المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية Archives - 180Post

790.jpg

مع البيان اللبناني الإسرائيلي الذي صدر برعاية أميركية، فجر الخميس الماضي، سواء حول ما يُسمى "وقف النار" أو ما تضمنه من بنود أخرى بينها أبرزها انهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، يزداد الوضع الداخلي تأزماً، في ظل تقديرات متباينة حول ما إذا كان هذا المسار من شأنه أن يضع لبنان، في المستقبل القريب، على سكة شبيهة بسكة السابع عشر من أيار/مايو 1983.

800-56.jpg

لم يعُدْ منطقياً أن نسأل السلطة السياسية اللبنانية عن إعلان إستراتيجيتها التفاوضية تحت النار. بات الكلام هباءً في هذه المسألة. لو أرادت لفعلت. ولو كانت لديها إستراتيجية مواجهة لأعلنت. يبدو أنَّ الإستراتيجية الخاصة بها تريدها في الخفاء. لقد أصبحنا نخشى من أن تعلن السلطة عمَّا تفكِّرُ به حرصاً على ما تبقَّى من أواصرَ نتمنَّى أن نُسميها وطنية. ذهنية التنازلات المجَّانية هي السائدة تحت عنوان السيادة.

800-40.jpg

سقطت ورقة التين الأخيرة. تأكَّدت سَوْأة المفاوضات أكثر من أيِّ وقتٍ قريب مضى. الميثولوجيا الدِينَويَّة عن تناول آدم وحوَّاء من ثمار الشجرة المحرَّمة تحوَّلت إلى ميثولوجيا سياسية، تحققت عمليَّاً إذِْ تناولتِ السلطة من ثمار الشجرة الوطنيةِ التي لا تراها محرَّمة. أوْقعتْ نفسها في الخطيئةِ التي دبَّرتها الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي. اخترعا "هدنةً مؤقَّتةً" جديدة تنتهي في آخر حزيران/يونيو المقبل، وتحمل في طيَّاتها كلَّ عوامل استمرار العدوان. السقف الزمني في حدِّ ذاتِهِ شُبهة كبيرة.

FB_IMG_1775357414412.jpg

خلال جولات التّحضير لإعلان بدء مرحلة المفاوضات المباشِرة مع العدوّ الإسرائيليّ، وبعد هذا الإعلان، بَرزَ ويَبرزُ خطابٌ مُعيّنٌ في البلد.. يقدّم المسألةَ هذه - وغيرَها من مثيلاتها - على أنّها التزامٌ ما بفلسفة أو عقليّة أو طريق أو مفهوم "السّلام"، لا سيّما من الزّاويتَين الرّوحيّة والدّينيّة. وقد استعان هذا الخطاب وهو يَستعين، بعباراتٍ هنا وهناك من بعض كُتُبنا المقدّسة، وكذلك باقتباساتٍ من بعض خطابات قداسة البابا لاوون الرابع عشر بشكل خاصّ.

800-15.jpg

يبدو أنَّ ما سُمِّيَ اجتماعاتٍ مباشرةً في واشنطن بين السفيرة اللبنانية والسفير "الإسرائيلي"، قد حَسَمتِ الجوهر الخطير للمفاوضات المباشرة قبل أن تبدأ. وربما شارفت على الانتهاء في العمق المخفيّ، وفقاً لما أشارت إليه تصريحات الخارجية الأميركية. ولم يبقَ سوى الزيارة التي يريدُها "دونالد ترامب" من الرئيس اللبناني جوزاف عون كي يلتقي بـِ"بنيامين نتنياهو".

800-38.jpg

لَطالَما حَرصنا على مُخاطَبَة رئيس الجُمْهوريَّة بكُلِّ احتِرامٍ وتَقديرٍ ومَودَّة، وهذا أمرٌ مُهمٌّ لا بدّ من محاولة الحفاظ عليهِ قَدر الإمكان.. وحتّى آخر نفس مُمكن إن جازَ التّعبير. ولكِنَّنا بِتنا، اليَوم تحديداً، أمامَ مُفترَقٍ خَطير: يَتَّصِلُ بالتَّوجُّهات التَّنْفيذيَّة المَصيرِيّة المُتَّخذة من جهة، وكذلك بتَجلِّيات الخِطاب السِّياسيّ عموماً لدى الرّئيس جوزاف عون من جهة ثانية.

800-36.jpg

سقطتْ أشبوهةُ وقف إطلاق النار عمليَّاً في لبنان. لا غرابة في الأمر. العدوُ الإسرائيليّ تاريخيَّاً لا يحترم وعوداً شفويَّةً ولا اتفاقيَّاتٍ كتابيَّة. "الوقْفُ" المزعوم استند إلى كلامٍ أميركيٍّ ملغومٍ أصلاً، فمذكرة وزارة الخارجيَّة الأميركيَّة التي ارتكز عليها "وقف إطلاق النار" احتفظ لـِ"إسرائيل" بما تُسمِّيه "حقَّ الدفاع عن النفس" و"حرية الحركة".

إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب نصّ اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين لبنان وإسرائيل، إثر الاجتماع الثلاثي الأميركي–اللبناني–الإسرائيلي في وزارة الخارجية في واشنطن، كان بمثابة بداية تحوّل أساسي في تاريخ النزاع بين بيروت وتل أبيب. تحوّلٌ يُفترض أن يؤسس أو يطلق المسار التفاوضي اللبناني–الإسرائيلي بمواكبة واشنطن ورعايتها و«احتضانها». غير أنّ النقطة التي أثارت تحفظًا أو اعتراضًا لدى كثيرين، من دون أن يعني ذلك تعليق المفاوضات بسببها، تتعلق بما يمكن وصفه بغياب التوازن في الالتزامات بين الطرفين، لجهة الحقوق والقيود.

800-30.jpg

لا تقف خطورة اللحظة اللبنانية الراهنة عند حدود فتح باب التفاوض مع إسرائيل، بل تتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق يتصل بتموضع لبنان المستقبلي في الإقليم. فلبنان، الذي عاش منذ عقود تحت وطأة تأثيرات خارجية متراكبة (أميركية سورية سعودية، أميركية إيرانية، أميركية-إسرائيلية إلخ..) يجد نفسه اليوم أمام مفترق شديد الحساسية: هل تقود المفاوضات الحالية إلى استعادة القرار الوطني وبناء دولة قادرة على إدارة الحرب والسلم باسم جميع اللبنانيين، أم تدفعه، تحت ضغط النار والانقسام الداخلي، من التأثير الإيراني إلى التموضع في الجهة الإسرائيلية؟

780.jpg
18018021/04/2026

قال المحلل السياسي لصحيفة "يديعوت أحرونوت" إيتمار أيخنر إن قاعدة بنيامين نتنياهو الجماهيرية لا تحب وقف الحرب مع لبنان، ويتقاطع ذلك مع استطلاعات رأي أظهرت أن غالبية الجمهور الإسرائيلي يريد العودة للقتال على الجبهة اللبنانية و"حسم المعركة مع حزب الله"، على حد تعبير أيخنر.