وداعاً يا صوت الجنوب، يا صوتنا.. وداعاً آمال

سبع ساعات مضت ببطء، وآمال جريحة تنتظر تحت ركام منزل من ثلاثة طوابق، وفي الجو مسيّرات معادية ترصد كل حركة لتمنع النجدة من الوصول إليها، بعد أن سبق وصول فريق نجدة إلى زميلتها الجريحة زينب فرج ونقلها تحت النار إلى أحد المستشفيات، حيث وثّقت عدسات التصوير آثار رصاص على سيارة الإسعاف.

قبل أن يبدأ عدّاد الوقت، قالت آمال لزميلتها الجريحة، وهي تحتضنها: “قوّي قلبك وما تخافي، هلّق بيجي الجيش بياخدنا”، وانتقلت معها إلى مبنى مجاور، لكن غربان العدو المتوحشة كانت سريعة، فهاجمت المبنى عمداً ودمّرته فوق رأسيهما، فلم تعد زينب ترى آمال ولا تسمع صوتها.

وصلت سيارة الإسعاف، فوجد المسعفون زينب مع شهيدين كانا قرب الموقع، ولم يعثروا على آمال، فدخلوا في سباق مع الوقت: من جهة، كان عليهم الإسراع بنقل زينب لأنها كانت مصابة بجروح حرجة في الرأس، ومن جهة ثانية كان العدو يصبّ نيران رشاشاته عليهم، فيما مسيّراته فوق رؤوسهم. فالاسعافات الأولية لم تكن كافية لزينب، والعدو لا يعطيهم الفرصة للإمعان أكثر في البحث عن آمال.

فقرّروا نقل زينب والشهيدين إلى المستشفى، وإجراء ما يلزم من اتصالات للعودة من أجل آمال.

هذه ليست رواية سوريالية مقتطعة من فيلم سينمائي، بل هي القصة الحقيقية لما حصل مع الصحافيتين آمال خليل وزينب فرج خلال قيامهما بمهمتهما في تغطية العدوان “الإسرائيلي” في بلدة الطيري القريبة من مدينة بنت جبيل في جنوب لبنان.

وصلت سيارة الإسعاف إلى المستشفى، وأبلغ المسعفون السلطات اللبنانية بأن آمال حية ولكنها تحت الركام، وجيش العدو يمنع الوصول إليها. بدأت الاتصالات مع الجيش اللبناني، وعبره مع قوات الطوارئ الدولية المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ومع القيمين على لجنة مراقبة وقف إطلاق النار المسماة “لجنة الميكانيزم” (وهي تتألف من ممثلين عن اليونيفيل والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا والجانبين اللبناني و”الإسرائيلي”) برئاسة ضابط أميركي.

أطلق زملاء آمال من مختلف المؤسسات الإعلامية نداءات عديدة ومكثفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لكل الجهات الدولية والعربية والمحلية للضغط من أجل السماح بإسعاف آمال، ولكن كل النداءات لم تلقَ آذانًا صاغية. وحتى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، أجرى، بحسب بيانات مكتبه، اتصالات عديدة بهذا الخصوص ولم يفلح في مساعدة آمال. في غضون ذلك، كانت المُسيّرات المعادية تراقب من الجو بالصورة الحرارية جسد آمال وهو ينازع لمدة تزيد عن سبع ساعات، وعندما غابت الصورة الحرارية عن شاشات من يتحكم بالمُسيّرات عن بعد بسادية استثنائية، تأكّد للعدو أن آمال فارقت الحياة، فسمح لفرق الإسعاف بالوصول إليها.

سبع ساعات، وآمال الجريحة لم تفقد الأمل بأن يصل إليها جنود الجيش اللبناني ومسعفو الصليب الأحمر لإسعافها. سبع ساعات وهي تمني النفس بأن العالم لن يسمح بموتها تحت الركام. سبع ساعات وهي تصارع الألم وتنتصر عليه بالرجاء والإيمان، فليس سهلاً أن يصمد الإنسان حيًّا تحت ركام ثلاثة طوابق وهو جريح لو لم يمتلك إيمانًا عميقًا.

نعم، خاب أمل الصحافية الميدانية آمال فأسلمت الروح، فيما لا نعرف إن كان أمل رئيس البلاد قد خاب من “لجنة الميكانيزم”، فهو الذي أعلن قبل نحو أسبوعين، أنه عَجِزَ عن الحصول على موافقة جيش العدو – عبر لجنة الميكانيزم – على السماح بإصلاح “قسطل” يزوّد بلدتي القليعة ومرجعيون بالمياه، فهل كان يتوقع أن يحصل على موافقة هذا الجيش على إنقاذ صحافية قضّت مضجع الاحتلال بجرأة تقاريرها عن وحشيته الموثّقة، صورة وصوتًا؟

***

في حرب العام 2024 تعرّضت الزميلة آمال إلى تهديد هاتفي مباشر من العدو، تبلغت فيه أن الجيش “الإسرائيلي” سيقطع رأسها عن جسدها وسيُدمّر منزلها على رؤوس أهلها. يومها اتصلت بي آمال وأبلغتني بالاتصال، فطلبت منها أن تلزم الحذر في حركتها، وأجريت اتصالاً بنقيب محرري الصحافة اللبنانية جوزيف القصيفي الذي بادر إلى إجراء اتصالات سريعة بوزير الإعلام حينها زياد مكاري وباتحاد الصحفيين العرب، وقد وثّقت رسالة مكاري إلى الهيئات الدولية بشأن تهديد العدو لآمال.

نجت حينها زميلتنا، وجاء وقف إطلاق النار في نهياة تلك السنة، فاعتقدت أنها تجاوزت مرحلة التهديد. لكن شراهة العدو لدم آمال وحقده عليها كانا بالانتظار مع تجدد الحرب، هذه المرة حتى في ظل الوقف الهش لإطلاق النار، فطاردها على طريق بلدة الطيري إلى أن تمكّن منها.

لم يكن استشهاد آمال مفاجأة لي، تمامًا كاستشهاد زميلنا علي شعيب، الشهر الماضي، فكلاهما كان منذ زمن بعيد شهيدًا مع وقف التنفيذ. كلاهما كان يقضّ مضجع الناطق الإعلامي باسم جيش العدو أفيخاي أدرعي، وكلاهما تلقى تهديدًا بالاسم من هذا الفاجر الرخيص وكلاهما أعطيانا درسًا لنا ولكل الأجيال الصحافية القادمة أن “الكلمة اللي ما تبقى رصاصة ملعونة وخاينة”. كلاهما حملا جسديهما الحي نعشًا متحركًا بانتظار ساعة الرحيل النهائي، وكلاهما كانت كلماتهما رصاصًا مكملاً لصواريخ المقاومين الأبطال من الناقورة غربًا، صعودًا إلى سفوح جبل الشيخ شرقًا، ونهر الليطاني شمالًا، وما بين هذه الأماكن من جبال ووديان وأحراج وكهوف.

إقرأ على موقع 180  زيارة إلى إدلب السورية.. "دويلة الجولاني"!

عندما وصلني خبر حصار العدو لآمال تحت الركام، وقبل أن أبدأ بإجراء أي اتصال، شعرت باستشهادها، ولكن بالرغم من هذا الشعور أكملت اتصالاتي. لم ترد الدمعة أن تنزل من عيني، حوصرت هناك بين الجفون كما كانت آمال محاصرة تحت الركام. كنت أهرب من شعوري باستشهادها بهذه الاتصالات مع الزملاء على أمل أن يكون شعوري مخطئًا. ولكن تفكير الخبير في داخلي كان يصرّ عليّ بصوابية مشاعري، فالعقل أقوى من القلب والرغبات والأماني في هكذا أمور. كانت الدمعة وكأنها قد تحجّرت في مآقيّ.

فكيف للحزن أن ينفجر بغير أن يكون شلالًا من الدموع؟ كيف للحزن أن يصرّ على البقاء دفينًا في القلب؟ إنه العقل الذي يحاول السيطرة على المشاعر، فينقلها من حالة الحزن الأسود إلى حالة التفكير بالمجرم وشركائه في الجريمة.

***

لأن شهادة آمال خليل علينا نحن زملاءها حق ودين، لا بد من تسمية الأمور بأسمائها. ولا بد من تسمية من قتل آمال، وهنا لا بد من التأكيد أنه ليس طرفًا واحدًا بعينه.

فالمجرم القاتل هو أولاً هذا العدو المتوحش، المعادي لكل القوانين الإنسانية والدولية وقوانين حماية الصحافيين في زمن الحرب، هو الفاشية الصهيونية بأداتها العسكرية التي تمضي في عمليات القتل المنظم بصورة عمياء.

المجرم القاتل الآخر هو القيم على سفارة الإجرام في عوكر التي تزوّد العدو بكل أنواع الأسلحة الفتاكة التي قتلت آمال وقتلت قبلها آلاف اللبنانيين، وسفارة هذا المجرم في عوكر تشرف على “لجنة الميكانيزم” عبر أحد ضباطها، وهي اللجنة التي أباحت للفاشية الصهيونية دم شعبنا منذ أكثر من 17 شهرًا، نساءً وأطفالًا وشيوخًا وصحافيين وعمالًا وفلاحين وأصحاب مهن، حجرًا وزرعًا وضرعًا.

المجرم القاتل هو السلطة السياسية التي تراهن بكل مستوياتها على التفاوض المباشر مع العدو “الإسرائيلي” وتسحب جيشها من الجنوب بدل أن تعطيه الأوامر بالتصدي للعدوان؛ هي السلطة التي تُجرّم المقاومة وتريد نزع الصفة الشرعية عنها وتراسل الأمم المتحدة أن تعتبر فعلها المسلح بلا شرعية لبنانية؛ هي السلطة التي تعتبر قتل الصحافيين جريمة ضد الإنسانية وتمد يدها في اليوم نفسه للقاتل ومن يُزوده بالسلاح ويُغطي جرائمه.

باختصار، القاتل هو العدو “الإسرائيلي”، ولكن الشريك في الجريمة هو هذه السلطة المتخاذلة التي أصرت على القفز فوق دماء آمال، وذهبت إلى جلسة أنس في البيت الأبيض بحضور ترامب شخصيًا وممثل لكيان العدو، وأسموا هذا اللقاء زورًا “جلسة مفاوضات”.

نعم، لم تقم هذه السلطة الزاحفة نحو الاستسلام بلا قيد أو شرط أي اعتبار لدمائنا كلنا، الشهداء منا والأحياء الذين هم مشاريع شهداء في أية لحظة، بل حاولت تضليلنا بالقول إنها تذهب في طريق الاستسلام حرصًا علينا. فمن قال لهذه السلطة إن حياتنا وحياة أحبّتنا أغلى من تراب وطننا وأرضنا وبيوتنا؟ من قال لها إننا نفضّل النجاة بأرواحنا على العيش بكرامة على أرضنا؟

***

كانت آمال تتهمني بالقول إنني أستاذها في العمل الصحفي الميداني، فكنت أقول لها: إن كان الأمر كذلك، فإن أول درس عليك أن تتعلميه هو أن حبنا للحياة ولرسالتنا الإعلامية يجعلنا نبحث عن أماننا الشخصي في تأدية مهمتنا قبل أي اعتبار آخر، فرسالتنا هي أن نروي حقيقة ما يجري بدقة للناس، لا أن نصبح نحن الرواية.

ولكن حماسة آمال وتمسّكها بعدالة قضيتنا في مواجهة العدو الفاشي الصهيوني جعلها تتجاوز هذا الدرس، فكان الخطأ القاتل بأنها سمحت لهذا العدو أن ينال منها.

رفيقتي وصديقتي وزميلتي الشهيدة آمال؛

لا أعدك أن أتمكن من إطلاق سراح الدمعة السجينة في مآقيّ، ولكن أعدك أن أواصل حمل القضية التي من أجلها استُشهدتِ.

لك مني كل التحية ووردة حمراء.

Print Friendly, PDF & Email
سلطان سليمان

صحافي لبناني؛ كان يُوقّع مقالاته باسم "ماهر أبي نادر" لضرورات عمله

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  ميدان جنوب لبنان، توسعاً أو إحتواءً.. الأولوية لوقف حرب غزة