به حرصاً على ما تبقَّى من أواصرَ نتمنَّى أن نُسميها وطنية. ذهنية التنازلات المجَّانية هي السائدة تحت عنوان السيادة.

800-40.jpg

سقطت ورقة التين الأخيرة. تأكَّدت سَوْأة المفاوضات أكثر من أيِّ وقتٍ قريب مضى. الميثولوجيا الدِينَويَّة عن تناول آدم وحوَّاء من ثمار الشجرة المحرَّمة تحوَّلت إلى ميثولوجيا سياسية، تحققت عمليَّاً إذِْ تناولتِ السلطة من ثمار الشجرة الوطنيةِ التي لا تراها محرَّمة. أوْقعتْ نفسها في الخطيئةِ التي دبَّرتها الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي. اخترعا "هدنةً مؤقَّتةً" جديدة تنتهي في آخر حزيران/يونيو المقبل، وتحمل في طيَّاتها كلَّ عوامل استمرار العدوان. السقف الزمني في حدِّ ذاتِهِ شُبهة كبيرة.

FB_IMG_1775357414412.jpg

خلال جولات التّحضير لإعلان بدء مرحلة المفاوضات المباشِرة مع العدوّ الإسرائيليّ، وبعد هذا الإعلان، بَرزَ ويَبرزُ خطابٌ مُعيّنٌ في البلد.. يقدّم المسألةَ هذه - وغيرَها من مثيلاتها - على أنّها التزامٌ ما بفلسفة أو عقليّة أو طريق أو مفهوم "السّلام"، لا سيّما من الزّاويتَين الرّوحيّة والدّينيّة. وقد استعان هذا الخطاب وهو يَستعين، بعباراتٍ هنا وهناك من بعض كُتُبنا المقدّسة، وكذلك باقتباساتٍ من بعض خطابات قداسة البابا لاوون الرابع عشر بشكل خاصّ.

800-15.jpg

يبدو أنَّ ما سُمِّيَ اجتماعاتٍ مباشرةً في واشنطن بين السفيرة اللبنانية والسفير "الإسرائيلي"، قد حَسَمتِ الجوهر الخطير للمفاوضات المباشرة قبل أن تبدأ. وربما شارفت على الانتهاء في العمق المخفيّ، وفقاً لما أشارت إليه تصريحات الخارجية الأميركية. ولم يبقَ سوى الزيارة التي يريدُها "دونالد ترامب" من الرئيس اللبناني جوزاف عون كي يلتقي بـِ"بنيامين نتنياهو".

800-38.jpg

لَطالَما حَرصنا على مُخاطَبَة رئيس الجُمْهوريَّة بكُلِّ احتِرامٍ وتَقديرٍ ومَودَّة، وهذا أمرٌ مُهمٌّ لا بدّ من محاولة الحفاظ عليهِ قَدر الإمكان.. وحتّى آخر نفس مُمكن إن جازَ التّعبير. ولكِنَّنا بِتنا، اليَوم تحديداً، أمامَ مُفترَقٍ خَطير: يَتَّصِلُ بالتَّوجُّهات التَّنْفيذيَّة المَصيرِيّة المُتَّخذة من جهة، وكذلك بتَجلِّيات الخِطاب السِّياسيّ عموماً لدى الرّئيس جوزاف عون من جهة ثانية.

800-36.jpg

سقطتْ أشبوهةُ وقف إطلاق النار عمليَّاً في لبنان. لا غرابة في الأمر. العدوُ الإسرائيليّ تاريخيَّاً لا يحترم وعوداً شفويَّةً ولا اتفاقيَّاتٍ كتابيَّة. "الوقْفُ" المزعوم استند إلى كلامٍ أميركيٍّ ملغومٍ أصلاً، فمذكرة وزارة الخارجيَّة الأميركيَّة التي ارتكز عليها "وقف إطلاق النار" احتفظ لـِ"إسرائيل" بما تُسمِّيه "حقَّ الدفاع عن النفس" و"حرية الحركة".